الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

" برق الليل "

Share

        - 2 -        الفصل الثانى

لجأت الشابة الى دار الجيران .

وذهب الزنجي في ذلك الليل ، فوقع فى الشارع يحمل مسؤوليته كما وقع أبونا آدم من الفردوس الى الارض . فتوجه منحدرا . لا يدرى الى اين حتى وصل الى باب السويقة . فوجد الناس يخرجون من المساجد يحملون مصابيحهم والعساس يفتح الباب وقد انبثق فجر صائف مبكر .

وصل الى فندق بالتبانين وجلس بحذاء الابل الباركة ينشق العطن وشذاء قرط الحلبة وينظر فى غبش النهار الى الطيور المزقزقة تقفز حول الابل وتركس عليها وتلتقط الحب ، مطمئنة .

فعجب كيف ان الحيوان يعرف الحيوان فيأمنه ، بينما يجفل من الانسان . وتساءل : كيف يميز الطير الحيوان من الانسان فيأنس لذاك وينفر من هذا .

هنا الابل باركة وهناك البغال والحمير واقفة وفى اقصى بناء الفندق الاغنام ثاوية . فمد رجله وسكن ، لتحسبه الطيور حيوانا فتقترب منه وتركس عليه .

اقبل بابا سعفان ، صاحب الفندق ، مع نفر من حرفائه يتمون المعقبات ويهمسون والخطر باد على وجوههم . جلسوا يتحدثون عن حدث عظيم وقع فى البلاد .

مولاى الحسن الحفصى بات ما اصبح        البلاد بدون سلطان

نزل هذا الخبر على الزنجى نزول الواقعة . فارتبك واحتار : كيف يكون العمل ؟ لقد ذكر ما سمعه من حكايات العجائز من مواليه . فان دساتير بعض الممالك ، اذا ما فقدت المملكة سلطانها ، ينتظر الاهالى اول غريب يدخل البلاد فينادون به ملكا . فمن المحتمل ان يحسبه اصحاب هذا الحي غريبا دخل البلاد هذا الصباح . فهم لا يعرفونه . سوف يحلف لهم انه عبد السيد حامد بن النخلى . وسيصف لهم المخبر والحى وسيذكر لهم بعض جيرانه ، حتى يقنعهم فيخلوا سبيله

طلع النهار . وكثر التساؤل وكثرت الجيئة والذهاب وتعطلت الاعمال والزنجى مندس بين الابعرة يفكر كيف التخلص من الملك .

وعند الضحى شاع خبر آخر :

     الترك يقبلون ! الباشا خير الدين يدخل البلاد .

تنفس الزنجى الصعداء وخرج .

وجد الناس يهرعون الى التفرج ، فتبعهم الى كدية الفيران . فرأى اشياء غريبة عنه . اشياء لم تخطر له على بال . رأى سيلا من الجنود الجرارة فى ازياء غريبة تتدفق من حلق الوادى فى طريقها الى الحضرة .

انهم الينشرية ، وما ادراك ما الينشرية ، نخية الجنود العثمانية . اولائك الذين طبقت سمعة شجاعتهم وجلدهم جميع العالم . اولائك الذين يأخذ منهم القائد بضعة مئات ان كانت الموقعة تستلزم من غيرهم بضعة آلاف ، ويكون رابحا . اولئك الذين لا يحملون في الحرب الا اذا خرج معهم البادشاه نفسه .

وقد سبق ان احجموا امام بودا ، عاصمة البلغار ، لما فطنوا ان ليس بينهم سليمان القانوني . وما انقيادهم لخير الدين الا اكبر شهادة لعبقرية الغازى العظيم فى الحرب البحرية .

كانت الكوكبات تتلو بعضها بعضا ، وكل واحدة يختلف زيها باختلاف وظيفتها .

المقاتلة من رماة وطبجية ، يحملون سلاحهم المخضرم : السيوف والقسى ومكاحل النحاس ، ويتلوهم اصحاب الصنائع من بنائين وحدادين ونجارين , وتتلوهم عربات الذخائر والمؤن والمدافع والمنجنيقات .

وما كان نزولهم نزول عسكر مظفر على بلد عدو . بل نزول اصدقاء ، فهم ينظرون ضاحكين ، مستبشرين الى هذا البلد واهله اما هؤلاء فهم صامتون , مترددون بين الفرح والحزن . سلطانهم هرب . وهؤلاء مسلمون . لا بأس بهم .

