الجبال تفنى . . والممالك تتحطم . ولكن الحب يتحمل كل شئ . هذه الحقيقة الوحيدة التى عليها أعمل الأحقيقة الوحيدة التى لن تؤخذ مني . . ولكن علمت بعد ذلك أن الحب عاصفة من الجنون .
انه لا تهمنى الحياة فى الاكواخ ، بقدر ما تهمنى الحياة بجانب فتى أحلامى طوال الايام الباقية من حياتى . .
وحتى أكون سعيدة يكفى أن أشد على يد من أحب ، وأشعر وانا أضع رأسى على صدره بالدفء والحنان
كانت اللحظات التى كنت اقضيها بجانبه تنتهى بسرعة عجيبة ، وعنده تجول معه ، كل خطوة تحملنى الى عالم النشوة واللذة
- اراك قد تعبت . . فهل تريدين أن تستريحي قليلا يا عزيزتى ؟ . . - أستطيع معك أن أطوف بالعالم مرتين ، فلا أسأم ولا أتعب . ولم أطلب منه مرة أن يقبلنى ، مع اننى كنت اتمنى على القدر أن تلمس يوما شفتاى شفته . وحين يجود على القدر بقبلة من حبيبى كنت احتفظ بطعمها طويلا بعد ذهابه وحين اعود الى بيتى وارتمى على الفراش وأغرق فى عالم النشوة والاحلام . . .
- سياتي اليوم الذى فيه نكون لبعضنا إلى الابد ولن نفترق
وفى ذلك اليوم ، كنت كالعادة مستلقية على الفراش اطالع مجلة نسائية فانتفضت مذعورة على وقع اقدام اختى هدى تقتحم غرفتى . - هذه أنت يا هدى ؟ . . - انهضى انهضى ياعزيزتى وتعالى واسمعى - ماذا حدث ؟ . . - اليوم السعيد . . انهضى يا عزيزتى . . انهضى - أنا لم أفهم شيئا . . أخبرينى .
فؤاد . . فؤاد طلب منى الزواج يا حبيبتى . . كنت معه الآن ، وقد اخبرنى بنفسه اننى مسرورة مسرورة جدا . . لست ادرى ان كنت وقتذاك مسرورة بسعادة اختي هدى أم لا ؟ فقد شعرت بنفسى أقول لها فى شىء من اللاوعى - اوه . . هدى هدى حبيبتى . . مبروك اني اهنئك من صميم قلبي حبيبتى هدى تعالى اقبلك . تعالى . .
وقبلتها . . ولم اشعر بالدموع التى كانت تملأ عينى . . - آه . . لو يطلب منى أنا ايضا الزواج ! . . قلت ذلك والتفت الى هدى أسألها فى شىء من الفضول : - والزواج . . متى سيكون زواجكما ؟ . .
- قريبا . . قريبا جدا . أوه . كوني مطمئنة أنا لن أسمح له ابدا بالتراخى خصوصا فى مثل هاته المواضيع ، زيدى على ذلك ان من الضرورى اشتراء لوازم الزواج فى اقرب وقت ممكن . وهمست وانا انظر الى اللاشئ : - فى أقرب وقت ممكن ؟ - وانت ايضا يا نادية ، ستتزوجين فى نفس اليوم الذى سأتزوج فيه ، أليس كذلك ؟
- أنا ؟ ولكن - لكن ماذا ؟ . . - ان حامدا لا يستطيع تسديد كل ما سأطلبه للعرس ، سيكون زواجنا بسيطا وساذجا للغاية . . .
؟ أنا سأغتنم الفرصة كى أطلب من فؤاد كل ما اشتهى . قالت ذلك ، وبدأت تردد فى دلال لحن اغنية فرنسية جميلة . " سأظل انتظرك فى الليلة الموعودة . . . . وسيصمت الكون . ويغنى الضياء حين تاتى يا حبيبي
كنت أعلم حقيقة أذواق اختى هدى ، ولكن تعجبت لترفها المبالغ فيه حين دخلت على ذات مساء محملة بالهدايا الثمينة الفاخرة . .
- أوه . . هدى . . أئت تبالغين - انت لم ترى شيئا بعد . . تعالى يا حبيبتى وانظرى ما اشتراه لى عصفورى الجميل . . ثم صمت قليلا ورفعت رأسها وقالت فى غبطة - ثم ان هذا وحده لا يكفي اننى انتظر " روب دى شمبر " وحذاء وفستانا من باريس . . لاننى لم اجد كل هذا . . سيكون زفافنا خارقا للعادة . . وأخذت تغنى فى مرح الطفولة اغنييتها الفرنسية المحبوبة
وبعد ايام ، اصطحبت اختى وخطيبها للتفتيش عن شقة ، تكون عش زواجهما القريب . . قال فؤاد خطيب اختي - حين دخلنا شقة فى عمارة بالحى الفرنسى : - هذه تعجبني يا عزيزتى . . ثم ان أجرة الكراء ليست كبيرة .
