لا أقدر أن انسى هذا الحلم الذى حطم قلبي ان ذكراه المزعجة تتبعنى طول حياتى وتخفى عن عينى بريق الحب
في ذلك اليوم ، كنت أترقب احمد فى حديقة الورود ، قرب النافورة المرمرية ؛ كان اليوم ممطرا ، ولكن رغم ذلك كنت أترقبه بفارغ صبر وترقبته طويلا ، حتى آنني لم أعد اميز بين دموع قلبى ودموع السماء .
أحمد لن ياتى . وجلست على حافة النافورة المرمرية ، عاجزة عن ترك المكان ، والرجوع من حيث أتيت .
لماذا . لماذا لم يأت ؟ . أخيرا . نفذ صبرى ، فقررت العودة . وما ان وصلت أمام المسرح البلدى حتى صدمتنى الحقيقة المرة .
- احمد و هاجر ؟ . وبقيت انظر اليهما فى دهشة عظيمة ، بينما غمرتني موجة من الخجل والالم . - آه ، يا الهى ، هذا لا يعقل لا يعقل . ولما كان الغد ، التقيت بأحمد فى ساحة الجامعة ، فراح يسهم
بنظراته في خجل ، كمن يحاول أن يتذكر شيئا ، ثم لم يلبث ان هز راسه وقال :
- آسف كثيرا لعدم حضورى البارحة ياريم . لقد أرسلني أبى لاقضى بعض الشؤون الشىء الذى جعلنى أعود مؤخرا الى البيت وتساءلت آنذاك ، كيف تجرأ أحمد على مزج الكذب والابتسام معا ؟ فابتسمت أنا بدورى وقلت له فى نفسى
" انظير جيدا ابتسامتي هاته ، ولتكن دائما فى مخيلتك ، حتى لا تنساها وحتى لا أخدع مرة ثانية ولم أذكر ابدا لاحمد رؤيتى له مع هاجر ، ولكن بقيت ألبى دعواته فى كل مرة يضرب لي فيها موعدا ، بوجه بارد كالمرمر
أراك يا ريم دائمة الغضب والنفور إزائى ، ألحد هذا يصل بك الحقد ؟ . من أجل اخلافى لموعد واحد ؟ . ريم آرجوك إننى انني أفعل ذلك عن قصد .
ولم انبس ببنت شفة ، كنت وكأنى أضع على وجهى قناع اللآوعى ولم يعرف منى حقيقة صمتى ويأسى ، حتى حين انظر فى عمق عينيه وأهمس في حقد مكتوم : " لا تكذب "
وأصبحت حين اشاهد عشيقين يتنزهان فى مرح ، والغبطة تملأ قلبيهما ، ابتسم فى سخرية وأقول : " ترقبا . ستبدى لكما الايام الحقيقة الاليمة . وينقشع حلمكما اللذيذ
وذات يوم ، فى خلال حفل نظمه الزملاء ، تقدم منى صديق يدعى سليم ، وخاطبني باسما :
- ريم . أراك منذ مدة تحيين فى عزلة ووحدة ، فأين ابتساماتك وأين رقصك ؟ أنا لا أرضاك أبدا على هاته الحالة . لذا فانا أدعوك للرقصة الموالية .
وأردت أن أعتذر ولكن أسرع سليم فجذبنى من يدى فى مرح أشبه بمرح الطفولة وقال : - هيا هيا يا ريم . . الى الرقص
- ولكن فجأة . شعرت بشخص آخر يجذبني نحوه قائلا : - شكرا على حفاوتك بصديقتى يا سيد سليم . أظن آن اللعبة قد تمت . هيا تعالي يا ريم .
وقبل أن ينطق سليم بحرف واحد ، كنت بين ذراعى الشاب المجهول تراه كيف عرف اسمى ؟
لابد أن يكون وراء كل هذا أشياء غريبة . خصوصا وقد رأيت الشاب المجهول يتبادل وصديقتى هدى ، النظرات والابتسامات . لا شك أنه أخ لهدى
اثناء الرقص ، كنا نقترب شيئا فشيئا من باب الخروج ، وكم من مرة قررت الفرار من بين يديه . ووجدتنى دون وعى انحنى على اذن الشاب وأهمس :
أظن أن هدى أرسلتك الى نجدتى شكرا هذا من حسن لطفك لذا . لذا فى استطاعتك الرقص مع فتاة اخرى فلربما
وحين تبين دهشتى وارتباكى ، آسرع يقول وهو يربت على كتفى مداعبا :
لم أرغب فى الرقص مع غيرك حين رأيتك لاول مرة . وكنت استدعيك من تلقاء نفسى ، لو لم ترسلني أختى هدى اليك . وعلمت بعد ذلك انه يدعى وحيد .