صدر امر كبير العسكر ، الصنق دار دلاجى ، بالتوقف ساعة ريثما تلحق بقية الجنود من المراكب فيلتئم جمعهم ويخترقون المدينة فى نظام خليق بهم .

تفرق العساكر وانتشروا فى سانية العناب يستريحون تحت الاشجار . فتسربت اليهم جماعة من المتطفلين - من بينهم برق الليل - وهبطوا من كدية الفيران ليتفرجوا على هؤلاء الجنود الشقر ذوى العمائم المتقاطعة لياتها على جباههم الصبوحة كتقاطع السجف الانيقة . لهم شوارب دقيقة تتجه ذوائبها الى عيون حادة ، فيها العزة والشهامة ، سراويلهم فضفاضة تنحصر فوق ربلات متحجرة .

اقترب منهم الاهالى وما هى الا لحظة حتى صار سلام وكلام .

وتقدم الفضوليون يسألون عن السلاح والازياء والعتادالحربى والاتراك يجيبون بطيب خاطر ويعطونهم من البشماط والقديد . واسرع الاهالى وجاؤوا لهم بالدلاع والبطيخ والعنب . فتم التألف وساد الجذل .

لاحظ الزنجى من بينهم فتى اسمر ، لا يشبه رفاقه الشقر . ربع القامة ، مفتول الاعضاء ، لا يحمل من السلاح الا صباطة ضخمة وجولقا معلقا على كتفه ، قد انتحى ناحية ، وجلس منفردا تحت شجرة لا يأكل ولا يضحك وانما يدخن غليونا عظيما وينظر الى المدينة بشوق واهتمام .

اقترب منه الزنجى يعجب . فانه لم ير ذلك من قبل . اقترب مشدوها ينشق رائحة التبغ . فأعجبته واستظرفه الفتى ، فصار ينفث فى وجهه الدخان وهو يشم ، ثم سأله :

- اعطي اعمل مثلك .

فأعطاه . فجذب ، فاحتبس الدخان فى صدره وشرق واخذ خرصه يرتج من السعال . فالتف حوله الجنود وعمد احدهم الى ركوة عنده وسقاه خمرا . فهدأ سعاله ولبث يلهث ويقلب عينيه المحمرتين فى العساكر وهم يضحكون

مازحه آخر فاطلق بين رجليه وجه بارود . فاهتز الزنجى وانتفض وساءت حالته وبدأ الندم يأخذ الجنود . فأومأ الى صاحب الركوة ان يدركه بشربة فمز من الخمر فهدأ روعه ثم أشار الى آخر ان يعطيه من القديد ، فانتعش واصبح محل فكاهة الجميع .

لاحظ ضابطا متزمتا ، لا اناقة فى عمامته بل هى تغم رأسه كانها تستر عيبا . لاحظ انه لم يعبأ به ولم يضحك منه . فحقد عليه ، وغافله وانتزع منه العمامة . فظهر الرأس اقرع لاشعر فيه . فضحك الزنجى حتى استلقى وضحك جميع الحاضرين

اغتاظ الضابط ودخل فى سورة من الغضب الشديد . فأصلح عمامته واخذ سوطا وعلاه ضربا مبرحا فضجت النظارة ، وانكروا هذه القسوة ، لكن لم يجسر احد على نجدته ، وعندما كاد يقتله قام ذلك الفتى المدخن وحال بينهما قائلا للضابط .

- خل عنه المسكين

فانتهره الضابط بشراسة

- وما شأنك انت ؟ اتريد ان الحقك به ؟

- او تقدر ؟ لنر قليلا .

رمى الفتى الاسمر بجولقه فى الارض وتقدم الرجلان الى بعضهما ويد كل منهما على مقبض سلاحه . فتداخل بينهما الحاضرون فاكتفيا بالتشاتم بالعربية والتركية والايطالية . وادركهما الصنجق دار فوبخ الفتى على وقوفه فى وجه ضابطه . فقال له مبررا تصرفه

- انه كاد ان يقتل هذا المسكين ضربا .

