جاء أكتوبر فجاء معه بسنة غير السنوات التى عهدناها ، وشعر كل منا وهو يباشر عمله ، أن حياته قد تغيرت وانه قد طوى صفحات رئية منها ومد للقدر بأخرى ليخط له فيها ما شاء .
ومرت الأيام تزيدنا شعورا بأننا لم نعد تلاميذ ، ولكنها لتثبت لنا أننا مسؤولون عن غيرنا ، وأن أوقاتنا وأعمالنا محسوبة علينا ، وأن طريقة التفكير عندنا أصبحت تأخذ شكلها المراد لنا ، وشعرنا أننا بدأنا نقترب من نفسية المفكر وذاته . وبلغ بنا المطاف الى أن تشغل مذكراتنا بالنا وتطغي علينا في حياتنا الشئ الكثير حتى أمست شغلنا الشاغل الذى منه ننتهى والبه نعود
بحكم هذه الحال قل نشاطنا فى ميدان القراءة والاطلاع ، وأعني به ميدان المطالعات الادبية ، وشعرنا بفراغ كبير فى حياتنا ، ووحدنا أنفسنا ابتعدنا عن ميدان الانشاء والتحرير بقلة المطالعة والكتابة ولاحظنا أقلامنا ونحن نكتب موضوعا من بين هذه المواضيع الادبية ، قد كزت وأصابها تعثر فى الكتابة نتيجة لما نقصها من دربة ومران على التحرير . . . فزادنا ذلك حنينا الى الكتب الادبية .
وعدت هذا اليوم الى خزانتى ألتمس فيها كتبا قيمة ، فعثرت فيها على مجلة أدبية ، فأخذت هذه المجلة على أمل أن أقرأها كما تعودت أن أقرأ أمثالها وبينما كنت احاول ذلك واذا بزميل لى يأتى ويلاحظ بيدى المجلة فتعلوه ابتسامة أصبحت قهقهة عندما تمكن من أن يعرف اسم المجلة ونوعها . فصاح فى ساخرا :
- ويلك ! ما دهاك ؟ أتطالع " الفكر " الآن ؟ ما تراك تصنع بهذا الذي تقرأه الآن ؟ أما كان خيرا لك لو قرأت مجلة ترفيهية مصورة ، فأرحت نفسك عناء قراءة هذه المجلة ؟
فهززت له رأسي مبتسما ولم أرد الجواب لانه طويل وهو يعرفه . ولو حدث لك ذلك أمام غيره من الزملاء وتصفحت كتابا أدبيا لسخروا منك وفعلوا بك مثلما فعل بي وأقل ما يقولونه فى حقك : مسكين إنه يريد أن يكون أديبا " . وهذا يبين لى أن قراءتى مثل هذه المجلات الادبية عبث وعمل زائد
إن الادب فى نظر هؤلاء وسيلة لا غاية وسيلة يرتقون بها من صف الى آخر وينالون بها الشهادات التى تخول لهم أن يكونوا أكثر ما يكونون موظفين هنا أو هناك . فلا هم ينظرون الى ما يقرأونه على أنه غذاء للروح يرفع من شأنها ويزكى من إنسانيتها ، وعامل من العوامل التى تساهم فى ثقافة الفرد وتوسيع مداركه . فتظل فكرة المطالعة ، على أنها وسيلة توصلنا الى نيل الشهادات تعمل خفية فينا ، فنقرأ ونقرأ بدون فهم ولا روية لا لشئ إلا لكى نستطيع استظهاره متى طلب منا ونضمنه تحاريرنا وقت الامتحان . حتى اذا ما اجتزناه بسلام لم تجد عندنا شيئا - اللهم - الا بقايا أفكار واهية علقت بأذهاننا ولم يصبها التلف .
وليس الذنب ذنبنا نحن معشر الطلاب بل ذنب بعض من أساتذتنا الذين لم يعنوا باعطائنا سر هذا الادب ، فنعطف عليه وننقاد له بكل جوارحنا .
هذا هو واقعنا فى دراسة الادب وهو واقع مؤسف كما ترون يدعو الى أن يعالج ويؤخذ بعين الاعتبار إن أردنا أن يكون اصلاحنا شاملا وتقدما عاما تاما صحيحا .
فلا ينظر الى هذا الادب ، الى هذا الفن ، على أنه وسيلة يصل بها التلميذ أو الطالب الى النجاح ، ويتمكن الاستاذ بها من العمل والارتزاق
ويوم يدرك الطالب أن الادب إنما يدرس لذاته وأنه غاية لا وسيلة غاية تزكى النفس وتوسع مدارك الشخص وتثقف ذاته . يوم يدرك جميع هذا يومها يتحرر الادب من هذا الكابوس الثقيل ويزدهر حقا ويسلم من هذه النظرات الفاسدة ويؤتى أكله كما أتاه فى الغرب فكان الخلق وكان الابداع

