سكير ! سكير ! هكذا جلجلت نائلة لما ركلها زوجها فكاد يفقدها وعيها . لقد كان في نيته قتلها هذه المرة اذ قال ذلك حال دخوله الغرفة الرثة التى يسكنانها قال:
- سوف نضحك الليلة يا نائلة . إنى اريد قتلك يا عجوزى...
ولوح لها برجله فضربها تلك الضربة التى صرخت من أجلها سكير ! وقهقه وقد انبعثت منه رائحة الخمر فملأت جو الغرفة الغريب ، تلك القهقهة الطويلة الكريهة التى عرفتها نائلة من زوجها التى كثيرا ما أثارت فى نفسها مزيجا من الخوف والاشمئزاز والنقمة .
وانزوت نائلة بعد أن قالت كلمتها تلك في وجه زوجها أحمد ، انها لا تملك غير هذه الكلمة تدفع بها زوجها ، وتعبر بها عن خوفها واشمئزازها ونقمتها سكير ! سكير ! سكير ! . انزوت نائلة فى الغرفة على فراشها تقول كلاما لا يسمعه أحد سواها في تلك السكينة المخيمة ، وقد ظهر شحوب وجهها على ضوء البقية الباقية من تلك الشمعة التى توشك على الإنطفاء . ولعلها كانت تستجدى ولى الحى سيدى صالح .
اني أحبك يا قطتي العزيزة لذلك أردت قتلك اقترح شنقك يا نائلتي . ثم سكت أحمد لحظة استرجع فيها أنفاسه التى قطعها اللهيث ، ودار في اركان الغرفة الخاوية يبحث عن حبل يشنق به نائلة وقد تعثرت خطاه وارتسم الاجهاد على وجهه الرمادى ، ولم يجد حبلا فزادت ثورته وفغر فاه ليبرز اسنانا سوداء طويلة وضعت كيفما اتفق في فمه فزادت وجهه الغريب هولا . واشتد هلع نائلة . لكنها لم
نتحرك من مكانها بل امعنت فى الالتصاق الى الحائط لعل برهان سيدى صالح ينقذها من هذا الشيطان الذى اصبح يهدد الناس والارض والسماء امامها ويتحداهم براسه الاصلع الكريه . اجل ! لعل سيدى صالح يجذبها من الحائط ببركته فيخرجها الى حيث لا يوجد زوجها اللعين .
وفجأة كان ايديا سحرية قوية اجتازت حائط الغرفة لتخمد ثورة أحمد وتسلمه الى عالم السكون . فجأة تعثر أحمد بكرسي مقلوب في صدر الغرفة فسقط بلا حراك كالميت ، ولم يلبث أن تعالى شخيره فملأ الغرفة وكان باعثا لنائلة على التفكير في النوم خلال تلك الليلة .
ونامت نائلة تلك الليلة ملء جفنيها ، أما زوجها فبقى بلا حراك فى مكانه فى صدر الغرفة وقد جلب لها شخيره ذلك النوم العميق الذى استسلمت له ، فى الحقيقة انها لم تتعود ان تنام ملء جفنها منذ زمن بعيد ، كانت تقضى الجزء الاوفر من الليل في انتظار أحمد وقد يجئ مؤخرا وقد لا يأتى الا فى صباح الغد . أما هذه المرة فقد جاء سكران وهى تعرفه اذا شرب كثيرا يفقد صوابه وقد يضربها ، اما الليلة فقد هدد بقتلها ! وهى تسمع منه هذه الكلمة لاول مرة .