في أول الامر ، وفى المرات العديدة التى كان يلقانى فيها وحيد ، باسم الثغر ، كنت أتخيل فى قرارة نفسى أن تلك الابتسامات وتلك الهمسات هى لاحمد حبيبي الاول . وفي السويعات التى كنت اجتمع فيها مع وحيد على الشاطئ
أو فى الغاب ، كنت عاجزة عن رد كلماته المعسولة الدافئة التى تتخلل سمعى فى رقة وعذوبة وبدأت أشعر من أن قبلاته العديدة التي تلهب يدى ووجهى وفمى لا تزعجني .
وكانت أخت وحيد ، مسرورة جدا لصداقتنا فقد سمعتها تصرح : كنت على علم من أن ريم ووحيد خلقا لبعضهما بعض .
وذات يوم ، كنت فيه وحيدة فى المنزل ، سمعت جرس التليفون يرن فى عنف . وما كدت ارفع السماعة الى أذنى حتى سمعت صوتا ملهوفا عرفت فيه صوت سليم ، وبلا مقدمات اخبرنى قائلا
- لين يكون مصيرك ياريم مع وحيد أحسن بكثير من مصير الوردة التى ذبلت فطرحت وفي ذلك اليوم . . تذكرى يا حبيبتى اننى موجود للأخذ بيدك .
وقلت له في خبل وأنا ألهث : - انت مخطئ يا سليم هذا لن يحدث أبدا مع وحيد ووضعت السماعة مكانها ، وكل عضلة فى كيانى تختلج ، والعرق يتصبب على جبينى فى غزارة " الوغد النذل الحيوان كيف طاوعه ضميره على أن يحول بيننا !
ولقد كنت أمنع نفسى جاهدة ، من الاجتماع بوحيد على انفراد قرب النافورة المرمرية ، حتى لا أقع وجها لوجه مع ذكريات الماضى المؤلمة . الى اليوم الذى اصبحت فيه الاشياء مسرحا للخزعبات
ورغم كل هذا ، فقد شاءت الاقدار ان اجتمع بوحيد قرب النافورة المرمرية . - هلا تزالين يا ريم تخشين الذكريات ؟ . . . . ؟
فوضعت رأسى على كتفه ولم آجب . بينما تساقطت من بين اهدابى قطرات من الدموع انحدرت على وجنتى فى صمت
- سوف لن يعود ذلك آبدا . ولن يكون فى حياتى مع وحيد ذرة واحدة من الالم أو الحزن وعندما طلب منى وحيد الزواج ، تملكتنى رعدة خفيفة وعقد لسانى تردد خفى
ارجوك يا وحيد . امهلنى قليلا من الوقت - قليل من الوقت ؟ لماذا ؟ فهل تترقبين شخصا آخر ، أم أنك تخافين الذكريات ؟ أم
- لا يا وحيد لا . أنا لأترقب أحدا حقا كان لي حب منذ شهور ، ولكنه ذهب ولم أعد أذكر منه شيئا ولكن لم استطع رغم كل ذلك أن أقول له الحقيقة الخفية ، حتى عندما أجبرنى على الخضوع لقبلاته الجنونية التى لاتنتهى .
ولما كان الغد ، التقيت بسليم وقد شد على شفتيه ابتسامة رقيقة ، سرعان ما أخفاها وخاطبنى فى هدوء مثير :
اراك تزحفين نحو الهاوية الجديدة . هذا ما أخبرنى به وجهك الشاحب النحيل قال ذلك وأخذ يلتهم بنظراته تقاطيع وجهى ، وسألنى وعلى شفتيه بسمة ساخرة :
- أهذه هى الحقيقة ؟ ؟ وظللتنا برهة من صمت ثقيل ، ثم استجمعت شجاعتتى وهمست كم كنت احبك أما الآن وهتف وهو يقترب منى :
من تعنين ؟ لست افهم . وعبثا حاول سليم أن يحصل على الجواب المطلوب ، ولم يبق امامه
الا ان يتبعني من بعيد وانا أسير وحيدة الا من همومى ؛ حتى اذا ما دخلنا حديقة النافورة المرمرية استدار نحوى وقال : - موعدك معه هنا ؟ - نعم .
