من ظواهر التطور والتجديد فى الشعر التونسى الحديث
كانت أرضنا التونسية ولا تزال الى يومنا هذا - بجميع أجوائها الطبيعية وظروفها الحياتية المختلفة والمتطورة - ارضا استطاعت ان تفجر وتلد شموعا وينابيع بيانية متعددة والتاريخ يشهد ببروز نخبة طيبة من المشاهير ، منهم على حد المثال : ابن رشيق ، وابن خلدون ، وأبو القاسم الشابى . . وغيرهم كثير وهذه الارض جديرة بان تلد امثالهم من الاولين واللاحقين والمعاصرين - هذا واننا لنجد اليوم تراثا تونسيا قديما ينشر ويحقق وتراثا تونسيا يولد ويفجر ومن الطبيعى ان يتباين الاثران تباير ملابسات وظروف الاجداد والاحفاد ، فاين اسلوب ولغة وصور ومناهج ابن رشيق ( المتوفى 456 ه ) وأبى الطاهر الرجيبى ( المتوفى سنة 450 ه )وعلي الحصرى ( المتوفى سنة 488 ه ) وعبد الرحمن ابن خلدون ( المتوفى سنة 808 ه) وغيرهم كثير . . . من نثر وشعر الطاهر الحداد المتوفى سنة 1945 م وأبى القاسم الشابى المتوفى سنة 1934 م وسعيد أبى بكر المتوفى سنة 1948 م. وغيرهم . . اما الفوارق بين الاولين واللاحقين والمعاصرين فعديدة . فلو قدر لابن رشيق ولمقاييسه ان تسير بعض شعر اليوم فلست ادرى مدى عمق الثورة التى ستنتابه ؟
هذا وإن نهضتنا الفكرية والشعرية ( الحديثة ) قد اثمرت اليوم ونتج عنها تطور وتجدد لما لادبائنا وشعرائنا من صلة متينة بين انتاجهم وبين المدارس الادبية ( المشرقية منها ) واريد هنا أن أنفي وابعد كلمة تبعية عن هذه الحركة التجديديلة التى شارك فيها شعراء وادباء من مختلف الاقطار العربية منهم : نزار قبانى - نازك الملائكة - عبد الوهاب البياتي - بدر شاكر السياب - محمود درويش - أدونيس
واريد ان اشير هنا بان شاعرنا مصطفى خريف رحمه الله كتب سنة 196 قصيدة طويلة سماها " الملحمة " اجاز فيها لنفسه هذا الحواز وهو ( فاعل ) الذي لم يقرره العروضيون القدماء من قبل ونجد هذا ( الزحاف الجائز ) فى اكثر ابياتها مثل قوله :
" بنزرت قريبا ستطهر
وفضاء الصحراء يحرر . . .
دمنا فى بنزرت مغدر . . .
وثعالب قامت تتنمر (1) . . . الخ
كما ان كتاب الشاعرة نازك الملائكة " قضايا الشعر المعاصر " وصل الى تونس بعد كتابة سيدى مصطفى لقصيدته باكثر من سنتين ( 2 ) .
ثم يأتي بعد ذلك الشعر السياسي المحلى او القومي وهذا النوع من الشعر وان كانت جذوره تمتد فى القدم الا انه قد اخذ أصباغا وازباء عديدة متجددة وفقا لحالة البلاد السياسية ويقود هذا الشعر غالبا اكبر الشعراء سنا ، وهم الذين وعوا الحالة السياسية وعبا ناضحا وعاشوا افرراحها وأتراحها وقد ترجمت لهم العكاظيات والمناسبات ورويت اشعارهم ونشرت فى الصحف والمجلات الثقافية والادبية وضمن الاذاعة والتلفزة ومن بينهم : أحمد اللغماني ، الطاهر القصار ، الشاذلى عطاء المه الشاذلى زوكار ، أحمد المختار الوزير ، جلال الدين النقاش ، محمد الشعبونى ، محيى الدين خريف ، محمد مزهود القيرواني ، وعبد العزيز طريفه وغيرهم . . .
ومن ابرز شعرائنا الذين اذاعوا اكثر من مرة ان الشعر الحق هو الذي تجاوز مجارى الشعر القديم " الميدانى بن صالح " وهو الذي ادار عدسته
نحو الذين لم تعرف ايامهم السعادة وديوانه " قرط أمي " الاول وديوانه الثاني " الليل والطريق " يعجان بهذه المعانى
وقد آلت بعض الدواوين الشعرية الى فكرة جوهرية واحدة او الى افكار متنوعة يربطها خبط واحد يمثل العمود الفقرى الذى تلتقى عنده كل الفقرات المكونة له وإن كان هذا الالتزام الموضوعي طرفا جديدا او مرحالة تحولية لبعض الشعراء فمنور صماح الذى انغمس لفترة من حياته فى بحر الوجد والهوى عاد لسان الجوعى والمنكوبين يتلظى بمرارتهم ويأسى قلبه لاوجاعهم وهو بذلك يفصح عن تحول فى ارضية شعره وفى قصيدة ( المطارق) رسم واضح لانعراجه الجديد
كما ان هناك ثلة من الشعراء جاؤوا بقبول جانب من التجديد مع الاحتفاظ بالمقومات الاولى للشاعر ومنهم محمد الشعبى فى قصيدة ( فوق هذا الخلاف ) إذ يرسم رأيه فى الاحداث الدامية التى استهدفت الشعب التونسى عموما والاوزان خصوصا .
اما بعد فيمكن لنا ان نقسم الشعر التونسي تنغيما الى ثلاثة انواع رئيسية تتعايش فوق اديم وسائل النشر
أ ) الشعر العمودى : هذا النوع لا يحتاج للتدليل . رواده كثيرون منهم : الشاذلى عطاء الله ومحمد مزهود القيروانى والطاهر القصار والهادى المدنى وجلال الدين النقاش وناصر الصدام وأحمد المختار الوزير والى جانب هؤلاء عدد آخر من الشعراء الذين ) عمدوا ( شعرهم مرة وحرروه مرات ومنهم : أحمد اللغمانى ، محمد العروسي المطوى ، جعفر ماجد نور الدين صمود ، الميدانى بن صالح ، وأحمد القديدى . .
ب ) الشعر الحر : وهذا النوع بدأ بالتخلص من الروى الواحد شأن التواشيح اذ يقسم القصيد الى مقاطع وكل مقطع ورويه كشعر محيى الدين خريف ، سويلمي بو جمعة ، جميلة الماجرى ، الهادى عبد الملك ، جمال الدين حمدى ، وعلى عارف . واغلب شعر الاستاذ محمد العروسي المطوى وتعدى هذا التحرر فبات يكتفى بالتفعيلة الواحدة وغالبا ما يقع هذا على البحور ذات التفعيلة الواحدة كالمتقارب ( فعولن ) والكامل ( متفاعلن) والرجز ( مستفعلن ) والهزج ( مفاعيلن )
ج) فى غير العمودى والحر : هذا النوع من الشعر هو آخر مرحلة لتطور وتجدد الحركة الشعرية التونسية أتى به شبان جدد واذكر ان جدا حادا وقع فى تلك الفترة بين مع وضد - كما نجد أن بعض دعاة ومؤيدى هذا الوليد الجديد كثيرون منهم : الطاهر الهمامى صاحب ديوان " الحصار" ومحمد الحبيب الزناد صاحب ديوان " المجزوم بلم " وعلى طراد ومحمد التهامي الكار ومحمد أحمد القابسي وفضيلة الشابى وغيرهم كثير ...

