الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء

Share

نورد فى هذا الباب مقتطفات من الانتاج الوفير الواصل الينا من قرائنا ومراسلينا الأعزاء ، مع الاعتذار لهم عن ضيق نطاق المجلة عن استيعاب نصوصهم كاملة .

أستاذة الفلسفة

قالت كاتبة هذا الأثر فى رسالة مصاحبة إنه تعبير عن واقع مرير عاشته بطلة القصة . . وإنه جزء من مأساة واقعية ، قد تتبعه في فرص قادمة ببقية الأجزاء . وفيما يلى نورد فقرات من هذا الجزء الذي وافتنا به :

كانت شقيقتى تعجب بكل شىء تراه وراء زجاج المغازات الكبرى . . وكانت تدعونى فى كل مرة الى رؤيته وإبداء الرأى فيه . . وكنت انظر كلما دعتني ثم لا ألبث أن أشير اليها برأسي فى صمت مؤيدة رأيها فى كلتا الحالتين . كنت بصدد معاناة احساس عظيم بالحزن والألم ولم تكن عيناى لتقعا فى الواقع على غير الفراغ . . وكانت أعصابي تزداد توترا لحظة بعد لحظة .. غبت عن العالم ونسيت من حولى كما نسيت السبب الذي لأجله نزلت المدينة . . واصلنا سيرنا ولا هدف يسوقنا . . ومر وقت رأيت السماء فيه تلتحم بالأرض ويصبحان فى دوران دائم . . وكنت انزل فى هاوية لما لكزتني شقيقتتى بكوعها قائلة : " الوقت يمر ويظهر أنك نسيت ما جئت لأجله !" تذكرت المحامى فكرهتها فى تلك اللحظة . .

غادرت مكتبه وأنا ألعن نفسى ألف لعنة . . كانت الشمس قد اختفت وكانت الأضواء قد سطعت فى كل مكان . ، سرت ونسمات الغروب تلاعب شعري وهم كثير يجثو على صدري . .

رمقتني شقيقتى فى اشفاق ثم قالت وكأنها أرادت أن تنتشلنى من أحزاني : " الأسعار ترتفع والمرتبات تنخفض . . . والموضة تتضاعف بين لحظة وأخرى " .

قلت لها دون مبالاة : " متى يقع الزلزال فيرتاح الناس ".

انشغلت بما حولها . . ورددت الى أفكارى . .

العمر يجري . . الطريق رهيب ومجهول . . الموت يتربصنا بين لحظة ولحظة . . طالعني وجهه صلبا باردا : " الحياة عبث لا معنى لها . . تمثيلية هزيلة يقوم الجميع بأدوارها " قلت وأنا أطالعه بوجه شديد الشحوب والذبول : " غير صحيح . . لا بد أن يكون للحياة معنى ما دمنا هنا معا "، قال جادا وقد زايل الابتسام وجهه : " وجودنا الدائم معا لا يعنى غير الموت " . لو اجتاح الطوفان العالم فزعزعه . . من يدرى . . لعل قنبلة مثل قنبلة هيروشيما ستصيب العالم في يوم قريب ؟ . .

وبقدر ما حنقت عليه بقدر ما شدني اليه . . كما يشد النور الفراشة وكما تشد الفراشة الى النور . .

- أحبك . . خطأ لا حيلة لى فيه . . صحيح . . لم يسبق لك أن خدعتني . . كنت صريحا معي . . الى أبعد حدود الصراحة .

ألست أنت الذى قلت لى يوما إنك لا تفرق بين المرأة وبين السيجارة التى تمسكها بين شفتيك . . كلما أحرقت واحدة أخذت أخرى ولا يهمك ان تغير لونها أو تبدل طعمها!

كنت أعرف أكثر من ذلك ورغم ذلك فقد أقبلت عليك ولم أتردد لأنني كنت قد وقعت فيما لا حيلة لى فيه . .

كنت قد قدرت كل شىء قبل أن تقدم على . . كنت قد قدرت المرتب والدروس الخصوصية وفى نسبى كنت قد عثرت على اغراء جديد فتح فى وجهك بابا حالما ووعدك بمشاريع عديدة وناجحة . . وتم اللقاء . . ومرت الأيام . . وظللت تحلم بالمشاريع . . حتى توالت الشهور والسنون . . فكان الوعى . .

قصة مضحكة سيدى المحامي:

" عبد ألف تلقى الأوامر حتى جاء اليوم الذى قال فيه لا . فثار السيد ليعلن الحرب على عبده" .