- وما يعنيك ؟

لم يجد الفتى جوابا . فادركه الزنجى بقوله :

- وانا عبده فتهامس رفاقه الاتراك قائلين " الشعشوع عبد ؟

تفرق الجمع وسار الزنجي وراء منقذه ، يحمل له جولقه ، علامة على عبوديته . ولما وصلا نوايل سيدى سفيان قال له شعشوع :

- سر يا اخى ، فى حفظ الله . ما انت عبدى ولا انا سيدك .

واخذ منه متاعه ومضى نحو المدينة بقدم ثابتة والصباطة ترطم اعقابه . عجب برق الليل لبوار نفسه . وثقلت عليه حريته . فتابع سيره حزينا حائرا الى فندق بابا سعفان .

اما ذلك المندس بين الينشرية ، يحسب نفسه ندا لهم ، وقد اكبره الناس وتحققوا انه تونسى من بلاغته فى السب ، عرفنا من تهامس رفاقه ان اسمه شعشوع .

ولنعرف الآن انه كراكجى ، اى مهنته التجديف بالسفن عندما تجرى الرياح كما قال الآخر . . . . حكم عليه بذلك لسبب هو فى طبعه عريق .

كان قد اختطف امراة من دار جواد ، نشزت عن زوجها الشيخ . وبدا له انها مظلومة وايد هذا الظن ما رأى من حسن وجمال وقد واعتدال . فلم يتردد فى نقض حكم الشيخ القاضى ، واستعان بظلام الليل فرمى خيط الزرق وفر بها .

لكنه لم يبتعد كثيرا حتى ادركه الضابطية وافسدوا عليه عمله . وبعثوه يجدف بمراكب السلطان . ولم يلبث ان التقى بفتيان الترك ، من الغزاة ،

فأحبت نفسه المغامرة ، فتحين فرصة وترك رفاقه دون توديع وانضم الى كراكجية خيرالدين ولم ير فى ذلك حرجا . فحيثما يرفع المؤذن عقيرته فثم وطنه .

وبهذه الصفة ، عاد شعشوع الى تونس مع حملة خيرالدين باشا ، لكنه عوض ان يدخل القصبة او يأوى الى احد المعاقل ، التى تحمى جوانب ابواب

المدينة مع رفاقه الينشرية ، استأذن الصنجق دار في ان يذهب الى حال سبيله ، الى ربض باب السويقة اذ هو بلده الآن . فان له فيه فيه حبيبا .

مر على معالم كانت له فيها اشياء . . . ,مر على دار جواد وحياها بنظرة , ومر على الروشن حيث يظن الشابة التى كانت سبب تيهه فى البحار

فتوقف واشعل غليونا . ويالدهشته لما رأى جانب المشرفية ينشق على وجه الحسناء ورآها تخاطبه فى لهفة :

- شعشوع ، أنت رجعت

وقبل ان يجيب ، اردفت ، فى سرعة ، خشية المارة :

- غدوة فى المعرض .

ورجعت المشرفية كهيأتها الاولى . وتابع الفتى سيره وهو يردد فى نفسه : " غدوة فى المعرض ! غدوة فى المعرض " يعلم ان المعرض هو سوق العبيد والجوارى قرب جامع الزيتونة ، فما شأنه والمعرض ؟ على كل حال امر الحسان لا يناقش . " غدوة فى المعرض ! "

تابع سيره الى ان وصل الى التبانين . فدخل فندقا ليزيل عنه وعثاء السفر . فخف اليه صاحب الفندق ورحب به وتقدمه الى احدى الحجرات . وبينما كان يزيل عتاده ليستريح ، تظاهر بابا سعفان بتمهيد الفراش . وخضخض الجولق ، ليكون لنفسه فكرة عن محتواه . فأفاده هذا الاختبار الاجمالى ما افاده . افاده ان فى الجولق من الحلى والجواهر مما غنموا من سواحل بلاد الروم ما " يغنى دوار والا جماعة فقرية "

- دنقير ، حرباوى ، عبشة ، قوموا لخدمة سيدكم

دخل الغلمان الحجرة يكنسون ويرتبون . سأل بابا سعفان

- يشتهيش سيدى حاجة ؟

- نشتهى ما يشتهى رجل جيعان وغايب على تونس سنين

ابتسم صاحب الفندق وقال : - كسكسى باجى بلحم العلوش واللبن الرايب

- الله يرحم فمك ياولد بلادى . عجل

غاب بابا سعفان ساعة ، ثم اقبل يحمل مائدة عليها قصعة مغطاة وقدح من اللبن الرائب تتهادى فيه مدرات من الزبدة . وضع ذلك امام شعشوع ، ورنا الى الجولق وخرج

ازال شعشوع المكب ، فظهر كسكسى هائل . فاخذ مغرفة الخشب وبدأ يفطر . رآه برق الليل وكان مندسا بين الابل فاقترب منه وجعل يتأمل هرم الخضر والحمص والزبيب واللحم السمين بشاهية وطمع . وجاشت امعاؤه لتلك الخيرات وودت لو تشتمل عليها وتضمها فيها .

