بقلم الاستاذ :
. . كان المجلس يضج بصنوف الحديث متبادلة بين ثلة " المسنين " . .
وكان جمعهم يتحدث عن ابناء لأكثرهم مبتعثين للدراسة (في الخارج ). . وهذا أحد اصحابنا المسنين يقول عن ابن له :
- في زماننا لم نكن نعرف من الدراسة الا الكتاب أو المسجد . . أما اليوم (ويتنهد بحسرة ) سبحان الله . . حظهم طيب هؤلاء الاولاد . . وجدوا التعليم المجاني والعالى في بلادهم . . وفوق هذا يبعثون الى الخارج . . مثلا ولدى " خليل " . . يدرس الآن في " أوربا " في بلاد لا احفظ اسمها كثيرا . .
ويرتفع صوت أحد الجلوس قائلا فى لطاقة : فى " بلا . . ج . " بلجيكا . . هه . . هه . . اى اسم هذا أعوذ بالله منه . "
ويقهقه الجلوس . . وقد هز العم ابراهيم رأسه بالموافقة على اسم البلد . .
تلك التى يدرس بها . ابنه . .
ثم نراه وهو يجيب احد الرفاق في صوت خفيض يبين ألما فى قلب المجيب : لم تات منه الا رسالة واحدة منذ غادرنا ، وحتى اليوم .
يصمت قليلا ويهم بالاسترسال الا ان رفيقا آخر قال فى تعجب مستفهم :
- أنسيت انه يدرس الآن . . يعنى انه لا وقت لديه الا للدراسة ؟ !
وترتفع يدا الشيخ ابراهيم ، وتنش ملكته عبرة داعيا ربه بالتوفيق لابنه في دراسته . . ثم يمد يمناه ليأخذ كوب الشاي الذي كان أمامه الا انه لم يستطع رشف شئ منه لانه سئل فأجاب بقوله : فى مرت سنتان وهو فى بلاد الغربة .
- اعاده الله لك سالما غانما . . ش .
وفى يوم جمعة كان " يدع .
مرتفع الصوت وقد أحاطت به الاسرة كلها تنتظر فى لهفة وشوق شديدين . . على امل سماع صوت ابنها " خليل " الذى وعد مقدم البرنامج باذاعة رسالة له فى هذا اليوم . . وكانت لحظات . . اختلطت فيها المشاعر . . والتهبت فيها الاحاسيس .
. . وأصاخت الآذان وقد سبقتها القلوب . . وكأنى بها وقد أرادت أن تكون هي جهاز " المذياع ، حتى يتحدث خليل عبر اوتارها . . ولكنها لم تستطع الا انها تمنت التهام المذياع لتجتر نبرات الصوت البعيد في الغربة . . القريب فى القلب . . وحانت الهنييهات وقد أريد أن تكون ساعات أو دقائق . . وجاء الصوت عبر المذياع : - أنا خليل ابراهيم أدرس فى بلجيكا . . تحياتي الى الاهل وسلامي اليهم .
فقط هي هذه الكلمات القلائل . . جاءت فى " برود " وبسرعة . . وأراد المذيع ان يطيل معه لكنه اعتذر بأن لديه من الدراسة ما لا يسمح له بالاطالة . .
. . كادت الفرحة ان تغمر أفراد العائلة . الا ان الام انكفأت على يديها وقد سالت على وجنتيها الدمعات حرى مختنقة . . كانت دمعات فرحة ولكن هذه الفرحة اصابها خلل فلم يكتمل لها نضج . . قضى عليها أسف وحسرة . . فكيف يبخل هذا الابن بدقانق . . أو على الاصح بدقيقة واحدة يتحدث . فيها عن مشاعره واحاسيسه فى غربته عن أهله وموطنه . . وكيف هي أحواله ودراسته . . لماذا لم يفعل .. ؟ الا انه منهمك بدراسه فشغل عن تلك الدفائق التى تمناها أفراد الاسرة .. ؟! ولم يكن
التاسف من نصيب الاسرة فقط محى المذيع قالها فى كلمات مكلومة ارتجت لها اوصال الام المسكينة . . وارتجفت لها اعصاب الوالد الكهل . .