ان الافكار القاتمة لتأخذ عليها من نفسها الشئ الكثير وان الخوف المستقبل ليقض مفجعها . وان هذا الخوف ليدفع النوم عنها دفعا ويصرفه عن عينها صرفا . ماذا سيحدث يا ترى اذا تمادى زوجها فى حسو الخمر ؟ ماذا سيحدث اذا استمر يدفعه تيار الادمان عليها ؟ من اين سدد الديون ؟ وبماذا تعيش ؟ حتى صاحب الغرفة التي يسكنانها اصبح لا يتحملهما الا على مضض منذ زمن طويل والاقذار تتراكم فيها وأمامها ، أما جدرانها فقد تقلص الدهن القديم عليها وتقشر ثم تناثر على ارضها ، ذلك ما يزعمه صاحبها وان لم تعترف به نائلة . ثم ان زوجها سكير وقد قال صاحب الغرفة انه لا يجب التعامل مع السكير .
وجيرانها . لامرما أصبحوا يمقتونها ولقد وصل بهم الامر الى تهمتها بالسرقة وشرب الخمر مع زوجها ، وانها تتبرم بهم كلهم وانها لتزدر بهم الا ذلك الشيخ الضرير المتداعى على نفسه ، الشيخ مسعود الذي يسكن في زاوية قرب غرفتها . . نعم ! الا ذلك الشيخ الذى كانت تحس نحوه بالرأفة والحنان .
كان الشيخ مسعود يقضي ما يزيد على الخمسة أيام دون أن يذوق طعاما وكانت نائلة بين الحين والآخر تعطف عليه بكسرة من الخبز تكون قد ابقتها له فيأخذها منها ويضعها تحت ردائه . والحق انها لا تعرف أيأكلها فيفصل بها بين صيام وصيام أم يتركها تحت ردائه ذاك ويستمر صيامه الابدى . غير انها تعرف وكل من فى الحي يعرفون ان الشيخ مسعود لا يستجدى أبدا وليس له أى مورد للرزق ، أما من أين يقتات فذلك أمر لا يعرفه أى انسان في الحي . وكانت نائلة كلما فكرت في العذاب ، العذاب البشرى على هذه الأرض تمثل أمام عينيها صورة الشيخ مسعود وهى ليست تدرى لماذا ؟ لعل الشيخ مسعود رمز لعذاب البشر على هذه الارض .
لفحت الشمس وجه نائلة من خلال (ثقب فى الحائط فاستيقظت مكدودة مرضوضة وكأن ارتخاء بغيضا يثقل مفاصلها ويقعد بها وادارت فى الغرفة نظراتها الفاحصه ولم تعثر على تغير أى شئ لا يزال الكرسي مقلوب فى مكانه وزوجها بجانبه على الارض ، ونظرت إلى ذلك الزوج الذى لولا اهتزازات صدره لظنت انه انتقل الى العالم الآخر وعبثا حاولت أن تخرج من تقاطيع وجهه ذلك الوجه الوسيم الذى عرفته له أيام الشباب " حقا ان البون شاسع بين أحمد الماضى وأحمد الحاضر ولم يسع نائلة الا أن نسبت ذلك التغيير الى الخمر . ثم تمتمت كلاما يفهمه سيدى صالح وحده لان بينها وبين هذا الولى الكريم اسرارا . وقد خلصها من مآزق عديدة وأخيرا وضعها تحت حمايته ، وأصدق دليل لها على ذلك ليلتها البارحة ، ألم يخلصها من الموت ؟ ألم يخمد ثورة زوجها ؟
واحست نائلة بالجوع فجأة ،انستها همومها انها لم تذق طعاما طيلة يوم أمس وها هي اليوم تستقبل النهار والجوع يعصر معدتها . وانها لتعلم حق العلم آن زوجها لا يملك الان ولو مليما ولكن وطأة الجوع جعلتها تقترب من زوجها وتدخل يدها فى جيبه فلم يعثر على شىء . وتسرب يأس بارد قاتل الى نفسها : إن الذى خافت منه قد وقع ، اخذ زوجها يوم امس مرتبه لكنة دفعه كله للخمارين وقد قال لها منذ يومين انهم يطالبونه بأموالهم وانهم توعدوه ان لم يدفع لهم ما عليه من ديون . .
