أخي " حامد " رغبت منى فى رسالتك الاخيرة أن اشاركك الحديث فى موضوع دقيق طالما تجنبته وأرحت فكرى من البحث فيه واكتفيت بما عرفته عنه من اقوال الباحثين والدارسين
وأصارحك بأن موقفي المحايد ناتج عن " خوف " وعن محافظة سلمية اردتها لنفسى حتى أنجو من قول القائلين انه " يهرف بما لا يعرف " ولكن رغبتك الملحة فى طلب رأيى أزاحت عن النفس ثقل هذا الشعور وشجعتني على أن أخط اليك كلمة فى الموضوع تكون خلاصة رأيى فيه وزبدة ما تمخضت عنه مداركى الفكرية
حدثتنى فى رسالتك عن المرأة " الشرقية " وعن ذلك - الشعور الخطير - الذي كانت تشعر به بعد ما اضمحلت من أدمغة العالم العربى فكرة العبودين ويظهر لى ان طرقك الموضوع كأن اثر فراغك من درس جانب لا بأس به من آداب الغرب في القرنين السابع والثامن عشر ، لان رسالتك جاءت محشوة باسماء كثيرة لسيدات أروبا اللآتى خلقن العباقرة وفجرن فى قلوب الموهوبين ينابيع النبوغ " كجوليا " ) Julie ( بالنسبة للمارتين و " مدام دى فارانس بالنسبة لروسو وغيرهما كثيرات ممن شارككن فى النهضآت الادبية فكون المجالس وشجعن المذاهب .
انك نحوت فى بحثك منحى هذه الطليعة المستنيرة من رواد نهضتنا الادبية في الشرق والتي استقت ونهلت ثقافتها من مناهل الادب الاروبى . . ولعلك واحد منهم اذ انت لا تختلف عنهم فى شىء لذلك فليس من الغريب ان تظهر منك مثل هذه الدعوة التى تأدوا بها من قبلك فرموا الادب العربى بالعقم والجمود والجفاف . . والفقر وقالوا انه أدب لم يستكمل شروطه ولم يقم برسالته أحسن قيام وطفقوا يعيبون عليه هذا الفراغ الهائل من ادب الوجدان
الذي يسمو بالنفس الانسانية الى مرتبة الكمال وهذا الفقر المدفع من جانب الطبيعة فالعرب عندك أو عندهم لم يجعلوا الادب وسيلة للاستمتاع بمباهج الطبيعة حتى يجد فيه القارىء ما استتر وما ظهر من جمالها مصورا مفسرا يبعث السلوى فى نفوس المكدودين ويهز شعور المجدودين ويظفر منه الانسان بمتعة قل ان يجد لها مثيلا فى غيره من الفنون . . ولكنى أراك تغفل وتهمل ذكر ما لآداب العرب من أياد بيضاء وفضل عليك لا ينكر . . ! فالأدب العربي أيها الرفيق مصور لما فى نفس الانسان من فكر وعاطفة او حادثة هامة لها مغزاها وهذا ما يجازى فيه الادب العربى جميع الآداب الاخرى وهو كذلك أدب يخدم الحياة واغراضها . . فهذه الصحافة العربية نشاهدها تزحف بسرعة الى الامام دون ان تشكو فقر اللغة او عجزها في التعبير عن ادق ما تتطلبه السياسة من تثبت فى القول وبراعة في التحديث
وهذه " القصة والمسرحية " أصبحتا من فنونه الحية مما يدلك دلالة واضحة على ان الذنب ذنبنا لا غير . . وقد أصبح أدبنا بفضل هذه النهضة الحديثة ذا نزعة انسانية . . ولسانا سحريا يعبر عن كل ما اختلج في نفوس العباقرة والمفكرين
نعم لك ان تقول ان تصبيره ادبا " انسانيا " يرجع الفضل فيه إلى رواد النهضة الحديثة الذين اغترفوا ثقافتهم من مناهل أروبا . . لك الحق كل الحق فى ذلك لكن تجيبنى بربك من أين لأروبا هذه النهضة الفكرية . هل تراها خلقت معها أم هى كنز حبسته عليها عناية السماء . . فظل مخبوءا الى حدود القرن السابع عشر . . أنا لا أذهب فى القول بأنها مدينة لليونان والحضارات الشرقية القديمة او للعرب بصورة خاصة لأنهم يحتلون درجة عليا فى تاريخ العلوم والآداب أنا لا اقول ذلك أبدا ! لا لأنني أرى خطا هذه النظرة بل لأننى سوف لن انفع بهذا القول . . وعندى أنه يكفى أن أثبت في شئ من الحزم أنها - اى النهضة الغربية - نتيجة عمل متواصل وجهود جبارة وتضحيات عديدة صادقة واخلاص للفن يعادل الاخلاص في الدين
هذا كل رأيها الصديق ولا أدرى اذا كنت تسخر منى الآن أم قد أخذت سمتك نحو تفكير جديد . . .