هدير الأمواج يتتابع فى دفقات مدوية زاعقا بلغته المجهولة . . وزرقة البحر الداكنة الضاربة الى السواد تذكرني بالمحكمة وبرجال القضاء . . وهذا الفضاء المترامي أمامى يزيد من اتساع حلقة الفراغ المهول التى أسبح فيها وهذا السكون المطبق الشامل للكون انما هو سكون الحياة واختفاء معالمها فى أعماق نفسى افقت من غيبوبتى على صوت شقيقتي وهي تقول " أخيرا وصلنا " وأضافت وكأنها تنبهني : رد بالك " وابتسمت .. رمقتها فى غضب مكتوم وتبعتها وبى حنين لو تواصلت الرحلة الى ما لا نهاية ٠٠

القاعة غاصة بالمنتظرين . . وجوه شاحبة . . عيون مهمومة . . مفكرة .. نظرات تائهة وملهوفة . . السكون يشمل الغرفة . . ما عدا بعض همسات وموسيقى رقيقة صادرة عن آلة راقنة تديرها سكرتيرة ماهرة . . كاتب يجلس الى طاولة قد تكدست عليها أوراق وملفات يبحث من بينها عن شىء هام . . كاتب ثان قد وقف يحشو محفظته بملفات كان يأخذها من رفوف أمامه بعد البحث عنها والتأمل فيها . . يفتح بابا جانبيا للغرفة . . سلام فتحية . . زبون يخرج . . وآخر يدخل . . فيصد الباب وراءه .. " آلو ! من ؟ نعم هنا . . انتظر ! لحظة من فضلك!"

" محمد . . التليفون . . للأستاذ . . " يخرج وبعد أن يطرق الباب يلجه ثم يدخل المكتب.. " الأستاذ موجود ؟ " . " نعم . . تفضل " . يضاف الى بقية المنتظرين . . تطوف عيناه بالوجوه . . يتفرس كل وجه على حدة ثم لا يلبث أن يعود الى نفسه . . الى مشاكله والى ما جاء لأجله .. يبدو ذلك فى انحنائه وإطراقه للأرض . . تتراخي حركات الفتاة فجأة وكأنها تضيق بعالم الشقاء الذى يحيط بها فترغب فى التنفس وفي رؤية العالم الخارجي . .

تطل من النافذة لحظة . . تكلم الكاتب . . همسة . . ابتسامة . . وربما ضحكة بل ضحكات . . تنقشع سحب الهموم عن الغرفة برهة من الزمن ثم لا تلبث أن تغشاها من جديد . . عندما تعود الفتاة الى عملها فى صمت ويعود الكاتب الى أوراقه باحثا منقبا . . لم يكن المكان غريبا عني . . بالعكس . فلقد اعتدت التردد عليه . . كثيرا . . وفي كل مرة وهروبا من هذه الوجوه الكالحة المحيطة بي ألتجئ إلى تلك الصور الزيتية التى شدت الى الجدار : أملأ منها ناظرى وأناقشها وربما حاورتها . .

كنت أجد تسلية فى ذلك وكانت سبيلي الوحيدة للنجاة من قلق الانتظار ..

كنت أحيانا أتحرر من هذا القلق بمحادثة السكرتيرة . . فتاة لطيفة ومتفائلة فهى دائمة الابتسام ودائمة المرح ..

شىء واحد كنت أكرهه فى هذه القاعة . . اللحظة التى أرى فيها ذلك الوجه . . لست أدرى . . لا تربطني بصاحبته أية رابطة . . ولكنني أشعر وكأن لى حكاية طويلة معها . . أشعر وكأنني أخافها . . كلما نظرت لى وتأملتني مليا . . أشعر بنفسي فى قفص يحدق به الخطر من كل جانب .. كل شىء فيها يجعلني لا أرتاح لها . . وأحمد الله كلما أراها تنزل درجات السلم عائدة من حيث أتت . .

ربما كرهت فيها مزيج الألوان الصارخة التى كانت تجمعها ثيابها . . ربما كرهت فيها تلك العلامات الزرقاء التى كانت تتكرر فوق صفحة وجهها. وربما . . ربما كرهتها منذ ذلك اليوم . . اليوم الذى دخلت فيه مكتبه وحيته بتلك الابتسامة التى لا يمكن لى أن أصفها بغير انها لم تكن محترمة ولائقة . .

