الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء, حقيقة نفس

Share

" المراة فى نظرى انبل من الرجل ، فيها يتجسد التفاني والالم الصامت والايمان والمعرفة . . . . فعلى الرجل ان يحترم المرأة ، ويكف عن النظر اليها كاداة لذة " . . . غاندى

تاكسي . . . تاكسى . . .

واوقف الرجل سيارته الى جانب الرصيف فى شىء من الحدة والعنف ، ثم  مد يده الى الباب الخلفى يفتحه للمرأة التى تريد الركوب ، وبعد لحظة او لحظتين تحركت السيارة لتاخذ طريقها فى الشارع الكبير . . .

وعاد السائق يعرض فى مخيلته صورة الفتاة الشقراء ذات الجمال الساحر الفتان والقد الاهيف الممشوق وهى تنظر فى عينى ذلك الشاب الذى كاد يلتهمها التهاما فتزيده حرقة فى قلبه وظمأ لرضابها الحلو وجوعا لاشباع نهمه من جسدها الغض النضير . . . .

انه لا يدرى كيف تسرب البغض والحقد الى قلبه على ذلك الشاب السابح فى بحر من السعادة ، نعم انه ما اعتاد من قبل ان يشغل نفسه بالتفكير فى اشياء كهاته رغم انها تمر به فى اليوم اكثر من مرة . . ! !

لعله ذلك الجانب الروحى الذى يحس به تجاه المرأة عند ما يقوده عقله للتفكير فيها ، انه لا ينكر فى نفسه تلك النظرة الطاهرة التى يخصها بها والتي كثيرا ما سببت له الشقاء فى حياته لانه لم يجد فى النساء من تستحق طرفا من التقديس والاجلال . . ولعله عرف الان . . . . والان فقط مصدر نقمته على المراه الحديثة التى يعدها دمية تتجلى فيها كل مظاهر الاغراء الصارخ والشهوة العارمة . . لكن ما له يحس بالغيرة على هاته الغادة التى كانت منذ حين تجلس وراءه وترتل بصوتها الرخيم موسيقى حالمة في اذن ذلك " الذئب " الذى لا يفهم من كلامها غير لذة سافلة . . لعل جمالها وفتنتها هى التى اثرت فيه وحركت فى داخله عامل الاثرة فتمنى لو تكون له بدل ذلك

الشاب الولهان . . انه لا يذكر شيئا من هذا كله بل كل ما فى الامر انه راى فيها فتاة مثلى . . وراى نفسه تنجذب اليها فى غير استئذان لتتحد مع تلك الوداعة والطهارة المشعتين من وجهها المنير . ورا ى شفتيه تحترقان لتقبيل ذلك الفم القرمزى الذى يلوك الكلمات فى رقة وعذوبة . . وسرعان ما خطرت فى ذهنه تلك العبارات الغامضة التى كانت ترد بها على خليلها الشاب

ومال الى تصديق حدسه بعدما اعانته لهجتها الحزينة على تفهم ما يعتمل فى . . صدرها من آلام جسام . . انها مجبورة ومضطرة الى الاتيان بمثل هاته الاشياء البغيضة الى نفسها السليمة . . وان مظهرها يدلك على ان فى حلقها صيحة مكتومة وفى عينيها بحرا من الدموع . . يا ليته كان يحتل مكان ذلك الشاب الذي لا يفهم من فتاته غير جسم غض وفيض من لذة لم يحظ به من كبار " الذئاب "

وفجاة وجد نفسه ينتهى بسيارته الى مفترق الطرق فحاول ان يتذكر الى اين يحمل هاته " السيدة " التى يبدو عليها نوع من التشامخ والكبرياء . ورآها تصمت عندما بدا السير فى شارع آخر يؤدى الى احدى ضواحي المدينة . . .

