الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء، نفوس ضائعة

Share

لا أقدر أن انسى هذا الحلم الذى حطم قلبي ان ذكراه المزعجة تتبعنى طول حياتى وتخفى عن عينى بريق الحب

في ذلك اليوم ، كنت أترقب احمد فى حديقة الورود ، قرب النافورة المرمرية ؛ كان اليوم ممطرا ، ولكن رغم ذلك كنت أترقبه بفارغ صبر وترقبته طويلا ، حتى آنني لم أعد اميز بين دموع قلبى ودموع السماء .

أحمد لن ياتى . وجلست على حافة النافورة المرمرية ، عاجزة عن ترك المكان ، والرجوع من حيث أتيت .

لماذا . لماذا لم يأت ؟ . أخيرا . نفذ صبرى ، فقررت العودة . وما ان وصلت أمام المسرح البلدى حتى صدمتنى الحقيقة المرة .

- احمد  و هاجر ؟ . وبقيت انظر اليهما فى دهشة عظيمة ، بينما غمرتني موجة من الخجل والالم . - آه ، يا الهى ، هذا لا يعقل لا يعقل . ولما كان الغد ، التقيت بأحمد فى ساحة الجامعة ، فراح يسهم

بنظراته في خجل ، كمن يحاول أن يتذكر شيئا ، ثم لم يلبث ان هز راسه وقال :

- آسف كثيرا لعدم حضورى البارحة ياريم . لقد أرسلني أبى لاقضى بعض الشؤون الشىء الذى جعلنى أعود مؤخرا الى البيت وتساءلت آنذاك ، كيف تجرأ أحمد على مزج الكذب والابتسام معا ؟ فابتسمت أنا بدورى وقلت له فى نفسى

" انظير جيدا ابتسامتي هاته ، ولتكن دائما فى مخيلتك ، حتى لا تنساها وحتى لا أخدع مرة ثانية ولم أذكر ابدا لاحمد رؤيتى له مع هاجر ، ولكن بقيت ألبى دعواته فى كل مرة يضرب لي فيها موعدا ، بوجه بارد كالمرمر

أراك يا ريم دائمة الغضب والنفور إزائى ، ألحد هذا يصل بك الحقد ؟ . من أجل اخلافى لموعد واحد ؟ . ريم آرجوك إننى انني أفعل ذلك عن قصد .

ولم انبس ببنت شفة ، كنت وكأنى أضع على وجهى قناع اللآوعى ولم يعرف منى حقيقة صمتى ويأسى ، حتى حين انظر فى عمق عينيه وأهمس في حقد مكتوم : " لا تكذب "

وأصبحت حين اشاهد عشيقين يتنزهان فى مرح ، والغبطة تملأ قلبيهما ، ابتسم فى سخرية وأقول : " ترقبا . ستبدى لكما الايام الحقيقة الاليمة . وينقشع حلمكما اللذيذ

وذات يوم ، فى خلال حفل نظمه الزملاء ، تقدم منى صديق يدعى سليم ، وخاطبني باسما :

- ريم . أراك منذ مدة تحيين فى عزلة ووحدة ، فأين ابتساماتك وأين رقصك ؟ أنا لا أرضاك أبدا على هاته الحالة . لذا فانا أدعوك للرقصة الموالية .

وأردت أن أعتذر ولكن أسرع سليم فجذبنى من يدى فى مرح أشبه بمرح الطفولة وقال : - هيا هيا يا ريم . . الى الرقص

- ولكن فجأة . شعرت بشخص آخر يجذبني نحوه قائلا : - شكرا على حفاوتك بصديقتى يا سيد سليم . أظن آن اللعبة قد تمت . هيا تعالي يا ريم .

وقبل أن ينطق سليم بحرف واحد ، كنت بين ذراعى الشاب المجهول تراه كيف عرف اسمى ؟

لابد أن يكون وراء كل هذا أشياء غريبة . خصوصا وقد رأيت الشاب المجهول يتبادل وصديقتى هدى ، النظرات والابتسامات . لا شك أنه أخ لهدى

اثناء الرقص ، كنا نقترب شيئا فشيئا من باب الخروج ، وكم من مرة قررت الفرار من بين يديه . ووجدتنى دون وعى انحنى على اذن الشاب وأهمس :

أظن أن هدى أرسلتك الى نجدتى شكرا هذا من حسن لطفك لذا . لذا فى استطاعتك الرقص مع فتاة اخرى فلربما

وحين تبين دهشتى وارتباكى ، آسرع يقول وهو يربت على كتفى مداعبا :

لم أرغب فى الرقص مع غيرك حين رأيتك لاول مرة . وكنت استدعيك من تلقاء نفسى ، لو لم ترسلني أختى هدى اليك . وعلمت بعد ذلك انه يدعى وحيد .