وسمعت أختى تقول له : - ولكن يا عزيزى . . فى وسعنا تفتيش غيرها ، فلربما وجدنا أحسن من هذه هيا لنواصل التفتيش
وفعلا ، سمع ما قالته له أختى ، ففتش . . وفتش . . الى أن وقع اختيارهما على شقة آية فى الجمال والاناقة . وكأن فؤادا لم يكن راضيا لهذا الاختيار لغلاء الثمن ، فالتفت الى اختى وقال لها هامسا :
- الشقة جميلة للغاية ولكن . . ولكن يا عزيزتى . . ألا ترين ان الاولى تكفينا وتغنينا عن كل هذا البذخ ؟ . . زيدى على ذلك ، اننى لست مليونيرا . . انت تعرفين ذلك فقاطعته قائلة فى هزل تحاول ان تخفى به لهجة الجد - ستكون مليونيرا فى يوم ما . . تقتى قيك كبيرة وأملى فيك عظيم .
لقد دوختنى هدى بتصرفاتها ازاء خطيبها ، فلم استطع أن امنع نفسى فى اللحظة التى اجتمعت فيها مع خطيبى حامد ، من البكاء على صدره الدافي فى صمت . . وبقيت كذلك لحظات ، فسمعته يقول فى همس وأصابعه تداعب خصلات شعرى :
- نادية حبيبتى أراك تبكين ، ماذا حدث ؟ - وبقيت أبكى فى صمت فاخرج من جيبه منديلا وبدأ يمسح فى رفق وحنان قطرات الدموع التى انحدرت على وجنتى . . وهو يردد :
- اخبرينى . . ماذا حدث ؟ . . فرفعت اليه رأسى وقلت هامسة : - اختى . . ستتزوج . . - متى ؟
- بعد اسبوع . . - اذن علام البكاء ؟ سنتزوج نحن أيضا و . . - نتزوج ؟ . . - نعم - متى ؟ - قريبا . . وسيكون يا عزيزتى زواجا مرموقا . . اعدك بذلك قال ذلك ، وقبلنى وافترقنا
كان الروب الذى اشترته هدى لزفافها ، محط اعجاب كل من رآه . . - انه فستان ملكة . . - كل ذلك لان ثمنه كان طائلا . انه يساوى ثمنة أليس كذلك ؟ لقد تمنيت دائما أن أجد ما احسن . . ولكن . ثم صمت قليلا وقد غطت وجهها سحابة من الوجوم والقلق ، وقالت : - أحيانا . . أتساءل فيما إذا كانت كل هاته الاشياء ضرورية لحياتى - لماذا تقولين هذا ؟ ان فؤادا يحبك كثيرا . .
ولكنها لم تتكلم بل بقيت تبكى فى صمت لهم اكن أظن أن ما حدث فى الليلة القادمة سيحدث لها . فقد رجعت ليلتئذ من السنما في ساعة متاخرة من الليل فوجدتها تجمع ثيابها . - هدى . . ماذا حدث ؟ وماذا تفعلين ؟ أين انت ذاهبة ؟ . - سأذهب الى أبعد مكان فى العالم حتى لا ألاقيه ثانية - ولكن . . لماذا ؟ اخبرينى . أنا لم أفهم شيئا - لقد تغير . . تغير كثيرا هاته الايام الاخيرة . . وأصبح باردا أصبح يكرهنى ويعاملني بقسوة غريبة . .
ثم صمتت قليلا تهدئ من روعها وقالت وقد خنقتها العبرة : - وذات مساء وجدته وجدته مع امرأة اخرى . قالت ذلك وأخذت تبكى على صدرى كالطفل الضائع - مسكينة أنت يا هدى . . آه . . لو استطيع أن أقدم لك يد المعونة - لقد انتهى . سأبتعد عنه وسأنساه . . سأنساه . .
واجهشت بالبكاء ومرت لحظات . . وفى سكون رفعت رأسها ، ونظرت الى فى حنان ، والدموع تملأ عينيها ثم فتحت خزانتها فى صمت قائلة : - ساهديك يا حبيبتى فستانى الذى لن ألبسه أبدا . . وأتمنى أن يحمل لك بين طياته سعادة أكثر من التى حملها الى قالت ذلك ، واغلقت الخزانة وخرجت . . فى قلبها أحز ان وفي عينها دموع . .
