توقف حمادى فى احدى محطات عربات النقل . اتكأ الى احد الاعمدة الحديدية للمحطة . جال بعينية يحملق فى المارة والواقفين هناك كانما يبحث عن شخص عزيز عليه . شخص واحد بعينه . كان الطقيس لذيذا منعشا والسماء صافية ونسمة رقيقة لطيفة تجوب الفضاء بين فينة واخرى كان هناك حشد كبير من الناس مختلفي السحن والوجوه والمآرب ، وقفوا ينتظرون قدوم حافلات كل حسب اتجاهه والمكان الذي يقصد اليه . كان يرتدى بنطلونا أبيض ، وقميصا أحمر اللون وقد جمل أصابع يديه بخواتم متنوعه ، وعرى صدره اللين قليلا فتدلت من عنقه سلسلتان ذهبيتان واحدة تحمل اسمه والاخرى يتارحح منها قليب حب صغير الحجم.
على ما يبدو انهما من الذهب المزيف - فبدا رشقا أنيقا . كان يمسك باحدى يديه سلسلة شد اليها كليب قصير مدلل ، غطى وجهه واذنيه وكامل جسده شعر رمادى كثيف وتدلت من عنقه قلادة وناقوس . كان الكليب الصغير المدلل يقف بابهة وجسارة سيده . كان الشارع عامرا والناس يتحركون فى كل اتجاه . جعل يرصد بعينيه المارة ويتفحصهم أو يشيعهم بنظرة لا مبالية .
فجأة تظهر - غير بعيدة منه - فتاة ذات قد متناسق وشعر فاحم اسود ، حشرت نفسها فى سروال ضيق حشرا . ترتسم على محياها شهوة واضحة جلية . نظر اليها متأملا في صفحة وجهها جدا
واخرج صفارة من جيب بنطلونه . صفر مرتين او ثلاث مرات فالتفت اليه الانظار بفضول ، لكن الفتاة بدا عليها عدم الاكتراث ، وربما فعلت ذلك عن سابق اضمار . سارت تتلوى فى مشيتها وتوقفت في محطة قريبة. زاغ بصره . تتبعها باهتمام وقرر انها صيده الثمين . تلفت حواليه واصلح ياقة قميصه ثم تحرك باتجاهها ببطء ، يمضغ اللوبان ويقود كليبه المدلل فى صمت . عندما التفتت اليه خفية التقى نظرها بعينية الدعجاوين . كان يقف غير بعيد منها وبدت بعض الاصباغ على وجهه بوضوح . قالت تحدث نفسها وقد غسلته بنظرة عجلى خاطفة (فتى وسيما فى ميعة الصبا وريعان الشباب ، يرتدى آخر موديل كانه خارج لتوه من قصر احد " اللويسات " اتركه يفلت من يدى !) توقف عن مضغ اللوبان . اقترب منها اكثر وقال برجاء : (ايتها الفاتنة السمراء ، انى ادعوك الى تناول قدح من الشاى على شرفي).
- ولماذا تتعب نفسك ايها الفتى الانيق ؟ . - لاجل عينيك يهون كل تفيس - ولكنى فى عجلة من امرى لنترك ذلك الى فرصة اخرى ؟ - الا يمكن لى مرافقتك ؟ - انا لا اخاف احدا. - لكنى اخاف عليك. - وممن تخاف على ؟ - من ذئاب الغابة . ساكون لك مظلة. - جسدك نحيل واطرافك دقيقة ؟. - المسألة ليست هنا . تعالى نشرب شيئا وسوف اوصلك فيما بعد؟
مر رجل شحاذ كالح الوجه اعجف العود ، يتدحرج فى اثوابه البالية . نبح الكلب المدلل الصغير بصوت عصبى حاد عدة مرات . علق حمدى قائلا : ( ان كلبى لا يثور الا فى وجه الصعاليك والشحاذين) . اضافت ساخرة : ( يبدو انه بدوى تعس ياتي فى آخر درجات الفقر و " الميزيريا ".
- لقد قضيت سنوات اتنقل بين باريس ولندن ولم ار مثيلا لهذه الوجوه القذرة الكالحة !.
- باريس رددتها فى شئ من التعجب والاعجاب كانما بدأت تكتشف شيئا خفيا مهما من حياة هذا الفنان العبقرى المغترب . لعلك كنت تطلب العلم هناك ؟ .
