خيم السكون فى تلك الساعة المتأخرة من السحر ... اتكأت (( فالحه )) الى شرفة بيتها معتمدة بذقنها على راحتها وقد أسندت مرفقيها الى السياج . كانت تسمع زفيفا مبهما كأنه همس النجوم الزاهرات فى السماء .
كانت (( فالحه )) تتوغل بعينيها فى طيات الظلام الكثف فلا ترى شيئا . ولكن وطأة الظلام والسكون خلقت جوا شاعريا أحست به (( فالحه )) وانها لتزداد عجبا كلما أحست بهذا الشعور الغامر الجديد الذى ملأ كيانها وجعل نفسها تشف وتتحرر من سيطرة جسدها عليها ، فينشط عقلها وتبرز روحها محطمة الاغلال والقيود وتتفرج على نفسها .
كان شريط حياتها يتوالى أمام ناظريها أسود مخيفا . كانت الصور تمر مسرعة متلاحقة مؤلمة . تصدرت أمامها وفاة والدها والفقر الذى ملأ حياتها بعد وفاته فأجبرها على الانقطاع عن التعلم وهى تكاد تجتاز شهادة البكلوريا ثم .. ثم .. وفجأة تقف مذهولة ويزيغ نظرها عن ذلك الفم حتى لا ترى تلك السنين التى مرت عليها . كانت (( فالحه )) قد اجتازت الثلاثين من العمر، ولم تتزوج .. تقف المسكينة فى ذلك الظلام الدامس حائرة باكية رافعة يديها الى السماء متسائلة : لماذا تقسو عليها الحياة ؟ ... لماذا حرمت من والدها؟ لم لا يتقدم اليها عريس مناسب ؟
عندما مرضت والدتها أجبرتها الظروف أن تشتغل فى بيت أحد الاغنياء حاضنة لتفى بواجباتها نحو والدتها وأخيها الصغير . أتكرهها الحياة الى هذا الحد ؟ لماذا تشقى هى ويسعد غيرها ؟
وتنساب الدموع بغزارة وتمتزج بلوعة وآهات تخرجها بحرقة ويتقطب جبينها وترف ابتسامة مريرة على شفتيها فتضع وجهها بين يديها كأنما تحاول ان تهرب مما ترى وتسمع ...
انها طلائع الفجر المشرق عند الافق ... انها خيوط من نور الله أضاءت فأضفت على وجه (( فالحه )) جمالا على جمال واشراقا على اشراق فعاد شبابها ليشرق من جديد وعادت نفسها الى اطمئنانها السابق وعانقت مع أشعة الشمس الأمل من جديد.ذلك الأمل الذى يتحدد مع النهار ويتضاءل بالانتظار.

