فى الصيف الفارط ، كنت أختننق من شدة الحرارة . وكنت فى أشد الحاجة الى تغيير مجرى حياتى ، ، فأنا دائما سجين أتعثر فى ظلام الوحدة والقلق ، وكان زميلى " عبد الله " قد عرفنى بصديق له اسمه " ظافر " يقطن ببلدة " الرديف وألح على أن أزوره فرارا من أحزانى ،
وذات صباح ، كنت فيه قلقا عبوسا ، سافرت الى بلدة " الرديف " فقابلت " ظافرا " ومعه شيخ ، ، ولما سألت عنه ، أجابنى بأنه والده ، وهو مريض بضيق التنفس نتيجة الغبار المتراكم فى دهليز المنجم !
وفى اليوم الموالى ، رحت أتأمل المنجم ، فاذا به جحيم يشقى فيه من الاحياء كثير للحصول على لقمة اليوم ! فقلت لنفسى : ما أعسر حياة المناجم ، وما اشد عذاب هؤلاء العمال الكادحين الذين يعيشون فى خطر ، ، إن العمال بمجهوداتهم وتضحياتهم هم مستقبل الحياة الباسم
كانت هذه الافكار تضج فى رأسى وظلام الدهليز يقطع أنفاسى عندما سمعت صوت أقدام تقترب ، كان " ظافر " قد أقبل ووراءه والدته العجوز ودخلنا جميعا الى الكوخ ، وجلسنا نتحادث وكان الشيخ يتنفس بصعوبة ويبدو من حركاته أنه يعانى أوجاعا حادة فى كامل جسمه ، ولكنه - على الرغم من ذلك - كان صامتا صبورا . ولاحظت انه اختصنى بنظراته ، ولاحظ هذا أيضا " ظافر " ووالدته فتركانى معه ، وانصرفا الى خارج الكوخ المشرف على المنجم ، ،
كان الشيخ جالسا القرفصاء على حصير بال ، وقد ألقى بعصاه على الارض ، وكنت جالسا على مقعد من الحطب بجواره . وعندما دعوته بلطف ليحدثنى .
استجاب ثم راح يستعيد شريط حياته ، ويخاطبنى فى صوت خافت حزين ، مات والدى وأنا شاب مثلك ، وكنت أعمل معه جنبا الى جنب فى هذا المنجم لاقتلاع القوت . وذات يوم - بينما كنت أراقب بعض الانابيب - إذ بحامض فسفورى يتطاير فيصيب وجهى ، وسرعان ما صحت من الألم ، وقدم رفاقى مذعورين ، فلم يجدوا سيارة لنقلى الى المستشفى ، وبقيت أتلوى واستنجد والدم يسيل بغزارة إلى أن أغمى على ، وبعد يومين من الحادث ، وجدتنى على فراش العلاج ووجهى لم يبرأ بعد وزارنى مدير المنجم ، فأعلمنى بأنه مجبر على حرمانى من مباشرة العمل لتدهور حالتى الصحية ، وكدت أجن !
وبمجرد خروجى من المستشفى ، أصبحت أيامى ثقيلة ، وكبر الألم فى باطنى ، وبلغ ذروته ، كنت أتعذب ، وكنت كلما أنظر الى وجهى الغريب تضطرم الاحاسيس فى نفسى ، وعلمت خطيبتى بالحادث الفظيع فتأسفت الحالى ، ورحلت ! وحاولت الانتحار من بعدها لانها كانت لى كل شئ ، كانت حياتى ومستقبلى ، وكنت حين أجلس الى جانبها ، أحس بالعالم كله يبتسم لى ، ، وكنت أنتظر اليوم الذى أتزوج فيه فتحادثنى وتواسينى ، كنت أحبها حبا خالصا ، وبعد أن فقدتها ، أظلمت حياتى ، وداهمتنى غربة ساحقة كنت انظر فى المرآة ، فلا أجد سوى وجه قبيح شوه وجودى وأوحشه ، لقد انطفأ الامل الذي أعيش من أجله ، فلم يعد لحياتى هدف أسعى اليه ، هل تتصور معاناتى بعد الحادث ؟ اننى استلقى على البلاط لأدفن وجهى فى صدر الوسادة وأتنهد ، فقد كان فى قلبي غراب أسود ينعق ، وكنت أتخيل أبى وأقاربى ، وأحبابى ، والمنجم الذي ابتلعهم ، ووجهي الذى كان مشرقا ، ثم أتخيل خطيبتى الخائنة والعمل ، ، وأبكى بمرارة !