في أول الامر ، وفى المرات العديدة التى كان يلقانى فيها وحيد ، باسم الثغر ، كنت أتخيل فى قرارة نفسى أن تلك الابتسامات وتلك الهمسات هى لاحمد حبيبي الاول . وفي السويعات التى كنت اجتمع فيها مع وحيد على الشاطئ

أو فى الغاب ، كنت عاجزة عن رد كلماته المعسولة الدافئة التى تتخلل سمعى فى رقة وعذوبة وبدأت أشعر من أن قبلاته العديدة التي تلهب يدى ووجهى وفمى لا تزعجني .

وكانت أخت وحيد ، مسرورة جدا لصداقتنا فقد سمعتها تصرح : كنت على علم من أن ريم ووحيد خلقا لبعضهما بعض .

وذات يوم ، كنت فيه وحيدة فى المنزل ، سمعت جرس التليفون يرن فى عنف . وما كدت ارفع السماعة الى أذنى حتى سمعت صوتا ملهوفا عرفت فيه صوت سليم ، وبلا مقدمات اخبرنى قائلا

- لين يكون مصيرك ياريم مع وحيد أحسن بكثير من مصير الوردة التى ذبلت فطرحت وفي ذلك اليوم . . تذكرى يا حبيبتى اننى موجود للأخذ بيدك .

وقلت له في خبل وأنا ألهث : - انت مخطئ يا سليم هذا لن يحدث أبدا مع وحيد ووضعت السماعة مكانها ، وكل عضلة فى كيانى تختلج ، والعرق يتصبب على جبينى فى غزارة " الوغد النذل الحيوان كيف طاوعه ضميره على أن يحول بيننا !

ولقد كنت أمنع نفسى جاهدة ، من الاجتماع بوحيد على انفراد قرب النافورة المرمرية ، حتى لا أقع وجها لوجه مع ذكريات الماضى المؤلمة . الى اليوم الذى اصبحت فيه الاشياء مسرحا للخزعبات

ورغم كل هذا ، فقد شاءت الاقدار ان اجتمع بوحيد قرب النافورة المرمرية . - هلا تزالين يا ريم تخشين الذكريات ؟ . . . . ؟

فوضعت رأسى على كتفه ولم آجب . بينما تساقطت من بين اهدابى قطرات من الدموع انحدرت على وجنتى فى صمت

- سوف لن يعود ذلك آبدا . ولن يكون فى حياتى مع وحيد ذرة واحدة من الالم أو الحزن وعندما طلب منى وحيد الزواج ، تملكتنى رعدة خفيفة وعقد لسانى تردد خفى

ارجوك يا وحيد . امهلنى قليلا من الوقت - قليل من الوقت ؟ لماذا ؟ فهل تترقبين شخصا آخر ، أم أنك تخافين الذكريات ؟ أم

- لا يا وحيد لا . أنا لأترقب أحدا حقا كان لي حب منذ شهور ، ولكنه ذهب ولم أعد أذكر منه شيئا ولكن لم استطع رغم كل ذلك أن أقول له الحقيقة الخفية ، حتى عندما أجبرنى على الخضوع لقبلاته الجنونية التى لاتنتهى .

ولما كان الغد ، التقيت بسليم وقد شد على شفتيه ابتسامة رقيقة ، سرعان ما أخفاها وخاطبنى فى هدوء مثير :

اراك تزحفين نحو الهاوية الجديدة . هذا ما أخبرنى به وجهك الشاحب النحيل قال ذلك وأخذ يلتهم بنظراته تقاطيع وجهى ، وسألنى وعلى شفتيه بسمة ساخرة :

- أهذه هى الحقيقة ؟ ؟ وظللتنا برهة من صمت ثقيل ، ثم استجمعت شجاعتتى وهمست كم كنت احبك أما الآن وهتف وهو يقترب منى :

من تعنين ؟ لست افهم . وعبثا حاول سليم أن يحصل على الجواب المطلوب ، ولم يبق امامه

الا ان يتبعني من بعيد وانا أسير وحيدة الا من همومى ؛ حتى اذا ما دخلنا حديقة النافورة المرمرية استدار نحوى وقال : - موعدك معه هنا ؟ - نعم .

