الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

بزناس في رحلة الابام

Share

نظرت إلى الكأس فى عطش صحراوى ، ثم رفعت بصرك لتغرسه فى ظهر الجرسون المنصرف يجر (( خفه )) العريض كالجمل المريض . . وانسلت من شفتيك ابتسامة خفيفة فيها السخرية ، وفيها الالم ، وفيها الشفقة . .

- (( مسكين ! ! العام واثناش اشهر بالطبق ! ! ))

كنت في ركن المقهى المكتظة بالمقاعد الشاغرة ، والفراغ ، وبأصوات حفنة من (( المزمرين )) يحطمون احدى الطاولات بأكفهم الخشنة :

- هاو اللص - هاو الكوال ! - هاى المجيرة ! - قهوة كحله يا ! ! - كاس تاى ! ! - اسمع . . انت يزى بلا سرقه ! - بره . . . . .

البطالة . . والكارطة . . والقهوة الكحلة . .

هم ايضا مساكين ، مثل الجرسون ، ومثل صاحب المقهى ، ومثلك أنت ! ! . . نعم أنت ، أنت ! ! ! . . مالك اشمأززت ؟ ! . . وماذا يميزك عنهم ؟ ! . .

ورددت من حيث لا تشعر :

- لا شئ ! . . كلنا ولدنا فى ليل بلا قنديل ، ولم نعرف أبدا لا الشمس ولا خرير الوديان ، ولا عبير الورود . .

- أف ! كفى فلسفة كفى ! ! - حتى أنت مسكين معنا ! - أجل ، مسكين كوجهك المرسوم على اوراق الخريف ، وعلى القبور القديمة ، وكسرواك المرتق للمرة الالف . .

وتركته يهذى . . يهذي . . ويعيد كلاما لم يعد له معنى منذ زمن ما دام

لم يتزحلق بعد على أرصفة المدينة ، وما دام ينتحر باستمرار فى الزوايا الرطبة . . وغصت فى عمق الكتاب بكل ما أوتيت من ذكاء وفطنة وولوع . . رحت تقرأ . .

كتابة كخطوط نملية ، وأفكار كزحف على كبريت مشتعل . . . قال لك والدك قبل ان تبتلعه الارض ، وكان رحمه الله رجلا طيبا ، يصلى , يصوم ، ويزكى ، يأكل ما حضر ، ويلبس ما ستر :

- يجب ان تقرأ يا ولدى ، وان تنجح ، وان تصير رجلا ذا بال ! ! وكانت نصائحه حفرا عميقا على قلبك ، فآمنت بالمبدأ وانصهرت فى الكتب . .

وقالت لك أمك آلاف المرات :

- (( حط الملح فى عينيك ! ))

فوضعت فيهما مع الملح ، الخل ، والاشواك ، حتى أجبرت فى النهاية على الصاق نظارتين بوجهك ، وخلع عليك اولاد الحومة مازحين لقبا جديدا : (( دكتور ! ))

(( دكتور ! ! يا دكتور ! ! يا بو مرايات ! ! ))

وقال لك أحد الصحافيين :

- ماو تسيتونغ كان لا ينام الليل ، وكان يحرق الشموع ، ويقاوم البرد والالم والجوع والكرى  . . وفى النهاية حرر الشعب . .

وقال لك ، أنه قطع أطول مسيرة على طريق معوجة شائكة ، فأحببت المسير ، ونزحت فى كل يوم من القرية الى هذا المقهى المنتحب على الامواج ، وهربت مثلما هرب جماعة الكارطة من جوع القرية وضجيجها وسيارات (( المركنتيه )) . .

انتهى الفصل ، فرفعت رأسك (( المغوف )) , وسرقت قبلة من كأس القهوة الباردة ، التى أحببتها منذ الصغر . . بيتكم لم يعرف حليب البقر ، ولا الحليب المصبر ، فكانت القهوة الكحلة فطور الصباح ، وهدية للضيوف ، وتطيير قلق . .

- (( هاى سبعة الحية ! ))

وصاح أحدهم : (( سارق ! ! سارق ! ! ما يساعدنيش ! ! ))

وتعالى السباب ، واصطدم بالسقف المشقق ، وانقلب كل شئ رأسا على عقب . . وصاح صاحب المقهى فى الجماعة بغضب :

- (( اخرجوا على ! ! اتعاركو لبعيد ! ! ابزوز سوردى ، باش اتكسرولى عشرة اكراسى ! ! ))

وخرجوا كلهم يجرون (( شلايكهم )) فى كسل :

- (( أقعد فيها وحدك كيف البومة ! ! . . ))

ولعن . . واستعوذ . . وحوقل . . ثم رجل الى كرسيه (( لينش )) الذباب ، و (( يبيع الريح للمراكب )) . .

الشمس فى رابعة النهار والمقهى خال الا من الكراسى النخرة وصديقك وصاحب المقهى وابنه الجمل المريض ، وصراخ الامواج من تحت الصخور الجامدة . . البحر ! !  البحر ! !

(( آه ما أحلى ، وما أبغض البحر ! ! حلو كالسكر . . وبغيض كالعلقم  ! ! )) أنت لن تنسى البتة ابحارك فيه على شفتى سائحة شقراء ، (( قفزت )) بها على الشاطئ . . وكانت أياما ! ! . .

ولكنك لن تنسى أيضا شقيقك الذي سافر بدون رجعة الى أعماق هذا البحر بعد ان بح صوته بين المقاعد وفى الشوارع ب (( تكتك ابدورو اقليبات . . اقليبات اسخان ! ! )) ، فكانت حرقة ، وألم ، وطوفان من الدمع ، ونحيب أمك لا ينتهى (( يا نارى على ولدى . . )) مسكينة أكثر من الجميع ! ! أرملة . وثكلى ، وكادحة من أجل أرغفة خمسة : هى ، وأنت ، وأخوك الذى انصرف يبيع الماء على طوار المحطة : (( اشريبة ماء يا عطشان . . اشريبة باردة ! ! . . )) والآخر الذى فر من المدرسة منذ الصبا ، وخير التمدد المستمر تحت السيارات والوسخ والعرق ودراهم معدودات : (( أبرنتى ! ! ديما أبرنتى ! ! )) ، وأختك الكبرى التى بصقها زوجها على العتبة بعد ان أغرقها فى الاصفرار ، فرجعت الى (( خربة )) أبيها بحق مسلوب ، ولوعة عميقة ، وعبرة زرقاء . .

تذكرت أنك أمام الكتاب ، وأمام المبدأ ، فحرقت الفلم ، وأوقفت الكاميرا ، وغصت من جديد فى الورق الاصفر . .

تقرأ . . تقرأ . . تقرأ . . ثم سيجارة ، ونفس طويل . . طويل كالالم الذى رضعته مع الحليب ، وكتب على جبينك قبل البدء . .

( أهلا بالالمانية ) ! ! Gutentag

(( أف ,  ماذا يريد هذا ؟ ! ! ماله يأكلنى بعينية كالجائع ؟ ! ! ))

ولم ترد التحبة خوفا من جشعه ، وتجاهلته ، ولكنه كان يلح . . كان حصانا هائجا . . ألمانيا والعياذ بالله ! !

وأثار شفقة صديقك فحياه . .

ـ . . . . . ؟ ! ! ـ . . . . . . ! ! ! ـ . . . . . . . . . . . . ! !

وغرق معه فى هذار ، فيه الضحك ، والسجائر ، والاغراء . . أنت كرهت هؤلاء (( الحصنة )) ، وكرهت مالهم العريض ، وعناوينهم . وهداياهم ، و (( ويسكيهم )) . .

فى الماضى كنت تلهث باستمرار وراء ظهورهم ، لأن للضرورة أحكاما . . وكانوا يموتون على جسدك . . وكنت تأخذهم قنطرة عبور لنهود نسائهم . ولتفجير الحرمان . . كنت معذورا فى ذلك الزمان . . كان أبوك (( خدام حزام )) ولم يكن لك (( مصروف )) ولا كتب . . ولم تكن لك بنات عم ولا بنات خال . وكنت قبيحا كباب الدار الذى ستر عاركم . . فكنت اذن مجبرا على التنازل عن اخلاقك وقواك لهؤلاء (( الهرسيين )) . . فكانت رحلات صيد ظافرة على الشاطئ الممتد ، وأمام النزل المتسلسلة على حافة البحر ، وأصبحت ذات يوم محترفا من طراز ممتاز ، فعرفت (( بالبزناس )) . . وخرج شعرك عن القانون كالاعشاب الغابية ، وركضت كالدنجيون وراء المستحمات . . وركض وراءك ازواجهن بالعطر (( والوسكى )) ، والسيجارة ، و (( اللادراس )) . . وراح هذا يجود عليك بسروال ، والأخر بحذاء ، وذاك ب (( دجا كيتة )) من نوع (( ايبلودجين )) . . ورحت تستجلب (( التوريستات )) الى البيت ، أحيانا تحت ستر الظلام لتقضى بهن ليلة بدون جفون ، وأحيانا أمام كل العيون الواسعة . . (( والقيل والقال )) . . و (( التقطيع والترييش )) . . ونقط الاستفهام الجحائية .

ولكنك لم تكن مجرد (( بزناس )) . . أجل ! كلهم اعترفوا أنك مثقف من الصنف الرفيع . . كانوا يرونك حافى القدمين . . أغبر . . أصفر . . فى أسمال . . تقطع طريق البحر العملاقة ، منكبا على سطور وأحرف لا يفهمونها . . كنت تفهم مليا (( لفرنسيس )) و (( لنقليز )) و (( للمان )) . . وكانت لك معرفة واسعة . . وكنت تحدث زملاءك (( البزناسة )) عن طه حسين ، وماركس ، وماو , وسارتر ، وكامو ، وكنت تحدثهم عن الفقر فى الهند ، والرأسمالية فى أمريكا ، والشيوعية فى الصين ، والالم فى فلسطين . . كنت تحدثهم بكل تواضع . . وكنت تشعر فى أعماقك أنك تؤدى رسالة . . وكانت آذانهم تتسع اليك يوما بعد يوم ، وكانوا يمدحونك للسائحات ، عندما تمر بنظارتيك والكتاب . . وسمتك إحداهن (( لنتلكتيال )) .

غير أن جرحا داميا كان يحفر باطنك بمرارة كلما تذكرت أنك تصلى تحت أقدامهم ، وتمد يدك عجفاء ، كما تمد أيدى المعوزين أمام أبواب الكنائس . . كنت تثور عندما تفرش لهم كرامتك وردا ، وفلا ، وياسمينا ، وتسمح لهم بجسمك يمتصونه نساء ورجالا تماما مثلما تمتص السيجارة أمام مشكلة فلسفية ، أو مشكلة مال . . مال . . مال ! . . وكنت تواصل الرحلة (( التشكيلية )) رغم . . رغم . . رغم . . لأن الخبز والجنس كفاح ضد الموت . وأنت تكره ان تسقط فى الدرب جائعا ، أو أن يصرخ جسدك حتى الجنون . .

وتآكلت ذات يوم . . ولازمت - الدكة - لمدة طويلة . . وعرف كل الناس أن (( التوريست )) هم السبب ، لكنهم لم يعرفوا أيضا ان المال هو السبب الحقيقى ، وأنه كان يرميك بشدة فى الميدان . .

وكرهت منذ تلك اللحظة الشاطئ ، و (( الالمان )) و (( السويدوا )) . .

لم تبق الا ايام معدودات للامتحان ، بعدها ستزغرد لك أمك بكل قواها , أو ستدفن نفسك من جديد فى هذا الركن ، وفى قلبك حرائق وخنادق وحفر . . وسيأتى لك الجرسون مرات أخرى بالقهوة السوداء ، وستأمره وقتئذ بحذف قطع السكر . .

ولكنك على كل حال تستبعد الهزيمة ما دمت مؤمنا منذ المنطلق ان (( من سار على الدرب وصل )) وأن (( من تتعلق همته بما وراء العرش ينله ))

اذن مطالعة . . وكتب . . ودفاتر عريضة . . بضوء الشمس . . وضوء الشموع . . وضوء العينين الغارقتين . . بالبيت . . والمقهى . . والطريق الممتد الخالى . . بالقهوة الكحلة . . والسجائر . . والصبر الأيوبى . .

. . وانطلقت دقات الجرس ، كأنشودة جنائزية ، رقص لها القلب رقصة هندية . . ثم احتضنك مقعد أصم ، أبكم ، أعمى . . كنت كالعادة فى أطمار . . وصورة أبيك المرحوم حفر على مقليتك . . وأمك واخوتك أنين فى أعماقك . .

مر أسبوع . . اثنان . . ثلاثة . . ونهار ليل ، وليلك نها . . ثم انتهى شهر . . ويومها نزل المطر مدرارا كغير العادة . .

المطر . . المطر . . وأنت تجرى . . تلهث . . والمطر يلهث . . يلهث . . والجريدة تبتل . . تبتل فى يديك . . تبتل تحت خرقك . . ثم عرجت الى الزقاق الضيق . . واعترضوك أمام البيت تحت المطر بوجوه مهللة ، وأيد مفتوحة ، وألسنة ملتهبة بالدعاء . .

- (( أماه ! ! لقد . . نجحــــ ! ! ))

- رو . . رو . . رى . . رى . . رو . . رى . . رو ! . . . ))

وزغرد معها الجيران . . وليلتئذ كانت سهرة حتى الفجر : دربكة . . غناء . . وبنات الحومة فى رقص قروى ، وصدور مهتزة ، واحمرار ، واحلام تشتبك بعنكبوتية فى عالم الخيال مع أحلام أمك المنعشة . .

المستقبل اللازوردى ينطلق مع آخر عربة لقطار العطلة الطويل . . المستقبل حلم بدأ يعيش فى أذهانهم منذ أن رأوك تتأبط المحفظة لتتجه الى (( الكتاب ))

المستقبل رتيب تمنحه لك الجامعة كل شهر ، لتتنازل عن ثلثيه لأسرتك التى لم تر الا الدخان . . الدخان . . .

اشترك في نشرتنا البريدية