ومرت اللحظات . . أخذت الفستان الجميل . . وضمته . . ضممته بكل قواى الى صدرى . . - لم أحلم قط أن أملك مثل هذا الفستان الرائع . ولبسته فى سرعة جنونية . . وأتيت الى المرآة لانظر عن قرب جمالى الفاتن . . - سيكون زواجى حقيقيا . . هذا فوق ما كنت أتمناه . . ولكن .
الانفاق الطائل فى الزواج يخبىء أحيانا عواطف مرهفة . . أجل . إذا كانت هدى تريد أن تبهر فؤادا بجمالها ، فمعنى انها كانت غير واثقة من نفسها . أما انا . . فقد كنت واثقة من حامد فقد كان يضمنى الى صدره بقوة الحب وحرارته ويقبلنى فى جنون وفى حرقة . .
ولكن . . هدى ايضا كانت تشعر نفس الشئ حين كانت تقبل خطيبها وتضمه الى صدرها فى عنف . . ومع ذلك . . فقدته كذلك يمكن أن نكذب بقبلة أيضا ، مثلما نكذب بكلمة ثم ان فؤادا قبل شفتى هدى عدة مرات . .
الهى ان هاته الهواجس تؤلمنى . . تفتت لحمى وتسبب لى اوجاعا فى عروقى . . لا أنا لا أملك حجة قاطعة على حامد من انه ينوى تركى ويمتنع عن الزواج منى . ولكن ايضا . . أنا لا أملك برهانا على صدقه وحسن طويته . . لن نعرف الحقيقة الدفينة ! . . اننى أتساءل : لماذا هجر فؤاد أختى هدى ؟
فى كل مرة افتح فيها خزانتى ، أقف اللحظات الطوال أحملق فى دهشة عظيمة ، الروب الابيض الذى اهدته لى اختى هدى . وكفت أسأل نفسى أحيانا : - أترى الروب يسعدنى أم يبكينى ؟ . . ثم أصمت قليلا وآخذ الروب بين يدى وأضمه وأقبله فى حب جارف . . - لا . لا سيسعدنى لن أبكى أبدا . ان هدى حين فقدت فؤادا ، كانت تطلب منه فوق طاقته ، أما أنا . .
وحين اجتمعت بحامد بعد يومين فى مقهى الكوليزى ، سمعته يقول لى : - فى المرة الاولى التى اجتمعنا فيها ، كنت أظن انك أجمل فتاة فى العالم - والآن . . أنت لا تفكر فى هذا . . أليس كذلك ؟ وتثار ثائرى . . وخرجت معه من المقهى وفى احشائى نار تضطرم وحين ارى حامدا وهو ينظر الى بعض النساء فى الشارع ، كنت أسأله على الفور :
- انت تعرف هذه المرأة ؟ من هى ؟ أنت تعرفها من قبل ؟ وفقدت رشدى . . وكنت فى كل مرة أضرب له موعدا فى التليفون ، أرجع خائبة ، فاضع السماعة وابكى طويلا . . ولكنى لا البث أن آخذ مرة ثانية السماعة فادير قرص التليفون فى جنون . . .
- الو . . حامد ؟ - نعم . . ماذا حدث ؟ - لا . لا شئ ولكنت متحقق من أن العمل هو الذي يمنعك من المجيء والاجتماع بى ؟ - لقد قلت لك ذلك منذ لحظات قليلة يا عزيزتى . - ربما أنت ذاهب الى امرأة أخرى ؛ - كونى مطمئنة . . سأبقى فى المكتب ولن اخرج مع امرأة أخرى . . والان الى اللقاء . ومرة أخرى ، أضع السماعة وابكى طويلا .
ولما كان الصباح . . رفعت رأسى من على الوسادة ، فاذا هي مضمخة بالدموع . . - لاشك اننى بكيت الليل كله . .
وفجأة رفعت رأسى فاذا باحلامي المزعجة تتراقص أمام عيني ، ومزق سمعى صوت حاد كأنه آت من أعماق الارض ، يقول لى فى حقد : - " أنا لا أحبكا أحب غيرك . آه . لو لم تكوني عمياء لرأيتها من زمان . . "
وسرت فى جسمى قشعريرة من البرد القارس ثلجت قلبي ، فلم استطع حراكا . - هذا تحذير ولاشك . . اليوم . . سأكتشف سر قلب حامد !
