صورة
*كلها حلقات وحلق
عشت خلال الصائفة الماضية فى بلد هزنى اليه الشوق والتحنان ؛ فركبت متن الطائر الميمون الذى اناخ بى فوق تربة البلد التى يدغدغ فيها النسيم برقة ولين وقد ازدهت بحلة المصطاف الهادىء الجميل ؛ جبل ارسل بروائح العطور الشذية من قممه ووهاده وبحر يتلقى الروائح الزكية ؛ واشعة الشمس صورت فوق سطحه سبائك من لجين فضية مترامية الاطراف ممتدة الاتجاهات ورمال كانها قطعة من الذهب مستوية السطح ، ناعمة الملمس ، خلابة الانظار سلابة العقول .
هذه قريتى التى نزلت فيها . فانشرح لها صدرى واهتزت اليها مشاعرى ؛ ولكن ماذا بعد هذا الوصف ياترى ؟
هنا جاء دور الاثار وما بعد المشاهدات من اخبار وما خطه القلم وقرره القرار بعد ان مكثت اربعين يوما ونهار ؛ وفتح الكتاب بعد ان كان مطويا ،
واستوى القلم فوق القرطاس سويا ، وتجول الفكر فى عالم الاحياء قويا ، وانساب النظر فى شوارع القرية قصيا .
فاذا الناس حلقات متتابعة مسترسلة متماسكة حتى استكملت السلسلة حلقتها الاخيرة واشرفت على النهاية ، وكلهم يتحدثون عن التاجر كيف خسر ، والتلميذ كيف فشل ، والفلاح كيف انغمر ، والمعلم كيف استقر ، والموت كيف انتشر ، والمرض كيف انحصر ، والسيل كيف انهمر ، والسارق كيف سرق ، والفقير كيف رزق ، والباطل كيف زهق ، والحق كيف حق . هذه هى الاحاديث العامة ، الدائرة كالدوامة ، الطافحة بالسب والشتم واللعن والحقد ثم البغضاء والحسد .
مكثوا هنا للتقطيع والتأنيب وابناؤهم وبناتهم للخبز يرتقبون وللخضر يتشوقون وللثياب يتطلعون ، غير انهم يبيتون جياعا ، حفاة عراة ، وقد عرض العمل على ابائهم فاستنكفوا منه وتواروا عن الانظار واخيرا اشتكوا المرض المبرح وهم يهتفون مالنا ولصراخكم دواء ؛ فاطقوا باب التسول احسن من
ضجتكم هذه وعويلكم اللانهائى او لم تعلموا باننا مدينون لكأس من الشاى وحلقنا ترتقب فينا بكامل اللوعة والحرقة اذ نحن السامرون والساهرون على الطريف والجديد والقائمون بمشاكل الجار والحبيب - واخيرا ماذا تريدون ؟
تغيرون منهجا سلكه اباؤنا من قبل وتوارثناه كابرا عن كابر وهو شاق طريقه نحو الاصاغر ، حتى اصبحنا صعاليك هذا البلد ؛ وانتم خلفنا لما نحن تاركون .
اذ كل من عمل مات ومن شقى اصطحبته الآفات ، فالراحة جنة والشعور بها روح وريحان افلا تعقلون .
وهنا وقفت وقفة الشارد المعتوه امزق اديم الفكر من النوبة التى سرت فى اضلعى فاوقدت جذوة اصطليت بنارها الوقادة .
لست ادرى كيف يكون المصير بعد ان قضينا على البطالة وبعثنا اليد العاملة وحطمنا التواكل ونفضنا غبار اليأس والحرمان . ألعلهم نيام ام طغى عليهم التغافل والنسيان . عزمنا على تحريك السواكن فسكن المتحركون .
نحن ننهض وهم يرقدون ، نحن نبعث وهم يردون ، فسيعلمون الى اى منقلب ينقلبون .
الى التذمر والفقر والتسول ثم التشرد والتسكع من اجل اللامبلاة . حيث غفلوا عما شيدته لهم الحكومة من صروح العزة والكرامة والاندفاع نحو مجتمع افضل وحياة كريمة مثلى .
وانقطع الترحال اياما معدودات ، ثم عاودت الكرة وخامرتنى الافكار بالرجوع الى ما بقى فى نفسى من اليوم الغابر تجاه الحلقات التى فارقتها ؛ واذن مافعلت الاقدار وهل عزم الاخوان محو وصمة العار . . لا . . و كلا . .
لقد اصبحوا يتسابقون فى كيفية تنظيمها وازدياد عددها وتوسيع رقعتها وقد اوقدوا كانون الشاى بينهم ، واحاطوا به الكؤوس حتى اصبحت الحلقة حلقا - وهم يهمسون - اسمعوا الناى يغنى فسره يسلى وفى حبه تجن وهذا الاندلس لمجالسها تروى . وفى الاخرى يقولون : انظروا الملك الجبار كيف يزمجر وبقوته كيف يدمدم من تحته نار ومن فوقه بخار وقد حامت به جنوده
وطاقت به عساكره الانصار - افلا تعجبون - وهنا تتعالى الهتافات ما احسن الحلقات واحلى الجلسات . فمالنا وللعائلات ، نحن سامرون وهم نائمون ، ولنغفل عنهم فيستيقظون .