وحاولت ايقاظ زوجها لكنه بقى كالصخرة ، وأدارت نظراتها فى أركان الغرفة كأنها تبحث عن شئ يسكن حدة جوعها لكن بدون جدوى . فخرجت من الغرفة علها تعثر فى الخارج على شئ لكنها لم تلبث أن رجعت وقد تضاعف جوعها . رجعت مفزوعة وارتمت في الغرفة متهالكة خائرة القوى . . رأت الشيخ مسعود فى زاويته وقد تقلص جسمه وجف جلده على عظمه ورأت عينيه الخاليتين من كل حياة تتحركان تحت الجلد وقد برزتا من وجهه فعبرتا عن عذاب فوق طاقة الانسان . ولاول مرة عرفت نائلة أن ذلك المسكين يأكل نفسه وانه الآن يأتي على البقية المتبقية من لحمه ودمه كما عرفت أيضا أن الانسان اذا لم يجد ما يأكل يهضم لحمه ودمه تماما كما تهضم الطعام ويتعذب كثيرا . ثم يموت . وللتفكير فى الموت انتفضت نائلة وبدا لها أن مصيرها سوف يكون حتما كمصير الشيخ مسعود ، وانتابها هلع من ذلك المصير لم تنفع بركة سيدى صالح فى اخماد حدته ، انها لا تريد أن تموت جوعا ، سوف تعمل . . سوف تطلب العمل من الناس رغم جسمها المترهل وصحتها المتدهورة ، وستهجر زوجها ؛ لن تر بعد اليوم وجهه الكريه ، ستستجدى ان لزم الامر ذلك لا يهم على أن لا تموت جوعا
وأحست بالقوى تتدفق فيها واكتشفت لها قدرة على فعل المستحيل لتقتات واحتقرت زوجها وازدرته ، لم يعد جديرا الا بالازدراء فى نظرها ، لن تفكر فيه ولن ترهبه منذ الان . . ان رباط الزوجية المقدس فى هذه الاسرة قد تداعى او كاد ، يا للحياة ما ابرعها فى محق تلك الاشياء الغريبة التى يظنها الانسان مقدسة قوية في عالمه ؛ ان رباط الزوجية بين نائلة وزوجها اضعف من أن يقف في وجه الحياة القاسية . وأغلقت باب الغرفة المتداعي على أحمد الغارق في عالم الاحلام وخرجت لتستقبل حياة جديدة قررت أن تحياها ، حياة لا تكترث فيها لزوجها السكير ولا تحسب له حسابا .
ومشت نائلة في الشوارع والازقة بدون غاية ، ومشت . . وكان رأسها فى دوار مستمر وافكارها مشتتة تحت مفعول الجوع ، واستسلمت لصور خيالها المكدود ، ماضيها المطمئن ، حياتها الاولى مع زوجها ، شبابها ، وترين على غالب مراحل حياتها سعادة واطمئنان ورضى . لكنها سعادة بعيدة لا تكاد تذكرها في وضوح ، ولكنه اطمئنان . . ولكنه
رضى غامض لا تكاد تدركه ولا تحسه ، فهو يبتعد عنها كلما حاولت الاقتراب منه ، وهو يذوب بين يديها كلما حاولت ادراكه . ولو فكرت مليا لوجدت انها لم تسعد في ماضيها كثيرا ، لو كان لخيالها أن يريها ماضيها مرحلة لما وجدت فيه غير اطمئنان غامض ناقص ورضى وهمى . . لكن تلك طبيعة مقيتة فى الانسان يحن دوما لامسه مفضلا اياه على يومه مهما كان . وكادت نائلة تنسى جوعها واحست بحالة تشبه الغبطة البلهاء تملأ نفسها ، ان التهادى في شوارع المدن لينسى الجوع ويبعث في النفس شبعا عجيبا هو مزيج من الثقل فى الحواس والارتخاء في الجسم والدوار فى الرأس .