لبث ينتظر عسى ان يدعوه شعشوع . لكنه استمر يكل ويمشمش وينظر الى الزنجى نظرات القط المغنم الى قط متطلع .

زاد الزنجى فى الاقتراب وانحنى على القصعة وشمها قليلا ثم سأل

- باهى الافاح ؟

اجابه شعشوع وهو يبتلع .

موش دونى

واستمر فى الاكل . سكت الزنجى لحظة تم اشار عليه

- اجبد القرع

فامتثل واستمر يأكل . سكت الزنجى لحظة أخرى ثم قال :

- خوذ ثوة الزبيب والحمص

ملأ شعشوع مغرفته ، فتبدد منها الزبيب والحمص فظهر القلق على وجه الزنجى وزقف ما سال من ريقه وصاح

- يلزم كل لقمة يكون فيها كل شىء . الكسكسى والخضرة والحمص واللية ويبقى اللحم للتمام . شوف ونقع يديه فى محبس ماء فغسلهما ثم قال

- اش تعمل بها المغرفة ؟ واليدين لواش خلقهم ربى

وتقدم الى القصعة واخذ يفعل ما يقول

- خوذ اللية بصوابعك وغفصها مع الكسكسى وضم لها من الخضرة والزبيب والحمص ولقفها شوية شوية وكورها ومن بعد احدفها فى حلقك . . . هكذا

وطفق الزنجى يكور اللحم ويقذف فى فمه وشعشوع ينظر باسما ويعجب من اتساع عينيه كلما ازدرد لقمة .

ثم عمد الزنجى الى قعب يكرع ولما وضعه رأى شعشوعا يكون اللقم هو الآخر ، لكن الطعام يتفتت في يده . فضحك عليه حتى انفجر اللبن عن فمه .

ثم كور واحدة ورماها له فى حلقه فاستطابها شعشوع ، لكن القصعة فرغت فدعا بثانية .

دخل بابا سعفان ونظر الى الزنجى وسأل

- من أين خرج هذا ؟ مسح شعشوع فمه بكمه وأجابه :

- ناداه قسمه . زدنا يزيدك ربى من ثمار الجنة .

اخذ الماعون وبه العظام نقية وخرج وهو يرنو الى الجولق

التقم المسافر ورفيقه المائدة الثانية بشهية وضحك وتكوير لقم ومزاح .

وطلبا الزيادة ثالثة فنظر صاحب الفندق هذه المرة بحنق اليهما وبيأس الى الجولق

انطرحت القصعة الثالثة نظيفة . واستند شعشوع الى جولقه وسلاحه وتجشأ واحدة مدوية وتمدد . وقام الزنجى فعرج عليه الباب ورجع الى ابله . وهوى كل منهما فى نومة عميقة .

دخلت عساكر الترك البلاد . وجلس خير الدين بحى القصبة واضطرب الاهالى . هل يقاومون ام يرضون بما وقع . ولم تحن صلاة العصر الا والبلاد قد وضح امرها . مستسلمون ومقاومون . وفود المدينة وربض باب الجزيرة يهنئون الباشا واستعد ربض باب السويقة للمقاومة .

وفي ذلك الحين ، كان بابا سعفان في محاورة حادة فى فناء فندقه ، يتكلم ويشير الى الحجرة حيث ينام شعشوع . ثم تقدم مع نفر من مستمعيه وغلمانه ودفع باب الحجرة وصاح :

- اش تكون يا هذا ؟ جيت مع الترك ؟

وقبل ان يجيب بنعم اوبلا ، كبسه الغلمان ومن معهم وخرجوا به وبابا سعفان يحرض ويصيح ، بعد ان استوثق من الجولق .

- ردوا بالكم ، اعقفوا له يديه لتالي الدرزى ، أكل هو ومارد اسود نصف قلبة كسكسى وشربوا صاع لبن .