أطل الوجه فجأة . . امتعضت . . تقززت . . سحابة  سوداء حامت حول عيني . . فركتهما وكأننى أطرد طيفها من خاطرى ثم بلعت ريقى . . ابتسامة شؤم حامت على الغرفة . . شعرت بدوار . . كدت أسقط . . اختفى الوجه . . شعرت بالدماء تعود الى وجنتى فتنفست فى ارتياح . . الساعة الخامسة . . لم يحن دورى بعد . . واعترانى قلق وعدت أنظر فى الوجوه الواجمة حولى ٠٠ ثم ما لبثت أن عدت الى أفكارى . . الى مشكلتى . . الى سبب وجودى . . وسط هؤلاء . . وفى هذه القاعة . . وبصورة مذهلة مر أمامى شريط كامل . . لحكاية طويلة . . وتراءت لى أستاذة الفلسفة وهي

ترقص على نغمات " الجاز " فى ثوب ليلى مثير تحت اضواء حمراء باهتة . . الأستاذة التى تؤمن بالحياة الحرة . . الحياة التى تلغي فيها القيود . . . وتطغي المادة على كل ما عداها ، الحياة التى يعيش فيها الإنسان لحظته . . أستاذة الفلسفة التى تبنت فلسفة سارتر وسيمون ديبوفوار على غير مبدأ ودون تفكير . . تلك المرأة التى يراها من البارزات فى المجتمع ويتحدث عنها بإعجاب عظيم . .

قال ذات مرة : " انها تفهم الحياة وتعرف كيف تتكيف مع الوضع . ." ومرة أخرى بعد خصومة عنيفة بيننا : " انها لا تخون أحدا . . هذه الحياة تجعلها براء من كل اثم " وقلت له فى حدة وجنون : " براء . . هذه التى تجعل من جسدها بضاعة رخيصة فى الأسواق تكون براء . . وماذا يضرها لو عاشت مثل بقية النساء فى عصمة زوج ؟ " .

- لأنها ليست مثل النساء . . هي اتخذت مبدأ . . تعيش عليه . . بينما الآخريات يعشن على الفطرة . . دون مبدأ ودون فكرة . .

وضحكت في عصبية . . ثم رمقته بنظرة ساخرة وقلت : " أعرف ذلك.. انها ليست مثل الأخريات . . كما أنك لست مثل الآخرين . . هي ترفض القيود وتطمح الى الحرية ، الى الحياة الطليقة التى تكيفها حسب مشيئتها .. والزواج يحد من حريتها ويدينها لو اخترقت الحواجز وأثمت . . المجرم يتحاشى دوما رجل البوليس ويدق قلبه ألف دقة لحظة أن يراه يمر أمامه " .

وتراءت لى مرة ثانية وسط حلقة الرقص . . وقد استرسل شعرها الأسود فوق ظهرها فى جنون . . تراقصه وسط موسيقى صاخبة وقاعة قد خفت نورها وهاج قومها . . مسكت رأسى بيدى وأخذت أفرك عيني وكأنني أستيقظ من حلم طويل وأحسست بريقى يجف فى حلقي وكدت أطلب شربة ماء لو أن عيني لم تلتق بعينيها فجأة . . كدت أصرخ . . غير أننى مسكت نفسي وظللت أحدق فيها فى ذهول وإعياء . . ومرت دقائق صامتة بيننا أعقبتها بسؤال : " من أين أنت ؟ " مطارق تدق رأسى دون شفقة ولا رحمة . . أصبح رأسى ككومة حديد أحركها ببطء شديد . . وفكرت في

مغادرة المكان . . يجب أن أمضي . . يجب أن أذهب . . يجب أن أخرج .. وقضيتى . . مشكلتى . . أجئت لأجل قضيتى . . أأنا مقتنعة تماما بأنه سوف يحل مشكلي . . أليس جائزا أنه لن يزيده إلا تعقيدا ٠٠ ؟ إذن ما سبب مجيئى ؟ ما سبب ترددى على هذا المكان . . وعلى هذا الذى يمثل القانون والقضاء ؟ لست أدرى . . أنا فى ضياع . . لا أدرى أين طريقي .. لا أعرف أين سبيلي . . انتصبت واقفة . . اشرأبت الأعناق . . تلهفت العيون . . سألتني الفتاة : - " إلى أين ؟ "

- سأمضى " - لم يبق غير القليل ! " وتشجعت لأقول لها : " سأعود فى يوم آخر . . تحياتي الى الأستاذ . . " وبعد السلام تركت القاعة وخرجت . . وقبل أن أجتاز عتبة الباب حانت منى التفاتة الى المكتب بأمل أن يكون مفتوحا ، وخاب أملى . . فشعرت بفرحة تهزنى وبحسرة تقعدنى . . وخرجت . . فى الطريق شعرت بلذة الانتصار ولكننى كنت كئيبة حزينة . .

اشترك في نشرتنا البريدية