وفجأة كأن ذاكرتها المكدودة تحركت ، ذكرت شيئا ذا بال اهملته هو سيدى صالح فتطيرت من نسياها وقررت الذهاب إلى زاويته لتكفر عن خطيئتها وهناك بجانب تابوت الولى ارتمت كالصخرة ونامت ما يزيد على العشر ساعات . ولم تستفق الا في المساء وقد لفح جسمها برد أصقع مفاصلها ، وفكرت في الرجوع الى غرفتها لكنها آخذت نفسها لمجرد هذه الفكرة ، نعم ! لن ترجع لغرفتها ولو كلفها الامر الموت على قارعة الطريق . . لكن يجب أن تفكر فى شىء أهم . انها محتاجة الى شىء تأكله ، لم تعد تقدر على الصبر ولو ربع ساعة ، اما الطعام واما الهلاك .
واقشعر بدن نائلة اذ تذكرت الشيخ مسعود ، وهالها الامر وودت لو لم يقع بصرها عليه وانبت نفسها على اشياء عديدة حتى انها ودت لو لم يخلقها ربها ، وكادت تثور وكادت تجن لكن الثورة والجنون وتأنيب النفس أشياء لا تؤكل . يجب أن تفعل شيئا .
وأفاقها من ذهولها برد ارتعش له جسمها المترهل وانهد له كيانها . ان الشتاء قد بدأ يشعر الناس بقدومه وانه ليجد له الى عظام نائلة منفذا فى هذه السنة .
سيدى اسمع من فضلك .
هكذا قالت نائلة لاول شخص رأته في تلك الامسية ، انها ستجدى ! لكن ليس فى الناس من يجود بالرغيف خصوصا فى المدن .
وخنقتها دموعها وانسكبت عبراتها حراء من جفنها ، ان دموعها
لتحرق خديها وان معدتها لتهصر روحها هصرا وان حصى الطريق ليدمي قدميها ويبعث فى كيانها جمودا وبرودة .
ايها الجوع ! ايها البرد ! قاهران لاحد لجبروتكما ولا نهاية ، كلا كما يحطم فى الاسنان زهو انسانيته ، وكلا كما يعفر جبينه ويلطخه بدم ابائه وشممه ، كلا كما يسوى بين فضيلة الانسان ورذيلته وكلا كما ايضا يجب الضوء عن عينه ويطمس فيه نور الروح والنهية .
ايها الجوع ! أيها البرد ! وارحمتا لهذه المسكينة من مخالبكما
ومشت نائلة الى غير غاية ، وتهادت يدفعها تيار غامض ، لكنه قوى ، بائسة انضمت الى سلك النقابات من البشر ، وما أكثر ما ينضم امثالها الى سلك الملتصقين بتراب الارض ، كثيرات امثالها يفضلن قطع يديهن على مدها ، وكثيرات مثلها يفضلن الموت على الاستجداء ، لكن ليس لها في امرها خيرة ، ان مخالب الجوع ومخالب البرد هى اصحاب الجناية على كبريائها ، وعليها يعود ذلها
وهناك من جهة الغرب فى الافق البعيد رأت نائلة الشفق احمر قانيا ،
انه يشبه نار الجحيم تأتى على ما فيها ومن فيها ، وانه ليشبه عين جبار قاسية تبعث الجمود والشرر ، وتمنت لو تحملها قوة اليه فتخفيها فيه ، ان الشفق على احمراره فيه سعادة دفينة تراها نائلة ولا تدركها ، وان فيه لدفئا وسكينة .
ولامر تحول ذلك الشفق أزرق ، ان عين الجبار رثت لحالها فدمعت وها هى تكفكف الدمع ، ان نار الجحيم أصبحت رمادا وها هو الرماد يطمس ماضيا لها سعيدا ، وها هو يغمر كل حياتها الحاضرة وغممت نائلة كالملسوعة ،
- لعن الله زوجي .
في يوم عجب جيران نائلة لموت الشيخ مسعود واحمد زوجها في ليلة واحدة ، كما عجب كل من مر منهم بزاوية الشيخ مسعود برؤية نائلة مكانه تستجدى .
والزاوية ؟ اتراها قد لحظت تغيرا فى حياة الاحياء حولها ؟
