الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء مجلة الفكر ، ص ب 556 ، يشاركه كأسه

Share

الخمارة تزدحم بالرواد ، جلهم من الموظفين ، فنحن فى بداية الشهر والجيوب لم تخو بعد ، لم يصبها قحط منتصف الشهر ولا جفاف آخره . دخل اليها القادم توا من مركز البريد راجلا لا يبالي بالناس فهو بالمائة و العشرين دينارا التى في جيبه صار يساوى أكثر من مائة رجل . دخل الخمارة المزدحمة فتفحصها تفحص العارف العاشق ، تفحصها يبحث عن مكان خال فأسرع اليه النادل :

- أهلا  . . . أهلا سي على . . . كالعادة     - نعم .

جلس الى مكانه ووضع مرفقه على الطاولة ، أحس بنعومة تتمسح بقدمه اليمني فنظر الى الاسفل فاذا هي قطة من قطط الخمارة تتمسح به وتنظر اليه كأنما ترحب به فرمي اليها ببعض من اللحم الذي اشتراه من السوق ليعد له شواء يصاحب شرابه ومكث ينتظر النادل .

- أتسمح يا سيدي - تفضل . . . تفضل

جلس اليه الرجل الغريب ، اجل ، سمح له بالجلوس رغم ميله الى الوحدة أو الى صحبة الخمرة دون الناس . غير انه احس بالراحة عند الرجل وصمم ان يدعوه الى مشاركته شرابه وشواءه .

حمل اليه النادل معشوقته الحمراء . فنظر اليها بعشق وهيام وتحسسها كأنما يداعبها ثم التفت الى جليسه :

- انى احبها ، اتشاركنيها .   لو كان يعلم ان كلامه واقعي الى حد بعيد .   لم ينتظر الجواب طويلا :

- نعم ، فالوحدة قاتلة ولا سبيل الى محقها الا بالوحدة . فصاح على فى النادل :

- احضر لنا كأسا ثانية وشيئا من الزيتون .    احضر النادل الكأس الثانية وأفرغا كأسين أو ثلاثة فى صمت ثم انحلت عقدة اللسان فقال على لرفيقه :

- لم أرك من قبل رغم انى من المتعودين على هذه الخمارة . لست أدرى لماذا ولكنها تعجبني رغم ضيقها وأوساخها وكثرة قططها بل لعلى لذلك اعجب بها .

- هى أول مرة . - من أية خمارة انت اذن ؟ - لست من الخمارات فى شئ . . .  هي أول مرة . - تقصد أول مرة تدخل خمارة .

- أجل . - وأول مرة تشرب . - لا بل كنت اشرب فى بيتي ولا اشرب في مكان غيره . - ما الذى حملك على التغيير اذن ؟ - هي . . ! صاح على فى النادل : - واحدة اخرى من فضلك .

وبينما كان يحدث النادل داسه رجل بدين ثم صاح فيه : - ألا ترى اين تضع رجلك يا ولد  . . . ولكن على لم يغضب فلقد تعود على بدايات الاشهر ونظر الى شاتمه فى رثاء :

- سامحنى فانجر جليسه مقهقها . لكن قهقهته لم تدم طويلا فسرعان ما استرجع ملامح جادة قاتمة وزفر مفرغا كأسا :

- هى  !   ففزع على كمن أوقظ من من منام عميق : - ماذا ؟ فأعاد الجليس :

- هي ! ورأس على يمتلأ ويثقل ، يثقل ، يثقل حتى يكاد ينفجر وحتى يكاد يغوص فى كرسيه وأحس كأن يده تثقب الطاولة من ثقل . انفجرت فى رأسه ساعات عجاف :

   انها تتزين . .      انها تتجمل . .     انه يغضب ، ينتحب ويبكى     انها تضحك ، تسخر ، تسخر     انه يحتج بأغنية قديمة :

ما تلونيش خدودك ما تلبسيش حلق    دانت كده بطبيعتك من اجمل ما خلق  أحس على بشفتيه تتحركان ببطء كأنه يغنى ولسانه يتلكأ فصمت لحظات ثم الى صاحبه ضحكا :

- من هي ؟ أجاب جليسه فى حسرة مقهورة :   تصور انها تخون زوجها وتأتينى الى بيتى تشاركنى خمرتى فألهو بها ساعة أو بعض ساعة ثم تعود من حيث أتت أو ذلك ما كنت أظن  . . .

- كيف ؟ ألم . ! ؟ فقاطعه الجليس كأنما كان يحدث نفسه .

أجل كنت اظن ذلك فاذا هي التى كانت تلهو بى ساعة وبزوجها ساعة وبعشيق آخر ساعة ومن يدرى ماذا ايضا !

افرغا كاسين فى جوفيهما وطلبا المزيد من الخمرة وصمت كأنما يتلذذان ضجيج القاعة الذى يخفى فى طياته صوت غناء يبدو انه لام كلثوم .

فجأة برقت اعينا على وضرب الطاولة باليسرى وهو يجذب جليسه باليمني :

- أتريد ان تنتقم ان فى الانتقام حلاوة الشراب فهو حارق مثله .

- أجل ، فكر معي يا صديقى ، ماذا افعل ؟ ماذا افعل ؟

- اشرب ، اشرب فالامر بسيط ، ما عليك الا ان تدخل بيتها وزوجها موجود به والافضل ان تكون مخمورا .

في اواخر الليل عاد على الى بيته وتمدد قرب اولاده يشاهد او يحاول ان يشاهد التلفيزيون لكن سرعان ما لمح خيال رجل يدخل فاذا هو يصعق : انه جليسه فى الخمارة . اندفع شرابه جرحا نازفا بنهر من دماء .

اشترك في نشرتنا البريدية