ظنها النائم معركة بحرية . وحاول الدفاع . لكن عدة من الرجال قد تمكنوا من حبسه بين ايديهم فلم يستطع حراكا . وفيما هو يتعصر ويتلوى ، اطلق اثنان من مهاجميه ايديهم ووقعا على الارض ، مفضخة رؤوسهما .

ذلك ان يرق الليل وثب على هراوة كانت ملقاة جانب الابل . وادارها فى الهواء وانقض بها على من والاه . فتحرر شعشوع وخاض الرجلان : الاسود والابيض معركة حامية .

الاسود بهراوته يدك الرؤوس فتتقد العيون بمائة نجمة وينكب اصحابها على الاذقان .

والابيض يشدخ ، بجمعه ، الوجوه ، فتنهد الاسنان وتتدفق الدماء .

ويصرع برأسه ويدفع برجله وينتر الرجال ، فيصك بعضها ببعض . وتعالت اصوات المعطوبين والمحرضين . فهرع الناس من كل صوب من الحلفاوين والغصرون وعين الدوارة ودرب العسال يتصايحون .

- الترك دخلوا ، الترك دخلوا .

وما عسى ان يفعل فردان ضد امة ؟ اخرج الرجلان محملين والقى بهما خارج الربض . بعد ان تركا خمسة من غرمائهما على الارض .

قاما ينفضان غبارات الموت . فوجدا انفسيهما بقاع المزود .

اقبل الزنجي يصلح من حال صاحبه ويبكى لانقلاب عزه الى ما هو فيه .

وتدرج شعشوع الى دكانة امام دار وجلس يجمع افكاره . انتظر الزنجي برهة ثم تقدم اليه :

- يا سيدى . ما عندى ما نعطيك كان نفسى تحبش وصيف ؟

بغت شعشوع بهذا العرض ثم قال :

كان نبيعك وننتفع بحقك

- اى نعم

تابع شعشوع كأنه يحدث نفسه :

- سلبونى اولاد الق... سلبونى كل شئ ... موش عيب نمشى للقصبة وانا فى بلادى ؟

صمت لحظة ثم .

- مشى الجولق والصباطه وكل شىء والله الا ما نرجع له هاك شيبة جهنم وندق له عنقه

- يا سيدى انا لك

- انت شوشان خير من اربعة احرار لكن اش نعمل بيك . انا على الله . لا عندى ما نوكلك ولا وين نبيتك

- ها هى دار الدلال ، ادفعنى وخوذ حقى - انت شوشان خير من ثمانية احرار . اش قصتك

اقترب برق الليل ممن اختاره سيدا وقص عليه قصته مقتصرا على افساد خليط استاذه السيد حامد بن النخلى ولم يذكر له قصة الشابة ورقصته . فذلك سره الغالى الدفين يحتفظ به لنفسه

عند المغرب ، اقبل كهل يسوق امامه سربا من النساء كانهن الظباء . ودخل بهن تلك الدار . اعاد الزنجى عرضه . فأطرق شعشوع هنيهة ثم قال :

- والله يغيظنى بيعك . وما تصلح الا رفيق

بيعنى ونهرب من مولى ونرجع لك .

ابتسم شعشوع ، وتفرس فى الزنجى فرأى وجها اسود مفتوحا فى ابتسامة رجاء . قد خفف الذعر والارتباك من سواد قممه ، فانطرح انفه بين وجنتين مكتنزتين يعطى لونهما الى القسطلى . عيناه تشعان ذكاء ووفاء وخرصه يتأرجح في اذنه اليسرى فاعجبه ووجد فيه رفيقا مثاليا له . لكن ، تقدم على مضض وطرق الباب . فخرج اليه الكهل

- عندي عبد نحب نبيعه

- بات الرزق يا سيدى

- اش يعنى هذا ؟

- ايجا غدوة ، بعد الصبح . اذا لطف بينا ربى واصبحنا من اهل هذه الدنيا .

- خلية عندك ، احنا غربا وما عندنا وين نبات .

التفت الدلال - لان ذلك هو الدلال - التفت الى الغلام وجذبه اليه ، وجسه من رقبته ومناكبه وأخذ يده ولوح بها حتى كاد ينزعها . ثم دخل بهما السقيفة وصفق ودعا بقنديل وجعل يقلب العبد . فتح له فمه ونظر اسنانه وعدها .