لكن الابن الاوسط عصام قال للجميع فى كلمات قاسية : فليهنا بدراسته لانها هى التى ولدته وارضعته من ثديبها . . دعوه لدراسته . . وادعو له . . أما نحن فاتركونا نحيى كما نريد . . لا يهمنا امره . . لانه لا يهمه امرنا . . !
. لم تكتمل ثلة المسنين الا حيما جاءها الشيخ ابراهيم . . ولم يجلس صامتا ولم تستقبله الثلة بصمت فقد تعالت أصواتهم بالتهنئة . . وسمع صوته فى بخة كأنها حشرجة الموت . . قال لهم بصوت منخفض : - البركة فيكم . . بارك اليه عليكم . . وشكرا . . شكرا لكم . وجس فى مكانه المعتاد على طرف من الكرسى " الشريط " . . لم ينبس بعدها ببنت نيفة فشعر القوم ان فى الأمر شيئا . . لكنهم اثروا اكتمان ما ااحسوا . . وكظم هو ما وجد فى نفسه . . صابرا على ألمه المتقد فى فؤاده.
وانتهى وقت الاجتماع . وتفرق كل سهم فى طريقه . . وقد عاد العم ابراهيم ادراجه الى بيته . . كان يسير فى تمهل يغائب نفسه ان لا تبكى وأن لا تشكى . . يبعد بذهنه أن يذكر ذلك الابن . . وفلة ان يخفق لبعده وغربته . . وما كان مضوره ان يفعل . . وما كان كاستطاعته ان سياء . . فعاطفة الابوة لا يغلبها حقد ولا سورة
ان نصطفت لنفسها " البنوة " . .
مع ذلك جاهد أن يفعل . . وشرد به الخيال . . الى آفاق بعيدة . . الى الماضى . وغاص في بئره السحيقة . . البعيدة الغور . . ثم قفز به إلى ضباب المستقبل فما عاد يرى شيئا . . رأى فى ماضيه كيف كان فتي غض الاهاب . . مخضر العذار . . يرنو إلى مستقبل ايامه وسنى عمره الآتية فيأمل ويمطر بها الخير كل الخير
كان يتمنى ان يلقب بأبي خليل اسم ابنه الذي اراده . . وينظر الآن الى سفح الحصر . . ممتدا امامه فينظر زوجه وأم عياله " فطومة ويحس بلذة الحياة فى وجوه ابنائه الثلاثة فترجع به الذكرى لابنه المغترب " فتنحدر على وجنتيه الدموع تنذمهما بلهيب لا يعرف له قرار . . اكان لهيب الشوق . . أم وقدة الحزن على الشعور بعقد ماكورة امله . .
ولم تكن مشاعره بأصفى ولا بأوضح صورة من لهيب دموعة . . كانت مختلطة . . من غير قريبة بينها . . متنافرة في نوعها . . ورغم اختلافها فانها لم تحقق تضريبة المغناطيسية " فى أن كل مختلفين - . والعكس بالنقيض . . لم تكن مسيره كذلك : كانت غريبة فى شكلها - وبها . . ولم يكن للشيخ الا التسليم الخلطة او الخليط . .
وانجردت عليه فى حاله تلك ايام شهر عدة . . ثم التحمت الايام و " سير فاصبحت سنوات طالت . . اخالها او ستا . . وقد كادت الكمونة ان يبقى من خيوط القوة والحيوية فى
جسم العم ابراهيم . . وقلب السيدة فطومة ، . . التى لم يكن حظها بأقل من زوجها الشيخ حزنا وكآبة . . وتمضى عليهما الايام ثقالا متباطئة . . مشرقها كمغربها . . وليس مغالاة ان كانت شمسها كالسها فى خيالهما . . لم يكن لها اى اشراق لديهما . الا ان بعد كل ليلة ضحى . . وبعد كل عسر يسرا . . ولا بد لأستار الظلام أن تهتك فينبلج الضياء . . كيف لا وهذه البرقية آتية من خليل تبشر بقرب قدومه من بلاد (الغربه) ، بعد سنوات سبع قضاها بعيدا عن أهله وموطنه . . ها هو ذا اليوم عائد اليها وفي حوزته الشهادة العليا ولعلها . الدكتورية " . نعم سيعود بعد أربعة ايام من الآن . .