- كلا . انما انا من عائلة ميسورة ولست فى حاجة الى التعليم !. - وماذا كنت تفعل اذن ؟ . - كنت اتمتع بشبابي وادير بعض الاعمال ان باريس مدينة عظيمة. - بعضهم يدعوها مدينة العسل. - وانا ادعوها مدينة السمك والحيتان يا سمكتي الصغيرة. - لعل الصيد فيها مباح فى بعض الاماكن والفصول ؟. - بل في كل الاماكن وعلى مدار العام وامام اعين البوليس يا سمكتي الصغيرة .
مرة اخرى ضحكا معا ضحكة طويلة وازاح خصلة من شعر تدلت على وجهها وجبينها وتامل في عينيها جيدا ليتأكد من انها لن تفلت من يده وسألها : (لعلك لم تعرفي حقا من انا ؟ ). - انت رجل اعمال ناجح ولك سيارة فخمة و .. - لا تأخذنك الاحلام بعيدا . - ماذا تقول ؟ .
- اتعتقدين حقا ان امثالى يملكون ثروة او جاها او شهادة ، انى مجرد فتى يغرى الحسان ويوقعهن فى شراكه لكني ساكون صريحا معك هذه المرة ، اننى لا املك ثمن سجارة فى جيبى فهل تقبلين الذهاب معي ؟ .
- لم لا. - وهل تدفعين ثمن الشاى ؟ . - اوه . سأرى . ولكن من انت ؟ - مستعجلة بعض الشئ ؟ . - ربما . - اذن ، باختصار انا يا عزيزتي (بزناس) ورثت هذه المهنة ابا عن جد - بزناس ؟ . - نعم
- واين تقطن ؟ . - فى حي البزناسة. انفجرت ضاحكة وقالت : يا لك من ولد شرير ! كيف تقطن فى حينا ولا اعرفك ؟ انا ايضا بزناسة ابنة بزناس اقضى كامل يومي فى البزنسة وكما ترى فانا ابزنس. - ربما متشابهين فى الهواية. اذن هلم بنا يا بزناسي العزيز فان الطيور على امثالها تقع .
مضيا يشقان الشوارع والمارة والمغازات حتى انتهيا الى مقهى فخم . جلسا منفردين يدخنان ويشربان القهوة . قال حمدى بعد ان وضع قهوته فوق الطاولة : (انتظرينى ريثما اغيب لحظة واعود) . مضي يشق صفوف الطاولات ، يجر كليبه الصغير المدلل ولما انتهى الى التواليت اخرج من جيبه مشطا ، جعل يصفف شعره بعناية ، ويتأمل وجهه فى المرآة . ودلكه ببعض مراهم التجميل . مر زمن قصير قبل ان تفتح هى الاخرى حقيبة يدها اخرجت مرآة صغيرة وجعبة احمر الشفاه . مررت بها علي شفتيها محاولة ان تبدو اكثر اغراء وجمالا . عاد بعد ساعة باسم الوجه قال معتذرا (لعلي تأخرت قليلا ، انا دائما شغوف بشبابى أحاول ان ابدو فى مظهر جذاب جميل) سكت قليلا ثم استدرك مستفهما : (الا ابدو اجمل مما كنت قبل حين ؟).
- هذا حق ولكن وجهك لا يزال شاحبا ، ما رايك لو تخفى ذبوله بقليل من احمر الشفاه ؟ .
- فكرة فى منتهى الصواب وتستحقين ثمنها قبلة.
من جديد عاد الى التواليت وتركها وحيدة . يتثنى فى خطوه . يشق صفوف الطاولات ويجر كليبه المدلل الصغير . فى الاثناء ، اثناء ابتعاده مباشرة كان هناك قلب وجف وشفاه تتلمض ما ان ابتعد حتى خف اليها فتى اسمر اللون ، قوى البنية متماسك . راح يثرثر معها وفيما هما يتجاذبان الحديث ، عاد مرافقها الشاب يتبختر في خطوه . وقد امسك بيده " رجل شناب ". اقترب منها وقال بصوت رقيق ناعم : (متى اراك يا حبيبتى الجميلة ، انني ذاهب لبعض الشغل ؟ ). - عندما ...
ولما التفتت الى مرافقها الجديد قالت ساخرة : (كلاكهما من فصيلة الجياد فلأجرب الركوب على حصان).
