الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء مجلة الفكر ، ص . ب 556, أرق ما . .

Share

المدينة لا تزال نائمة ، الليل لم يمت ، انه ينتظر فى وجل ، قذيفة الفجر ستصل بعد قليل ، ستمزقه ، وميلاد ضوء جديد سيعلن رغم أنفه . . كرة برتقالية مختالة ، ستلف خيوطها حول عنقه . .كخيوط عنكبوت محنك . . حول فريسة ساذجة ، أو كأصابع قدر أخطبوطى حول عنقى أنا . .

البيوت قابعة . . عامرة بالناس ، زاخرة بالاسرار . . لا احد يدري ما يدور فى هذا البيت أو فى ذاك لا احد يدرى الا الله . . ومرضى الاستطلاع . . عامة فيهم . . تجدهم غارقين فى الأوحال . . غارقين فى النجاسة . . ومع ذلك فهم يترصدون . . هفوة من هنا . . خطأ من هناك ، كى يتشدقوا ، كى يشهروا . . كى يوصموا . . وكانهم ناصعون . . وقد اتخذوا لهم الشرف مقياسا ، يفضحون به ضحاياهم ، وبه يقيسونهم . . وهم بعيدون كل البعد عن دائرة هذا الشرف .

يوم آخر سيولد ، أضيفه إلى أيامى . . سأدونه ، نعم . . هل تعلمون بأنى أكتب أيامى أو ان شئتم مذكراتى ؟ . . أو ليس لى الحق فى ذلك ؟ . . أم ان عظماء الانسانية . . كما سمتهم هذه الانسانية ، هم وحدهم أصحاب هذا الحق ؟ ، حتى وأن اخترعوا شيئا يدمرها . . ينسفها . . حتى وان اخترعوا ذرة تذروها . .صحيح , العجلة لا ترحم . . تدوس أيامى وتسحقها فى طريقها ، ولكن مهما فعلت . . فلن تستطيع محوها ، لن تنال منها من هذه الناحية على الاقل . . والسبب كلمات . . نعم

كلمات ، ولكنها ليست مجرد حروف متناثرة على ورق ، بل هى قاطرة من الحروف الموشومة . . وشمت منها كل ما هو حياتى . . قاطرة من الحروف المحشوة فرحا نادرا ودمموعا . . ألما وسعادة صدمات وآمالا . . عثرات ونهوضا . . أورثها أبنائى من بعدى . . لشد ما هى نابضة . . إنى أرى من خلالها فترات ماضية فحسب بل أكاد أسمع منها ضحاتى البريئة وانا طفلة . . وركضى فى شارع حينا . . أو فى ساحة مدرستى . . مع فراشات مثلى . . لم تحترق بعد بنار الحياة . . ما دامت لم تعرف للنار معنى . .

لست أدرى ، هل أضحك أم أبكى ، عندما تلتهم نظراتى هذه الكتابة الطفولية المعوجة ، التى صغتها مذ وعيت الكتابة . . والتى استمرت . . وجعلتنى استمر معها . . رغم صفعات الحياة . . التى جعلت من تعذيبى نوعا من الادمان . . نوعا من السادية . .

أكاد اسمع نشيجى ، وأنا صبية فتية ، تبكى سقوطها فى أول امتحان لها فى الحياة . . أكاد ألمس وجهى المبلل برذاذ أمطار ساخنة ، وهى تنهمر من عينى . . كان أول امتحان . . وأعسر امتحان . . سقطت فيه ولم استطع بعده قياما . . كان ذلك فى البداية . . والبداية صعبة أو لا تكون . . ولكنى نهضت . . وعندما نهضت . . قد تعلمت شيئا مهما. . ما كنت لأتعلمه لولا هذا الامتحان . . كنت قد تعلمت الصمود . .

لم أعد تلك النبتة الغضة التى قصمها هبوب أول اعصار ، لم يرحم نضارتها . . لا . . النبتة اينعت من جديد . . رغم الاشواك . . رغم الأعشاب الطفيلية . . واضحت نخلة باسقة . . تتخطى الصعاب . . وتتجاوز العقبات . . فى تحد صامت . . وألم مبتسم  . . أنا نفسى ، استغرب من نفسى كل هذا الاصرار  . . الاصرار على ابقاء هذا الخيط الرفيع  . . بين الحياة والموت . . هو وحده الذى يفصلنى عن هذا الموت . . الذى أرفضه . . سراج . . لن ينطفئ . . ولو بذلت له الزيت من دمائى . . من روحى . . وتوالت الرصاصات . . من رشاش مكبوت . . الرصاصة تلو الاخرى . . وكنت الهدف . . دائما . . هدف مختلف هذه المرة . . هدف على دراية بأصول الحرب . . وفنون القتال . . هدف مدجج . . متمرس . . كل الرصاصات كانت ترتد . . لكأن بداخلى نمرة شرسة . . متوحشة . . متحفزة لكل طارئ دخيل . . لكل ضيف ثقيل .

اشترك في نشرتنا البريدية