كنت أحاول أن أتناسى مأساتى ولكن بلا جدوى ، فتوغلت فى عالم كله تيه وحسرة . كانت أقسى اللحظات فى عمرى تلك التى أبقى فيها وحيدا فى الكوخ . وكنت أخرج فى صحبة والدتى الى السوق ، وقدمتنى الى بعض قريباتها ، وتعرفت بامرأة سرعان ما لفظتنى ، ثم عرفت ثانية ، وثالثة وسرت غضبا متعثرا فى طريق الانتحار
وفى هذه الهوة ، امتدت لى يد أرملة أرادت أن تخلصني من وحدتى وتتزوجنى ، وكنت أفتقد الى الحنان ، فربطت مصيرى بها غير متردد ولكن ، لم يكد يمر شهر واحد حتى نضبت كل نقودى ، ورأيت ذلك الزواج ينقلب الى جحيم لا يطاق ، ، ووجدتني أعود الى مدير المنجم متوسلا ليسمح لى
بالعمل ، ولكنه كان شديد القساوة ، ومن فرط الغضب والحزن والجوع ، أغادر الكوخ كل صباح الى السوق لأعمل " براوطيا " وأعود وفي جيبى بعض النقود لا تكفى لتوفير الطعام !
واذا تعبت يوما شمتنى زوجتى شتما لاذعا ، وهددتنى بإهمال الصغير ، إننى أصبحت لا أتمنى إلا شيئا واحدا هو أن يغفر الله ذنوبها ، كانت أنفاسه تكاد تتقطع ، فقلت له فى رفق :
- ان ابنك " ظافر " قادر على أن يهئ لك حياة كريمة .
فأجابنى قائلا :
- أنا أحب ابنى حبا جما ، فلا أفكر إلا فى مستقبله وسعادته !
وعجبت لهذه التضحية الفريدة التى لم تقهرها المحن والخصاصة . ثم لفتنا كآبة صامتة ، وحول الشيخ بصره نحو باب الكوخ ، وكان وجهه المشوه يخفى غضبا صارخا ، فيبدو وكأنه أرض اجتاحها زلزال عنيف . كان يسبح فى عالم حيرته ، فمددت يدى ولمسته برفق ، فرأيت صدره يعلو وينخفض وحدق فى مليا ، ثم بدا عليه انفعال غريب ، واستحال فى لحظات الى بركان مشتعل يريد أن ينفجر ! ما أقدر الانسان على الصمود والتحدى ! وكنت قد ذبت ألما لما يعانيه هذا الشيخ من يأس وغضب ، وما يعانيه رفاقه جميعا من أخطار ، وانتفضت من مكانى، فقال لى :
- حان وقت العشاء ! ابق الى جانبى !
فأجبته بلطف : - انتظرنى سأعود بعد حين !
وغادرت الكوخ ، وقابلت الظلام . كان الليل عذابا صامتا ، وكنت أريد أن أحطم أغلالى ، وأدفن شقائى ، وعزمت على أن أذهب الى المنجم لأصيح فى أعماقه لحد اللاوعى ، والغضب والظلام ومأساة الشيخ وأمثالها تطاردنى . واندفعت بخطوات ثابتة الى الجحيم