وفحص يديه ولمس هل بها كراك تدل على العمل وأمره ان يثب وان يمد

خطاه . ونزع منه قلنسوته ولمس شعره المفلفل الاجرد ، وتأمل المرجانة الحمراء المتدلية من اذنه ، ثم التفت الى شعشوع ، تاركا يده على رأس الغلام , وقال

ما عندى ما نقول . وانما السوق كاسدة والدنيا خائضة ياولدى . ربى يسترنا وما ندرى تفتح السوق غدوة والا لا

والتفت الى الغلام وسأله - ايش تعرف ؟

- كل شئ - هذا عظيم ؟ يعنى ما تعرف شئ . عندك صنعة ؟

- صنعتى تخليط الادوية والعقاقير .

همهم الدلال :

- خاطبتني عجوز فى غلام يعينها على تمريض ولدها . ثم رفع صوته - جوزوا دخل بهما سقيفة ثانية . بها مصطبتان . واحدة فى كل جانب ومنها يظهر صحن الدار يزخر برقيق عديد : جوار روميات وشركسيات وحبشيات وسودانيات كلهن للبيع نادى الدلال فأقبلت اثنتان منهن وعلقتا سراجا وأصلحتا مجلسا فى احدى المصطبتين . وبعد العشاء جلس الدلال الى ضيفه يحادثه

علم انه قدم مع الترك ، فسأله :

- تعلم شىء على هذه الفتنية ؟

وجرى حديثهما عن كرامات الاولياء . ذكر الدلال ان عجوزا لها عنز فى جملة اغنام اعتدى عليها اولاد سعيد فرفعت ظلامتها الى الحفصى فلم يعدها ، فخرجت واشععلت شمعة فى سيدى محرز . ثم ذكر ان احدهم رأى فيما يرى النائم مجلس الاغواث منعقدا تحت رئاسة سيدى محرز وسيدى بن عروس نفعنا الله ببركاتهما . وتكلم الاولياء في أحوال البلاد ومن يصلح بها واستعرضوا ملوك الزمان ، فوجدوا خيرالدين اكثرهم تقوى واشدهم على الكفار .

وانتقل بهما الحديث الى خلاف هذين القطبين وكيف غضب سيدى بن عروس على بعض اهل الحضرة فهم بالقاء المدينة فى البحر ، لولا ان اعترضه سيدى محرز فأوقف فعلته ، ولذا ترى المدينة مائلة الى البحر . وقال سيدى بن عروس عند ذلك " يحرز محرز يا تونس " فأرسلها مثلا .

وكان المتسامران ، ابعد ما يكون عن النزول بهذه الاسباب الى ما ذهب اليه المؤرخون .

ذكر هؤلاء ان ملوك افريقيا ، فى ذلك الزمان ، كانوا يذوقون الامرين من جور النصارى . وان الضعف ادرك المسلمين فى الحوض الغربى من بحر الروم ، فأعمل فيهم النصارى السيف والنار . واطردوهم من الاندلس ولاحقوهم الى سواحل افريقيا يسومونهم انواع الذل والهوان

وذكروا ان خيرالدين قدم فى ثلة من المغامرين الاتراك وتعرض اليهم واوقع بهم الوقائع وصاحبه التوفيق فعلا شأنه وكثرت غلائطه . فرحب به ملوك البلاد وافسحوا له المجال اذ وجدوا فيه وفى اصحابه فتيانا يعرفون كيف يتكلمون مع طغاة النصارى .

وتقربوا اليه وخطبوا حلفه ، فرفع عنهم الضيم . وفر النصارى أمامه كحمر مستنفرة فرت من قسورة . وتمكن فى الارض وبسط هيمنته العصامية على معظم ثغور افريقيا .

فاستراب الملوك معراج حليفهم المطرد واشفقوا من ان تنال عروشهم النخرة هذه اليد الجبارة التى ما امتدت الى شىء الا قبضت عليه من الناصية .

فتراسل صاحب تلمسان وصاحب تونس فى هذا الشأن وأراد نجم خير الدين ان تقع هذه المراسلة بين يديه ...

تقدم الليل وراق السمر فصاح الدلال برفيقة :

ألا من تصنع لنا أكلة فان بطوننا قد خويت

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية