( تلقينا من مراسلنا الخاص البرقية التالية )
فى الصباح الباكر من يوم الاحد الموافين ٧٣/٣/٨ أخذت جماهير اهل الرياض تفد الى قصر الحكم بالرياض يتقدمهم العلماء الوجهاء والمفتى الاكبر الشيخ محمد بن ابراهيم وقد امتلأت بهم ابهاء القصر وردهاته كما غصت بهم الساحة الواقعة امام القصر . وفى تمام الساعة الثالثة وفد الى القصر صاحب السمو الملكى الامير نايف امير الرياض المعظم فاستقبل بما يليق به سموه من حفاوة وبعد ان أخذ مكانه من صدر المجلس القى فضيلة الشيخ محمد بن ابراهيم كلمة قوية رائعة تجدونها فى نهاية الرسالة فكان لها فى نفوس الحاضرين ابلغ الأثر وبعد ذلك قام العلماء فالوجهاء فالاعيان فرؤساء القبائل فافراد الشعب يبايعون جلالة الملك المفدى سعود الاول فكانوا يبايعون سموه بما يلى :
" ابايعك لجلالة الأمام الملك سعود على كتاب الله وسنة رسوله وعلى السمع والطاعة فيجيب الامير : " قبلنا ذلك له وعليه " وبعد أن انتهت الجموع الغفيرة من مبايعة سمو الامير نايف لجلالة الملك سعود تكلم سموه فى الحاضرين كلمة مناسبة للمقام ومما قاله :
كلمة سمو امير الرياض
" أنا أقبل البيعة منكم لجلالة مولاى الملك سعود المفدى واحب إبلاغكم ان جلالته لا يشك فى اخلاص وولاية أى فرد منكم ؛ فاخلاص الجميع معلوم لديه ، كما ان عطفه على رعيته واهتمامه بامور المسلمين معلوم لدى الخاص والعام أسأل الله ان يوفق جلالته لما فيه الخير وينصر به الاسلام المسلمين " .
وبعد ذلك غادر المكان فضيلة المفتى الاكبر الشيخ محمد بن ابراهيم وبعد قليل غادره سمو الامير نايف امير الرياض المعظم مودعا بمثل ما استقبل به من حفاوة وكان دعوات الجماهير تتصاعد الى السماء بالعز والتمكين ودوام التوفيق لجلالة الجالس على عرش البلاد حفظ الله تعالى جلالته ذخرا للعروبة والاسلام ووفقه لما يحبه ويرضاه .
كلية فضيلة المفتى الاكبر
واليكم كلمة فضيلة المفتى الاكبر الشيخ محمد بن ابراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم
" الحمد الله رب العالمين وصلاته وسلامه على عبده ورسوله محمد وعلى آله واصحابه اجمعين وبعد فان الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل وطموس من السبل فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وبصر به من العمى ، واخرج الله به الناس من الظلمات الى النور وانزل عليه الكتاب المبين بيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وهو الموعظة البليغة والشفاء لما فى الصدور كما قال تعالى : ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) كما انزل عليه الحكمة وهى السنة بيانا وايضاحا وتفسيرا لمعانى ما أنزل عليه من الكتاب ثم توفى صلوات الله وسلامه عليه بعد ما اكمل الله به الدين ، وبلغ البلاغ المبين ؛ ولهذا انزل عليه الصلاة والسلام فى آخر حياته الطيبة وهو واقف بعرفة فى حجة الوداع قبل وفاته " ص " بنحو من ثمانين يوما : ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا ) ثم درج عل اثره الخلفاء الراشدون وصحبه المرضيون على هذا المنهج القويم والصراط المستقيم حتى انقضى القرن الاول ثم جاء بعده القرن الثاني سالكين هذا المسلك الواضح على انه وجد أثناءه شئ من الامور البدعية ولكن لم يلتفت اليها والكلمة كلمة الحق فقط حتى انقضى القرن الثاني ولهذا كان دون القرن الذى قبله فى الفضل ثم جاء القرن الثالث ونجم فيه من البدع ما نجم ووجد الاصغاء اليه من بعض الولاة ، الا ان كلمة الحق والسنة لم تزل هي الظاهرة والسائدة فى هذا القرن وهذه القرون الثلاثة هي القرون المفضلة التى قال فيها صلى الله عليه وسلم " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " وبعد مضي هذا القرون الثلاثة المفضلة وجد بل فشا الخلل بأمر الدين اعتقادا وعملا بما لا يخفى ولهذا أخبر " ص " ( ان بعد القرون الثلاثة يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته وقوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ، ويخونون ولا يؤتمنون ويظهر منهم السمن ) ووقع مصداق قوله " ص " : " بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ " الحديث . ولم تزل هذه الغربية فى ازدياد ، تصديقا لما ورد على الناس زمان الاول الذى بعده شر منه حتى تلقوا ربكم " الا ان الله تعالى من ها هنا بنعمتين عظيمتين احداهما بقاء الطائفة المنصورة حفظا منه تعالى لدينهم واقامة لحجته على عباده وان كانت قد تلاطمت أمواج
بحار الشبهات والشهوات . الثانية : اقامته تعالى المجددين لهذه الامة أمر الدين كما فى الحديث " ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها " وقد غلب الجهل على كثير من الأمة وفشت الخرافات وتنوعت من دون الله حتى من الله سبحانه وتعالى بالامام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه بنجد وقيض له من أنصار الحق من بذلوا مهجهم وجردوا سيوفهم فى اعلاء كلمة الله ومحوا الضلالات والخرافات ، وهم هذه الطائفة المباركة آل سعود لا زالت رايات نصرهم الحق حافظة ؛ حتى عاد نجد وما يليه فى المعتقد والعمل أقرب شئ شبها بما كان عليه صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين فى الاعتقاد والعمل وبعد ان حصل بعض التقصير فى أواخر هذا العهد جرى عليهم ما جرى تأديبا وتمحيصا ثم بعد قليل تلألأت أنواره وتراجعت أعوانه وانصاره فرد الله الكره الحق وأهله ؛ ثم حرى أيضا ما جرى من التمحيص والتكفير بسبب ما حصل من التقصير ودعوة الحق محمد الله لم تزل فيهم ؛ وان خرجت من أيديهم ، الولاية ثم ان الله سبحانه وتعالى من على المسلمين بولاية الامام الكبير والملك الآية الشهير الملك عبد العزيز وأجرى الله على يديه من نصر الدين وقمع المفسدين وجمع الكلمة ما يكل عن احصائه اللسان ويعبى من رصده فى السطور البنان ، ثم توفي أسكنه الله فسيح الجنان وترك الأمر على ما هو المشاهد ؛ وحيث كانت الامامة من أعظم فروض الدين ولا استقامه بدونها للعالمين . كما ورد " لا اسلام الا بجماعة ، ولا جماعة الا بامامة ، ولا امامة الا بسمع وطاعة " فقد عهد الفقيد قدس الله روحه أثناء ولايته الى نجله الأكبر ، وعقد له ولاية العهد بعده ، العقد الذى لا ينكر ، " سعود بن عبد العزيز " وقد لمس الجميع من ( سعود ) حفظه الله هذا المعنى الذى لمسه منه أبوه رحمه الله ؛ وهو الأصلحية لولاية المسلمين ؛ والقيام لهم باعباء الدنيا والدين ؛ وهو يحمد الله الجدير بذلك ، والحقيق بما هنالك ؛ فكان هو ولى أمر المسلمين بعد والده الفقيد ، وقد تمت له البيعة من جميع أسرته من اخوته وأعمامه وكافة أهل بيته ، ومن جماعات كثيرة من أهل العلم ؛ وغيرهم ، وقد رغب وفقه الله ونصر به دينه فى ان يبايعه جمهور أهل الحل والعقد من كل طائفة واستناب أخاه الأمير ( نايف بن عبد العزيز ) فى أخذ البيعه من جمهور جماعة أهل الرياض وملحقاتها له ؛ حفظه الله ، له وعليه ؛ وعلى ان يسمعوا له ؛ ويطبعوا على كتاب الله تعالى وسنة نبيه . وقد عهد الي بالحضور والشهادة على هذه المعاهدة وأسأل الله تعالى ان ينصر بهذا الامام المبارك ( سعود ) دينه وكتابه وعباده المؤمنين ؛ وان يكون له مؤيدا ومعينا ؛ انه على كل شئ قدير . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم "
فرحة الرياض بمقدم جلالته
" ابرق الينا مراسلنا الاستاذ عبد الحميد مشخص بما يلى " :
لا اظن التعبير مهما بلغ من القوة والتمكن يستطيع أن يعطى صورة وافية عن الاستقبال المنقطع النظير الذى استقبلت به الرياض جلالة الملك سعود المفدى استقبالا رائعا بالغاً ، لم تشاهد له الرياض مثيلا فى حياتها كما أنى لا أظن ان اى شعب فى العالم استقبل مليكه بمثل ما استقبلت به الرياض جلالة الملك سعود الاول فكان هذا اليوم المجيد عيدا من اعيادها التاريخية بل ولعله أروعها واجملها بالبهجة والسرور فمنذ ليال مضت ومدينة الرياض تعمل جاهدة فى اقامة معالم الزينة والابتهاج تحت اشراف صاحب السمو الملكى الامير نايف أمير الرياض المععظم يشاركها فى ذلك الاهلون والشركات وهيئات التعليم واصحاب الحرف الذين سارعوا لعمل اقواس النصر واقامة السرادقات ، ووضع اللافتات التى تعبر عن شعورهم اجمل التعبير فمنذ الصباح الباكر بيوم السبت الموافق ٧٣/٣/٢١ والجموع الغفيرة من أهل الرياض وما جاورها من القرى يتدفقون على ساحة المطار وعلى الطريق الممتد الى القصر الملكى بالناصرية وقد املأت بهم الشعاب والوديان والتلال ، ولا أغالى اذا قلت إن اهل الرياض خرجوا عن بكرة ابيهم لاستقبال مليككم المفدى وكان صاحب السمو الملكى الامير نائف أمير الرياض المعظم المشرف على هذا الاحتفال التاريخى وقد بذل فى ذلك جهدا كبيرا يستحق سموه عليه كل شكر وتقدير . هذا وقد كان فى طليعة من حضر الى مكان الاستقبال اصحاب السمو الملكى الامراء بتقدمهم سمو الامير سعود بن عبد الرحمن والعلماء والوجهاء يتقدمهم فضيلة المفتى الاكبر الشيخ محمد بن ابراهيم . أما المطار فكان عبارة عن خلية نحل ازدحم بالكتل البشرية والسيارات التى تفوق العدد وعندما وافت الساعة السادسة هبطت الطائرة الملكية التى تقل عاهل الجزيرة وامامها البسام صاحب الجلالة . سعود المفدى فغمرت الساحة موجات من الهتافات والتصفيق الذى استمر مدة طويلة من الزمن وعندما فتح باب الطائرة صعد اليه اصحاب السمو الملكى
الامراء حيث قبلوا يد جلالة الملك المفدى وعندما أطل جلالته من باب الطائرة عادت الحناجر تشق الفضاء بالهتافات المدوية بحياة جلالته الغالية كما عزفت الموسيقى السلام الملكى السعودى وكان جلالته يحيى الجموع الغفيرة بيده الكريم وبابتسامته المشرقة وعندما جلس جلالته بصدر الصالون افتتح فضيلة الشيخ محمد بن ابراهيم الحفل آيات كريمة مناسبة للمقام كان لها وقعها الحسن فى النفوس ثم القى الشاب عبد العزيز بن مقرن كلمة أهل الرياض التى عبر فيها عن شعورهم للجالس على العرش وقد قوبلت كلمته بما تستحقه من الاستحسان وبعد ان اديرت القهوة والمرطبات نهض جلالة الملك المفدى يحيط به أفراد أسرته الكريمة حيث ركب سيارة مكشوفة ليتمكن من رؤية شعبه ويمكن شعبه من رؤية مليكه وقد ظل جلالته واقفا بمكانه من السيارة يلوح بيده الكريمة للجماهير الغفيرة التى انتشرت على طول الطريق من المطار الى الناصرية لمسافة عشرة كيلو مترات تقريبا ولمدة ساعتين من الزمن لم يمنع جلالته من ذلك ارتفاع حرارة الشمس فى ذلك الوقت من الظهيرة ، وكانت سيارة جلالته تسير الهوينا وسط كتل بشربة متلاصقة تحيط بالسيارة احاطة السوار بالمعصم وكانت السيارات التى تسير خلف سيارة جلالته تزحف زحفا نتيجة لشدة الزحام وقد امتدت فى أرسال طويلة متجاورة لا يعرف مبتداها من منتهاها ، وكان الموكب لا يسير خطوات الا ويقف فيترجل جلالة الملك المحبوب وينزل الى الجماعات التى كانت تعترض طريقه ملتمسة من جلالته تشريفها فى سرادقها الذى أقامته لاستقبال جلالته وقد بلغت السرادقات التى اقامها الأهلون خمسة عشر سرادقا زينها أصحابها بما يليق بالمناسبة الكريمة كما بلغت أقواس النصر حوالي الثلاثين قوسآ تقريبا . . هذا وقد تفنن عمال بعض الشركات التى اشتركت فى الاحتفال بمقدم جلالة الملك المفدى . . تفنن بعضهم فصنع مسجداً بمأذنته وقبته وحملوها على سيارة زينوها بالأعلام والتحايا الجميلة للملك المفدى كما صنع بعضهم دبابة تحمل العلم السعودى وقد كتبت عليها آيات كريمة وتحية للعاهل العظيم وكان الذين أقاموا السرادقات وحظوا بتشريف جلالة الملك لهم
فيها حيث تناول القهوة لدى كل منهم واستمع الى كلمات من الخطباء والى تحاياهم التى كان يشاركهم فيها الجماهير الغفيرة المنتشرة على طول الطريق كان الذين أقاموا تلك السرادقات وحظوا بتشريف الملك لهم فيها ، هم أهل الرياض فأهل شقراء فالآمرين بالمعروف ، فالمعهد ، فالأيتام ، فالمدارس ، فالمدرسة العسكرية فأهل الأحساء فأهل بريدة فالدواسر فالحضارمة فاليمانين فأهل أم سلمة فشركة العمارة فشركة الانشاء .. هذا ولا ننسى ان نذكر بعض اخواننا السوريين واللبانيين الذين عبروا عن مشاركتهم فى الابتهاج بأناشيدهم القومية والتى كانوا يرقصون عليها رقصاتهم الشعبية فكان لتلك المشاركة الجميلة أطيب الوقع فى النفوس حقا لقد كان هذا اليوم من أيام الرياض المشهودة وعيداً خالداً من أعياده المجيدة حفظ الله الملك المفدى وجعل عهده السعيد عهد يمن وفلاح على بلاده وشعبه وعلى العروبة والاسلام .