بدأت بعض قطرات المطر تتساقط ، فشعرنا بازدياد الوحدة الثقيلة تملأ المكان ، وأحسست أنا كذلك بلسعات البرد تجتاح جسمى . فالتفت الي سليم وقال : ريم اتركينى أضع معطفى على كتفيك .

فشعرت وكأنى رجعت تلك الفتاة الساذجة مع حبها المحطم وتركته يفعل . لقد قال انه سيلقانى هنا . - لاشك انها منعته .

- من  - السكريتيرة الجديدة السكريتيرة الجديدة ؟ هذا غير معقول . ولكن - و الآن هل فهمت يا ريم ؟ الم اقل لك انه سيطرحك كما . ولكن فجأة سمعت وقع أقدام على حصى المسلك فالتفت فاذا هو وحيد !

- ريم .  واقترب منى وفى يده ورقة قائلا : - هاته الورقة هي سبب تأخري لقد قلت لسكريتيرتى بأن تعلمك هاتفيا بكل شئ . . ولكن لم يعد لكل هذا الان اية فائدة .

- ولكن لماذا ؟ لماذا ؟ وتسألينى لماذا ؟ قال ذلك وأخذ يمزق الورقة فى شهوة جنونية .

وتركني وانصرف ، ورحت ارقبه وأنا أحس كأن أفعى مجنونة تتلوى فى أحشائى . . . . انحنيت على اجزاء الورقة أجمعها . . فاذا هي عقد زواجى مع وحيد . . . وفهمت كل شئ . . .

- ولكن بعد فوات الاوان ، فوحيد لن يصدقنى . . يا الهى ! الى أى حد كنت غبية ! لقد عمل سليم كل ما فى وسعه لتحطيم عش سعادتى وصرح حبى . . . فانتصر . .

وكالطفلة الصغيرة التى تقبل دميتها المهشمة ، أخذت فى تقبيل أجزاء العقد والدموع تملأ عينى . . . الى أن شعرت بيدين تشدان على كتفي التفت فاذا هو وحيد يبتسم لى فى براءة . .

فهمست بصوت بك كأنه صادر من وراء الافق البعيد : - وحيد . . حبيبي وانفجرت أبكى . . فأمسك وحيد بأناملى يمطرها بقبلاته - ريم . . حبيبتى ! دعينا نشكر القدر . . نحن ما زلنا لبعضنا ؟ وازداد بكائى . . .

- سامحينى يا حلمى . . . لم أكن أعرف شيئا عن ماضيك . . فلم أدر ماذا أقول ، فقد اختفت الكلمات مع الدموع فى صدرى . وأوشكت أن أفضى اليه احساسي آنذاك ، ولكن نظراتى التقت بنظراته المتلهفة ، فترقرق الحنان فى صدرى ، وابتسمت وقلبى يخفق فى عنف ثم أخذت رأسه بين ذراعى وضممته الى صدرى وهمست ومازلت ابتسم فى خجل :

- هل تحبني ؟ فراح يتفحصنى بعينيه فى شغف حتى اذا طالعة وجهى الدامع أحاطنى بذراعيه فى رفق وحنان وقال : - ريم . . حبيبتى . . كيف لا أحبك ؟ انك أغلى كنز فى حياتى أنت اللحن الذي كنت أبحث عنه منذ فجر الحياة . .

وتفجر فى صدرينا الهوى الجارف ، فملت برأسى على كتفه ، فأخذ يتحسس وجهى ويبعث بخصلات شعرى فى حنان . . ولم يفتش وحيد طويلا عن شفتى ، فقد شعرت وهو يقبلنى فى عنف ، من اننى انتصرت على الذكريات القديمة التى كانت تملا خاطرى وتعكر عنى سماء حبى . .

اشترك في نشرتنا البريدية