أما صيحتك الثانية فقد كان لدويها أثر واضح فى نفسى تركنى أعبد النظر شى ما تقول وأرهق عقلي فى فهم ما تريده من هذه النقمة المحمومة بنار الغضب
على " المرأة الشرقية " فى سألف عهدها وعلى هذا الشعور الخطير الذى افقدنا : الاديب الخصيب والشاعر المفطور على حب الطبيعة ذا الاسلوب الروى والخيال المنضور والعاطفة الرنانة . . نعم الاديب الذى يسمو بنفوسنا من حين الى حين عن هذه المادية العفنة ويسلط على القلوب اشعة الطهر فتصطلى بها وتغتسل من أدرانها . . ويصور لنا الحياة المثلى فى عالم نورانى ساحر . . ويقدم نفس الانسان للانسان فى أزكى ذات واجمل مظهر
وأراك ترجع سبب هذه الخسارة الفادحة الى شعور " المرأة الشرقية " بأنها " جارية بيضاء " كما سماها بذلك " توفيق الحكيم " وتقول انه شعورها القديم لم يتبدل ولم يتغير فى جوهره . .
انا الآن معك ايها الصديق فى اها فكرت وقلت ويقظة الاحساس فى نفسى بهذا الداء تحدوني الى متابعتك وتأييدك والى القول بأن المرأة الشرقية منذ فجر الاسلام الذى كان فجرا فى حياتها المظلمة ورسولا جاء بتحريرها واعطائها كل حقوقها فى الحياة . . لم تستطع ابدا أن تسير فى درب الحرية وتؤثر فى الحياة بذاتها . . ذلك ان شعورها القديم بقى كما هو يملى عليها فى كل لحظة بأنها امرأة حقيرة بطبيعتها خلقت لبعض حاجات الرجل وسد رغائبه الحسية ظل هذا شعورها حتى فى عهد النبىء وخلفائه الراشدين وفى عهد بنى أمية وعصر بني العباس وظلت ثقافتها محدودة . . فكيف للمسكينة والحالة هذه ان تصبح كواحدة من سيدات أروبا وكيف لها وهى العمياء فى الحياة ان تعرف ما في الحياة وما يجب لها وما يجب عليها . ان الجهل بدد حقها واذاب شخصيتها . فلم تنفع اوامر الله أو سنن رسوله
وتمضى المرأة الشرقية تحيا وتموت وهى لا تشعر بكونها اكثر من جسم غض يجد فيه الرجل متعته . . واداة لهو تسليه وتروح عنه بعض الشئ . والاديب العربي كذلك لا يراها بغير هذا الاحساس ولا ينظر اليها بغير هذه النظرة لانه لا يظفر منها بذلك التجاوب العميق والتفاهم الروحى الذى يخلق منه عملاقا يفسر بوحيها والهامها ما فى الطبيعة من سر الجمال وما فى الحياة من متع خالدة كما صورها " بيتهوفن " فى سنفونياته " ولمارتين " فى تأملاته " ورسو " فى " اعترافته " . .
ان الشاعر العربي حساس مرهف الحس وآفاق خيالة لا تحد غير انه بحاجة
اكيدة الى منبع يغذى هذا الخيال وهذه الحساسية ولما لم يجد ذلك لوى كشحه عن جانب الروح وارتد الى الارض واخذ سمته نحو المادية العفنة وضرب صفحا عن الحب فى اوسع معانيه وانبلها وأشرفها واشرقها .
نعم انا لا أغفل عن ذكر جانب آخر بلغت فيه " المرأة الشرقية " مبلغا خطيرا واصبحت لها سيطرة ونفوذ . . ولكن ذلك - للاسف الشديد مقصورا نساء الاكابر وسراة القوم فى صدر الاسلام كسكينة بنت الحسين سيدة نساء عصرها وكانت من أظرفهن وأحسنهن اخلاقا ، تنقد اشعار الفرزدق وجرير وكثير ونصيب ومن اللآئى نبغن فى الادب عائشة بنت طلحة بن عبد الله اما فى العصر العباسي الاول فقد كانت المرأة تتمتع بنصيب من الحرية مع نفوذ بسيط فى السياسة وهذا ايضا مقصور على نساء الملوك كالخيزران زوجة الخليفة المهدى كذلك استعملت السيدة زبيدة زوجة الرشد نفوذها فأمرت بعد حجها الى مكة بحفر الآبار واستخراج المياه وقالت للرشيد " اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارا "
و كان للمرأة تأثير أشد فى بلاد الاندلس وللجوارى دورهن الهام في قصور الخلفاء والامراء ورجالات الدولة وليس أدل على ذلك من قصة " طروب " جارية عبد الرحمن الاوسط . . وولادة بنت المستكفى التى جمعت الى تحررها ثقافة واسعه فكانت سببا مهما فى تراث ادبى رفيع بفضل دورها الخطير مع ابن زيدون
وهكذا تلاحظ معى أيها الرفيق كيف ان نشاط المرأة الشرقية كان وقفا على نساء الخلفاء والامراء وبنات الملوك وأن تأثيرها كان فى الحياة السياسية وترقية المجتمع هذا اذا ما استثنينا ولادة عشيقة ابن زيدون التى هو نفسها - فى حقيقة الامر - لم تنج من ذلك الشعور الخطير شعورها بكونها جارية بيضاء . .
وانى لأراك آخر الامر متفائلا بنهضتها الحديثة مباركا لها هذا التمرد وهذا الاندفاع الجارف مؤملا نجاحها فى القريب العاجل . . فاعتبرني شريكك في هذا التفاؤل . . وهذا التأميل
والى اللقاء فى رسالة اخرى