بدأت بعض قطرات المطر تتساقط ، فشعرنا بازدياد الوحدة الثقيلة تملأ المكان ، وأحسست أنا كذلك بلسعات البرد تجتاح جسمى . فالتفت الي سليم وقال : ريم اتركينى أضع معطفى على كتفيك .
فشعرت وكأنى رجعت تلك الفتاة الساذجة مع حبها المحطم وتركته يفعل . لقد قال انه سيلقانى هنا . - لاشك انها منعته .
- من - السكريتيرة الجديدة السكريتيرة الجديدة ؟ هذا غير معقول . ولكن - و الآن هل فهمت يا ريم ؟ الم اقل لك انه سيطرحك كما . ولكن فجأة سمعت وقع أقدام على حصى المسلك فالتفت فاذا هو وحيد !
- ريم . واقترب منى وفى يده ورقة قائلا : - هاته الورقة هي سبب تأخري لقد قلت لسكريتيرتى بأن تعلمك هاتفيا بكل شئ . . ولكن لم يعد لكل هذا الان اية فائدة .
- ولكن لماذا ؟ لماذا ؟ وتسألينى لماذا ؟ قال ذلك وأخذ يمزق الورقة فى شهوة جنونية .
وتركني وانصرف ، ورحت ارقبه وأنا أحس كأن أفعى مجنونة تتلوى فى أحشائى . . . . انحنيت على اجزاء الورقة أجمعها . . فاذا هي عقد زواجى مع وحيد . . . وفهمت كل شئ . . .
- ولكن بعد فوات الاوان ، فوحيد لن يصدقنى . . يا الهى ! الى أى حد كنت غبية ! لقد عمل سليم كل ما فى وسعه لتحطيم عش سعادتى وصرح حبى . . . فانتصر . .
وكالطفلة الصغيرة التى تقبل دميتها المهشمة ، أخذت فى تقبيل أجزاء العقد والدموع تملأ عينى . . . الى أن شعرت بيدين تشدان على كتفي التفت فاذا هو وحيد يبتسم لى فى براءة . .
فهمست بصوت بك كأنه صادر من وراء الافق البعيد : - وحيد . . حبيبي وانفجرت أبكى . . فأمسك وحيد بأناملى يمطرها بقبلاته - ريم . . حبيبتى ! دعينا نشكر القدر . . نحن ما زلنا لبعضنا ؟ وازداد بكائى . . .
- سامحينى يا حلمى . . . لم أكن أعرف شيئا عن ماضيك . . فلم أدر ماذا أقول ، فقد اختفت الكلمات مع الدموع فى صدرى . وأوشكت أن أفضى اليه احساسي آنذاك ، ولكن نظراتى التقت بنظراته المتلهفة ، فترقرق الحنان فى صدرى ، وابتسمت وقلبى يخفق فى عنف ثم أخذت رأسه بين ذراعى وضممته الى صدرى وهمست ومازلت ابتسم فى خجل :
- هل تحبني ؟ فراح يتفحصنى بعينيه فى شغف حتى اذا طالعة وجهى الدامع أحاطنى بذراعيه فى رفق وحنان وقال : - ريم . . حبيبتى . . كيف لا أحبك ؟ انك أغلى كنز فى حياتى أنت اللحن الذي كنت أبحث عنه منذ فجر الحياة . .
وتفجر فى صدرينا الهوى الجارف ، فملت برأسى على كتفه ، فأخذ يتحسس وجهى ويبعث بخصلات شعرى فى حنان . . ولم يفتش وحيد طويلا عن شفتى ، فقد شعرت وهو يقبلنى فى عنف ، من اننى انتصرت على الذكريات القديمة التى كانت تملا خاطرى وتعكر عنى سماء حبى . .