ويغرق البيت في خضم الفرحة بعد ظلمة حالكة كادت تأتي على نفوسن ساكتيه . . وها هي ذى علامات البشر تشرق على سرائر الوالد الشيخ والام العجوز . . وبقية الإقارب والاسرة . . ثم ثلة المسنين . .
ولكن
ها . . لا بد عنها . . فأنتم مدعوون لها بمناسبة عودته من المخارج . . وتلبي الدعوة ويمتلئ البيت بالمدعوبن . . وبنتظر الجميع موكب الاستاذ خليل . . وتمضى الدقائق وقد تسمرت الأنظار نحو رأس * الزقاق " المشبع بالماء كيلا يثار الغبار فى وجه القادم العزيز
- واتى الموكب.....ثلاث سيارات كانت تمشى وراء بعضها . . توسطنها التى تقل الأستاذ .
وارتفعت الزغاريد . . وفي مقابلب
انهرت دموع الفرحة حتى كادت تشرق بأصحابها . . وتهللت الوجوه . . ونطقت القلوب بالتهانى . . والنفوس بالامنيات الطيبة لهذا الضيف الغالى . . كان الجو حفا يدغدغ المشاعر . . ويهز القلوب كل القلوب . . عدا قلب الاستاذ ونفسنه التى كانت فى " أنفة " ٠٠وقلبته الذي استشعر بغرابة الجو حوله . . كان ساهم يرد على التحية بايماءة بسيطة . . وابتسامة شاحبة . . وعلى التهنئة بدمدمة مجهولة المعانى والرموز . . أحس بالوحشة رغم الزغاريد . . وبالغربة والبعد رغم قرابة الحضور منه وقربه من انفسهم . .
. . وانتهت الحفلة أو(الدخلة ) وذهب كل الى بيته الا قليلا من الاهل قضوا بقية ليلتهم فى منزل الشيخ ابراهيم .
. . ويتنفس الصبح بتردد صدى المؤذن داعيا الى الصلاة . . فقام العم ابراهيم من مضجعه وفى نيته ايقاظ ابنه العزيز خليل ليذهبا معا الى الحرم يصليان الفجرفيه . . لكن خليل كان يغط فى نومه ولما حاول أبوه انتشاله من خضم النوم قال له فى كلمات ذابئة كصاحبها النائم : اننى متعب . . لا استطيع الذهاب الآن . .
فانها تم أشاح بوجهه عن أبيه ورجع الى احلامه ونشوة نومه . .
لم يشأ العم ابراهيم ازعاج ابنه فقد صدق فولته : - فهو منعب . . وقد جاء من رحلة طويلة . . فليكن له ما يريد اليوم . . ولكن منذ غد سيكون رفيقي الى الحرم . . ان شاء الله وفي كل صلاة . . انه ابنى
صباى . . هداه الله . . هداه الله .
وانقضت الصلاة وعاد العم ابراهيم الى ابنه الذى لم تنكشف عنه أستار النوم . . وتركه حتى قبيل شروق الشمس بنصف ساعة . . حاول أن يوقظه الا انه تراجع مرة اخرى وقال فى نفسه : انه مرهق ويحتاج الى وقت طويل للنوم حتى يسترجع قواه ونشاطه . . وهو ان صحا الآن للصلاة فلن يستطيع العودة الى النوم لانه " سيطير من اجفانه " . .
