الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء , هي والرجل

Share

كانت تسير في طريقها إلى بيتها تحت شمس بازغة في كل مكان وكلمات أمها تلاحقها.

كلما ذهبت لزيارتها تجتر أمامها نفس العبارات وتحشو رأسها بأفكار غريبة لا تتماشى ووجهة نظرها فتحقد على أمها بلين وتنقم على نفسها كأنثى . . كانت تقول لها دوماً :

إياك أن تعصى أى أمر من أوامر زوجك ، لا تجعليه يغضب عليك ، لا تتخلي عن واجباتك المنزلية حتى ولو كنت تشعرين بالتعب الشديد " زوجك يحبك قويه وخوك يحبك غنيه " .

قولي لي : - ماذا ستطبخين له اليوم ؟ ملوخية ؟ آه إنها أكلته المفضلة ولكن لا تنسى " السلاطة " فاليوم حار وزوجك يا بنيتى في مثل هذا الطقس يحبذ الأشياء الباردة ! على فكرة ضعيها في الثلاجة قبل رجوعه من العمل ببضع دقائق لتكون برودتها مقبولة عندما تقدمينها له ، أفهمت ! . .

ليست تدري ما معنى رجل بالنسبة لأمها . .

ملت نصائحها السخيفة المبتذلة فقررت عدم زيارتها مهما بلغ بها الشوق إلى طلعتها .

أمها امرأة طيبة لينة لكن الذنب ذنب الأب الذي جعل منها امرأة ضعيفة لا حول ولا قوة لها ، إنه بالنسبة لها السند الوحيد في حياتها  أنفاسها تقف إن تخلى عنها ، إنها من اللواتي لا يعولن على أنفسهن ، لم تفكر أبداً في تكوين شخصيتها وإبراز وجودها فكلما تكلم الأب أو هم بالكلام أو حتى أشار طأطأت رأسها دون نقاش وكم من مرة تسأل ابنتها من ورائه

- ماذا كان يقول ؟ إنها لفرط ما تخشاه تكاد لا تفهمه. جزعت الأم لغياب ابنتها عنها مدة ليست بالقصيرة . . فرمت بلحافها فوق هيكلها العظمي وراحت تخبط على الباب ، نظرت بلهفة نظرة إستطلاع قائلة

- أهكذا ! تحملين مشقة الطريق ؟ وأنت تعلمين إنى لم أعد قادرة على المشي ! أمطرتها بوابل من الأسئلة :

- أين كنت طيلة المدة الفارطة ؟ بربك خبريني ماذا حصل ؟ هل أنت سعيدة مع زوجك ؟ أين هو ؟ تكلمي أجيبينى

لم يبق منها سوى لسانها فتيا . . إنها دوماً حريصة على محق شخصية أبنتها ، همها الوحيد إرضاء صهرها مثلما تفعل هي مع زوجها ، تريدها أن تسير على منوالها والبنت ترفض ذلك رفضا باتاً . إنها لم تكن يوماً معتمدة على أى رجل وإنها فخورة بذلك لأنها تبذل جهدها وتعطي من ذاتها دون إنتظار أى مقابل

أجابت البنت أمها بهدوء تام كاتمة في نفسها عاصفة سنين طوال : - أجلسي أماه ، إن آثار التعب بادية عليك - إيه . لقد كبرت يا بنيتي - كيف ذلك وأنت لم تتخطى الأربعين ؟ بصراحة يا أماه إن الذي أدى بك إلى هذه الحالة مثلك الأعلى الذي كنت وما زلت ترددينه على مسامعي منذ كنت طفلة إلى يومنا هذا " زوجك يحبك قوية . . وخوك يحبك غنية " .

-إيه ..........ما علينا المهم الآن هو أن أراك أنت سعيدة مع زوجك . - كيف ترين السعادة يا أماه ؟ ! - رضا زوجك عليك طبعاً ! - وكيف يكون رضاه ؟ - الطاعة ، تطيعينه في كل ما يأمر به - لم الأمر ولم الطاعة يا أماه ؟ !

- هكذا مثلما قلت لك . - مثلما تفعلين أنت مع أبي ! ؟ تلعثمت الأم وأدارت برأسها نحو الحائط كي لا تكشف عيونها الحقيقة وقالت :

أمها امرأة ذكية لكن الأب رفض ذكاءها فتظاهرت أمامه بالغباء لاسعاده . وكثيرون هم الرجال الذين يحبذون المرأة الغبية لغاية فى أنفسهم وكثيرات من النساء السعيدات لكن أغلبهن غبيات.

أمها تدرك في قرارة نفسها أنها ليست سعيدة مع ذلك الأب ، وتعلم أن أبنتها على علم لما يدور في خلدها ، ورغم ذلك تحاول تضليلها بل تغالطها ولكن البنت قررت اليوم مجابهة أمها بالحقيقة كلفها الأمر ما كلفها .

نظرت إلى أمها وهمت بالكلام فإذا بأمها ترمقها بنظرة غريبة غير مألوفة ، أحست البنت أن شيئاً تغير في تلك اللحظة بالذات وإذا بأمها لم تعد أمها رمت بلحافها جانباً وقالت لها بصوت خانق حاد :

- آن الاوان لفك عقدة الحبل الذي ربطني منذ سنين . ثم استدركت قائلة بصوت مرتعش لكأنها نسيت شيئاً هاماً لم تقله : - ولكن . . يا بنيتي أخاف أن تخونني أصابعي المتعبة ، فالإرادة متوفرة ولكن العجز أوفر !

نزلت آخر كلماتها على البنت كالصاعقة فتسمرت في مكانها تردد في نفسها " لا فائدة ! من شب على شىء شاب عليه "

لقد تعودت أمها الضعف والخضوع والتعود طبيعة ثانية يعسر تجاوزها . لفت أمها بين ذراعيها وأطبقت جسمها الهزيل بكلتا يديها وهمست في أذنها بحنان :

- إذن كيف ترين السعادة يا أميمتى ؟ أجابت بكامل الشجاعة: - الحب والإخلاص والإحترام المتبادل ورضا كل من الطرفين بالواقع

اشترك في نشرتنا البريدية