وقابلته فعلا فى مقهى الكوليزى كالعادة كان فطنا حاد الذكاء لكى يسلم نفسه لى من أول وهلة . فقد حاول ان يلقى كل المسؤولية على عاتقى وحده ، قائلا
ولكن ، ماذا حدث بيننا يا نادية ؛ لقد تغيرت كثيرا ؛ ولم أفهم لماذا ؟ ولكننى كنت ذكية أيضا فارجعت سهام اللوم نحوه ، وقلت له فى هدوء : - تغيرت ؟ وتقول هذا فى شىء من البراءة حتى تغطى خطأك نحوى . . أنا احبك دائما يا حامد هل لك ما تقوله ؟ . . - طبعا ، لانني أنا ايضا أحبك . . ولكن . . لم تنظرين الى هكذا كما لو كنت مجرما ؟
- لو تظنين أننى قمت بشئ سبب لك القلق . . فاعلمينى به . . - أنا لم أقل أنك فعلت شيئا لا يرضيني . . انما انما ستفعله قريبا أليس كذلك ؟ - ولكن - ارجوك قل الحقيقة يا حامد . . قل . .
- تكلم ما بالك صامتا ؛ سأقولها بنفسى . . انك لم تعد تحبني . هذه هى الحقيقة . قل هل وجدت غيرى ؟ - ان تمادت علاقتنا على ما هى عليه الآن . . فانني . . سأفارقك يا نادية ! لا فائدة فى البدء قال ذلك وتركنى وانصرف
وعندما عدت الى البيت واستلقيت على الفراش اذرف الدموع والآهات ، شعرت بوحدة تغمر قلبى والمكان . . فنهضت . .
واتجهت نحو خزانتى ففتحتها ووقفت أمام الروب الابيض ، انظر اليه هامسة فى حقد مكتوم :
- ربحت . . أليس كذلك ؟ لقد كنت تعلم أنك ستوصلنى الى حيث أنا الآن . عند ما ملكتك بدأت فى فقدان حامد . . .
فجأة انفتح باب غرفتى . . فالتفت فاذا اختى هدى ، تبتسم لى فى براءة والى جانبها خطيبها . . - هدى ؟ فؤاد .
ونسيت من فرط صدمة المفاجأة ما حدث لى ، خصوصا عندما رأيت السرور يشع من وجهيهما . وسمعت هدى تقول فى غبطة جارفة - لقد تزوجنا يا حبيبتى . .
قالت ذلك ، وتقدمت منى تقبلنى وتضمنى الى صدرها فى حنان قائلة - أوه . . عزيزتى نادية . . لتكونى سعيدة . . لن أحتفل بالروب الابيض خذيه هدية منى . . المهم انى وجدت فؤادا . . ثم صمت قليلا . . ورجعت تقبلنى من جديد قائلة
- . والفضل فى زواجى وسعادتى يرجع أولا وأخيرا الى الروب الابيض - الروب الابيض ؟ - أجل يا عزيزتى . . كنا نتشاجر يوما من الايام في شأن المبالغ الطائلة التى بعثرتها هنا وهناك . . فاتى الروب لكى يصلح الاوضاع ويرجع المياه الى مجاريها . .
وصمت قليلا قبل اتمام كلامها : - وفهمت ان المهم هو السعادة . فاسرعت لافتش عن خطيبى ، وها هو بين أحضانى . . قالت ذلك وانسلت من بين ذراعي لكى تضع رأسها على صدره فى دلال . . وفهمت . .
فخرجت أبحث عن حامد ! وعندما وجدته وجلست معه فى مقهى الكوليزى ، ظل ساكتا لا يتكلم فلم استطع أن امنع نفسى من الاعتذار والبكاء على صدره : - حبيبي . . سامحنى . . كنت خائفة أن أفقدك ، حتى سببت لنفسى مرضا وهميا . . .
لم ينبس ببنت شفة ودنا منى فى رفق ثم وضع يده فى يدى . . فرفعت اليه عينى . . لتتلاقى نظراتنا . . . وخفق قلبي فى عنف وبلا وعى سمعته يهمس فى صوت رقيق
- أحبك . وصمتنا قليلا ، فملت برأسى الصغير على كتفه وهمست حالمة - هيا بنا . . فوقف لحظة قبل أن يتبعني وأخذ يتحسس فى خلوتنا وجهى الناعم ويبث بخصلات شعرى فى حنان . .
ثم مر النسيم . . فملت أكثر على صدره كما كنت أفعل من قبل . . واحسست مرة أخرى برعشة خفيفة تجتاح جسمى . ولكننى نسيت نفسى عند ما غرقت مع حامد فى قبلة خجول مضطربه
وحين افقت من " اغماءتى " . . الفيت نفسى بين ذراعيه . . واختى بين ذراعى خطيبها . . وزادت فغمرتنى موجة من الخجل ، حين سمعت أمى تزغرد وثلة من الاحباب والاصدقاء يوجهون لنا التهانى . .

