الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء, المصباح المهشم

Share

أرشيف الأزقة المستهترة تدعونى . .

خمارة يهودى تغرينى وتدعونى أن ابيع دينى بقارورة خمر . . وعيون المارة تأتمر بالفلس وابن الفلس . . جيوبى فارغة تتحدانى ، تفضحنى . . . متى أمسح الجوع عن بطنى ، عن جيوبى ، وأرفع الغبار عن حذائى . . وحدثونى عن المدينة . . تنتفخ فيها الشوارع بالدنانير . . ويصبح فيها العبد أميرا . . والاسواق فيها كثيرة وكثيرة . .سوق الذهب سوق التخمة . . وسوق الجنس ! . .

حزمت أمتعتى وركبت الريح الى المدينة ! . .

ابتسمت للبواب ، فاستبقى يدى معلقة فى الفضاء ، وسافرت عيناه تلحسنى من رأسى حتى قدمى . . هذا زمن فاحت فيه النرحسية القائمة ع عتبة الانفجار . . والتخمة طريق مفتوحة على الجوع . . .

- المدير غير موجود . . . ولا يمكن أن تتحصل على موعد الا بعد نصف شهر ! .

وتألمت . . ربما لم يعجبه سروالى المتقلص على حد الركبتين ، أو اشمأز من حذائى المشطور ، فرمانى على الرصيف كأية سلة تنتظر الافول . . . وأفول الشمس شئ مستحب لدى الجميع ! . .

كان نزولى بالمدينة وقت المغيب . . . وحمرة الافق تهدينى الرعب فى كأس مهشم ! . .

ورمتني جيوبى فى الشارع ، لم يكن بوسعى أن أحتسى تعبى فى أحد الفنادق البسيطة . . .

كان النهج طويلا . . مقفرا . . بعض المصابيح الكهربائية كاسفة منثورة هنا وهناك . .

وركضت عيناى وراء قطط كثيرة ، تكورت حول صناديق المزابل . . الحظ صاحبها فى البيت والشارع ، وحظى مطموس محفور على جدار السوء .

وحسدت أمعائى القطط . . وحركتنى أن استجدى بعض الفضلات يستسمحنى فيها قط رحيم ! . .

ونسمة الليل تتناثر على جسدى ، ورعشات باهتة تستر الندى المثلوج . . حركات رأسى آلية تشترى الخوف وتهزنى فى حقد . . وعيناى تتملقان الافق تبحثان عن حمرة الشمس فلا تدركانها . .

تململت وظهرى مستميت على العمود الكهربائى ، هو الآخر منكود الحظ كان مصباحه مهشما ، ضحية تمرد حجارة صبية الحى . .

دخلت مكتب المدير ، وأناملى ترتعش بأوراق سخية . . . وتملكتنى رهبة ، مصحوبة بخوف ثقيل وضاعت ارادتى بين الكراسى الفاخرة والبساط الاخضر الذى يغطى قاع المكتب كالذى حدثتنى عنه جدتى فى خرافة ابن السلطان ووددت لو انسحبت دون أن أتلفظ بكلمة ، ربما أننى خفت أن يفضحنى حذائى المغبر ! .

ونبهنى المدير : - ما حاجتك ! ؟ . وكدت أهرب !

- سيدى ، هذا العقل يمكن أن يعطى . . وهذان الذراعان قد مجهما التقاعد . . وهذا . . .

دفن وجهه بين الاوراق وجاءنى صوته يطفو على موجة اللامبالاة :

- آسف يا ولدى ! . .

يا ولدى . . كلمة لشد ما أنا فى حاجة اليها . . عطشان أركض خلفها بلا هوية وأبت الايام أن تسمعنى كلمة ولدى الا مغلفة بالرفض . . .

(( يا ولدى قد مات شهيدا من بات يلهث خلف الوظيفة )) .

أحسست بيد ثقيلة تلتقطنى من كتفى . . انتبهت : قهقهات عبيطة تضعنى فوق وتيرة الحيرة . . عمال البلدية على شاحنة كبيرة . . . يصيبوننى بعيون مشمئزة قرفة . .

- كنت أظنه سلة كبيرة مشحونة بالفضلات . . - والسلة أنفع منه ، يكفى أنها تحفظ الفضلات من التلاشى . . . وزمجرت الشاحنة وتداخل دويها مع القهقهات الثكلى . . . وبدأت حمرة الافق تلتهب وتلتهب ، صياح الديكة يطردنى من مكانى . وارتفعت بنظراتى الى المصباح . . .

كان مشهما ! . .

وفى مؤسسة ثانية ، أذن لى بالمثول لدى المدير ..

سيدى المدير يقول سبحانه وتالى : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم و . . .

- آسف . . .

وفى مؤسسة أخرى . .

سيدى المدير يقول المرفوض للرافض : إن المعاناة الفردية قد تكون صدى لاجراس الواقع عندما تختمر فى الارض أرضية الخمول . . و . . .

- آسف . . .

وفى مؤسسة أخرى . .

حضرة الاخ سمو المدير المبجل أطال الله فى أنفاسه ورزقه بذرية لا يكتنفها الجوع  . . و . .

- آسف . . .

شئ غريب . . غريب لا يطاق هذا الذى ياكلنى من الاعماق يجترنى ويلوكنى .

كانت غربتى أكبر من أن أتوجع . . وألبس الرفض محوا لارادة غير ارادتى . . لا شئ ينتظرنى . . ولا شئ يتربصنى سوى غربة صماء ترسمنى فى قاع نقطة فارغة . . واحساسى بالرفض لمن رمانى بالرفض وأقعدنى خلف قضبان حديدية لا تصلها يدى . . .

- ماذا تفعل هنا ؟ . .

شرذمة من الشرطة تضع يدها على ، ، وانتعلتنى خيبة جديدة . . . وقبل أن تأخذنى السيارة الى القسم ثم الى الواجب العسكرى ، رفعت نظراتى الى المصباح الكهربائى  . .كان مهشما . . ولفظت شعتاى دون شعور : . . آسف ! . .

اشترك في نشرتنا البريدية