وتركه على فراشه يعايش احلامه ويستعيد بعض ذكرياته فى بلاد الغربة . . حتى إذا ما حان وقت الغداء جاءه على مهل وحرك رأسه قليلا قائلا له فى رفق وأناة : - هيا " يا ولد خليل " قم فصل الفجر والظهر فقد جاء موعد الغداء . . هيا . . و ٠٠ لم يكمل حديثه فقد قاطعته كلمات ابنه الحانقة الثائرة : دعنى الآن . . قلت لك اننى متعب . . اتركنى ارتاح قليلا .
- ولكن الصلاة فات موعدها . . وانت . . - أنا . . أنا . . أليس لى حق فى النوم . . قلت لك دعنى . . دعنى ، . . ولم يجد الشيخ الا الاذعان لثورة . ابنه فتركه في مكانه وقد استعاذ بالله من ابليس اللعين . . داعيا لابنه بالهداية . .
. وانسلخت عدة أيام بعد مقدم الاستاذ خليل كان فيها رفيق أبيه الى الحرم في صلواته وتطوافه . . ولكن أى صحبة هذه ٠
كان يتمنى لو تهوى به الريح في مكان سحيق بدلا من ان يمشى مع والده الكهل مقوس الظهر . . " سلحفى " الخطو . . كثير الدعاء
وقبضة يده اليمنى التى يتكىء بها كثيرا على يد أو كتف ابنه اليسرى . . لم يشعر الاستاذ خليل بنسمة ارتياح واحدة خلال اقامته بمكة . . كأن كل شىء بها لا يعجبه طبيعة من بهرته مظاهر البلاد الغربية - الخلابة " ! . . كان يتقزز من رؤية الازقة الملتوية الضيقة . . بل القاذورات المتراكمة فى اطرافها . . ثم تلك الحيوانات السابقة فى الشوارع والطرقات تغطى بفضلاتها مساحات واسعة من الشوارع . . ثم ما هذه الابنية او " الخرائب " الشامخة المرتفعة فى الفضاء وكأنها قلاع القرون الوسطى الاوربية ؟ !
و يراجع صور الحياة في " بلجيكا " فيرى الناس فى صخبهم ولهوهم ومعاطفهم المزركشة الجميلة . . ثم ينظرها في بلاده فيؤسفه رؤية هذه الثياب البيضاء الفضفاضة " اللاذوقية " . . ويمشى فى ذرب افكاره المحمومة ويمضى فى تأمل تملؤه دهشة واشمئزاز . . ويسير رويدا رويدا ليصل فيما بعد الى نهاية الدرب ليقول بينه وبين نفسه : - ايه . . يا لها من عقول . . لم تبتعد عن عادات الاجداد قيد أنملة . با سبحان الرب أما لهؤلاء الناس ان يتحرروا و .........و...........؟
ويمضي في هذره . . في حرية رأيه كما
بطنها ويعتقدها امثاله . . وما يزال على حاله هذه حتى كانت الساعة التى لم بعد قادرا فيها على كتمان ما يعتقد . . قال لأسرته وقد بلغ السيل الزبى عنده : - متى تتركون هذه العادات البالية . . أما آن لكم ان تتحرروا من قيود ماضيكم الغابر متى تشرق الشمس فى عقولكم ؟٠٠
ويريد متابعة محاضرته التى تشبست بذهنه من بقايا الأفكار المسمومة التى حقن بها فى بلاد "الغربة" . . لكنه لم يتمكن ان يصل الى نهاية كلامه . . وجد نفسه مغمى عليه اثر ضرب مبرح الهب جسده من عكازة ابيه . . ملقى بالقرب من برميل النفايات وحوله طائفة من القطط والحيوانات السابقة تكاد تنهشن لحمه وكأنها غاضبة عليه لحنقه عليها . .
لم يدر ما سيصنع ٠٠ رأى فى جيبه ورقة وعي منها كلمات ارتجف لها فؤاده . . فقد اصبح طريد الاسرة . . تبرأ الاب منه . . وما درى الى اين يتجه ؟ !
وأراد أن يجمع قواه المتهالكة ليقوم عن مكانه الا انه لم يستطع . . لقد انقض عليه جدار قديم حيث كان بجانب برميل النفايات ! - انتهت