حاول ان يتذكر ولكن في دون جدوى وراجع ذاكرته فلم يظفر بغير النسيان وفى هاته الاونة حول السائق نظره فى شىء من الحيطة الى المرآة التى تعكس صور المناظر الخلفية ونظر فى زاوية من زواياها فراى وجه المرأة تلوح عليه علائم الجد والتفكير ويعروه شىء من التحسر والاغتياظ

وعاد يعصر ذاكرته ولكنه تحقق اخيرا انه لم يسالها قط وان امر الفتاة الشقراء الهاه عن كل شىء . حتى عن ذلك السؤال الذى كان يوجهه لكل راكب: - وين خويه ؟ وبن اختي ؟ ؟

لكن ما معنى سكوتها هى ايضا لم تقل له اين تقصد . . ترى هل قالت له ونسى ايضا . . . لا . . انه ينفى سماع كلمة منها غير صيحتها: تاكسى . . تاكسى . .

وتحرك في مجلسه وضبط نفسه ثم قال بصوت هادى يتخلله نغم رقيق . . : - ياختى من فضلك . . قتلى نهج . . آ . . والله نسيت

وارهف اذنيه للجواب ولكن الجواب كان ضحكة عريضة قذفت فى قلبة نوعا من الاحساس الغريب فظنها تهزأ به وتسخر من ذاكرته . . ثم سمعها تقول فى شىء من الميوعة المصطنعة : وين تحب انت . . . ! !

فانتابته على الفور موجة من الشك والابهام . . ترى ماذا تقصد بهذه العبارة وتصاعد الدم في وجهه ونظر الى صورة المرأة على صفحة المرآة فقابلته عيناها المحمرتان ووجنتاها المتوردتان . فاعتراه شك فى صحوها وظنها مخمورة . فغير مجرى تفكيره وحصر عقله فى حل هذا المشكل الجديد وقرر ان يوقف سيارته وقبل ان يفعل ذلك التفت اليها وقال : من فضلك . . وين تحب تمشى الوقت ليل . . .

فاجابته ببرودة : ت قتلك من بكرى . . اشبيك هكه ما تفهمش ياخسارة . . هه : هه : هه وفهم السائق كل شئ فادار المقود ليعرج بالسيارة على احد المنعطفات . . ووقفت السيارة وساد السكون والتفت الرجل الى المرأة الجالسة وراءه فانخلع قلبه لمرآها واحس بوخزة فى كبده . . فنزل من سيارته ذاهلا وبحركة جنونية فتح الباب الخلفى حيث كانت ملقاة على ظهرها مغمضة العينين وذراعاها مفتوحتان وقد انكشفت مفاتن صدرها البض وتقلص " الجيب " الضيق فأبان طرفا من فخذها المرمرى . انه الان فى حيرة من امرها . . ترى هل بها اغماء ام بها شئ آخر . . . لعلها ماتت ووجد نفسه يدنو منها ويرفع راسها اليه ويمرر على انفها فاحس بحرارة الانفاس وعندئذ شعر براحة وطمانينا وراي نفسه مسؤولا عنها فخطرت له فكرة حملها الى الشرطة ولكنه سرعان ما فقد هذا الدافع . وانتبه الى يده وهي تلتف حول خصر المرأة وتحاول رفعه الى فوق . . ثم الفى نفسه بعد قليل يحتضنها ويجس هضبت صدرها ويتحسس بانامله دقات قلبها ويكلمها فى شىء من الجهد . . وراى شفتيه تقتربان شيئا فشيئا من فمها فتطبع عليه قبلة حارة ولكنه يرفع راسه فجاة على صوت ضميره يصرخ في قرارة نفسه . . " انك شريف ايها الرجل عهدتك اعدى اعداء المادة . . تقدس الطهر والعفاف . . كنت منذ لحظات فقط تتالم لتلك الفتاة الشقراء وترى انها نبيلة . . ولكنها مجبورة وضحية الحاجة فلماذا لا تنظر الى هاته المسكينة بمثل تلك النظرة "

ولكن الصوت يتلاشى فى داخله كما يتلاشى الصدى فى باطن الوادى واجال الرجل نظره من جديد في الثغر الحلو فسال لعابه واطبق عليه بشفتيه يمتص الرضاب وتسارعت دقات قلبه واحس بلهيب فى كامل جسمه فانكب على صدر المرأة يوسعه ضما وتقبيلا

وفى هاته اللحظة راى يد المرأة تتحرك نحو جيبه وسمعها تقول بصوت خافت وقد تحدرت على خديها دمعتان سخنتان :

الفلوس قبل . . . يا رجال . . يا غدارة . . النهار الكل ما حصلتش شئ . .

اشترك في نشرتنا البريدية