الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

بساتين مدينة صفاقس، نشأتها ، تاريخها ، تطورها

Share

تمهيد : امتازت مدينة صفاقس عن الكثير من المدن بالبساتين التى نكون حولها من ثلاث جهات شبه هلال اخضر يطوق جيدها من البحر الى البحر وهذه البساتين قديمة تمتد جذورها فى الماضى البعيد وتاتى بعد تاسيس المدينة تاريخيا حسبما توصلنا اليه ، وقبل التبسط فى الموضوع نرى من المفيد التعرض لبعض الاصطلاحات التراثية المتعلقة بالباستين .

الجنان : سكان صفاقس يسمون البستان ( جنانا ) والجمع ( جنة ) بكسر الجيم والكلمة عربية غير انهم اطلقوا اسم المفرد على الجمع وسموا الجمع بالمفرد لان ( الجنة ) بفتح الاول وتضعيف الثاني مع الفتح : هى الحديقة ذات الاشجار وتجمع على ( جنان ) بكسر الاول و ( جنات ) .

الغابة : تطلق كلمة غابة على مجموعة بساتين بجهة او حول قرية ، او على ملك عائلة كثيرة الفروع ، فيقال ( غابة الغربية ) و ( غابة الشرقية ) اى البساتين الواقعة غرب المدينة وشرقها ، ويقال غابة ساقية الزيت ، وغابة مركز كمون أى البساتين الواقعة بقرية ساقية الزيت وقرية مركز كمون وكذلك بقال ( غابة الاعشاش ) و ( غاية البهاللة ) اى بساتين آل العش وآل البهلول .

الحفرة : من المحقق ان مدينة صفاقس مشيدة فوق ربوة ذات جناحين (1) والارض التى حولها فى قرب منخفضة بالنسبة لها لذلك كانوا يسمون البساتين القريبة من المدينة ( حفر ) والواحد منها ( حفرة ) وورد في الوثائق العديدة ( حفرة النورى ) و ( حفرة التونسى ) و ( حفرة العذار ) الخ ، ولذلك ايضا نتجمع مياه الامطار حول المدينة وكانت تكون - وفى الجهة الغربية على الاخص - شبه المستنقعات .

البورة : كانوا يسمون كل أرض معدة للأزدراع وليس بها اشجار مثمرة ( بورة ) سواء كانت قرب المدينة او بعيدة عنها من ذلك الارض التى كانت امام مستشفى الهادى شاكر كانت تعرف بــــــ ( بورة بوزيد )، وعندما شجرت البورة بالعود الرقيق بقى اسمها يعرف بها وجمع بورة ( وبر ) .

البستان : البستان او ( الجنان ) كما يسمى بصفاقس : عبارة عن قطعة من الارض مسورة باسوار من التراب تدعى ( الطابية ) وتختلف مساحتها حسب ثروة مالكها ويمسح الجنان بحساب المرجع ، والمرجع الصفاقسى به ( 875 م ) مربع ، و ( الطابية ) التى تحيط بالجنان يبلغ ارتفاعها نحو ( 1،80 م ) تقريبا ومن العادة تغرس الطابية بالتين الشوكى ( الهندى ) وكان الصفاق يهتم كثيرا بطوابى حنائه من حيث اصلاحها وتنظيفها واعادة بنائها كلما وجب ذلك ويشذب اشجار الهندى ويجدد غراسته وذلك فى فصل الربيع .

ولهذه الطوابى المشجرة بالهندى فوائد كثيرة : تحفظ البستان بما فيه من اشحار ودواب ودواجن ، وتحفظ اهله وثمره من التلوث بغبار الطريق ، ومن عصف الرياح وتمنع الانظار من كشف الحريم ، مع ان شجر الهندى يستثمر ورقه الاخضر لعلف الدواب وتؤكل ثماره اللذيذة ويعبر عنها شعبيا ( الهندى سلطان الغلة ) .

نشأة البساتين: الطور الاول

ان مدينة صفاقس اغلبية التاسع ويرجع تاريخها الى القرن التاسع الميلادى (2) ولم يرد تاريخيا ما يفيدنا عن نشاة البساتين بها ولا نعلم يقينا هل

هى نشأت مع المدينة أو بعدها ؟ واقدم النصوص التى تذكر بساتين صفاقس ترجع الى القرنين الميلاديين ( 10 و 11 ) لقد روى ابن حوقل وهو يتحدث عن صفاقيس بانها ( قليلة الكروم وفاكهتها من قابس ) (3) وكلمة كروم جمع كرم، وقال صاحب المنجد هي عامية وتطلق على ارض يحوط بها حائط وفيها اشجار ملتفة ويبدو لنا ان المعنى الذى قصده ابن حوقل ( قليلة البساتين ) ويؤيد هذا الفهم قوله بعد ( وفاكهتها من قابس ) لان الفاكهة ثمار اشجار البساتين ونزدا ناكدا فيما ذهبنا اليه بقول صاحب تقويم البلدان وهو يتحدث عن صفاقس : ( ولها بساتين قليلة ) . ويبدو لنا انها نمت وازدهرت واخذت تمتد حول المدينة الى ان حلت بها نكبة الزحفة الهلالية فاصابها الفساد والتخريب مثل غيرها واخذت في التراجع غير انها لم تندثر تماما وما رواه ابن عذاب المراكشى يثبت ذلك اذ قال : ( وفي سنة 474 ه (11 م) حاصر الامير تميم مدينة صفاقس وعاث عسكره في اجنتها المعروفة بالغابة وافسدها ) (4) فهذه الحادثة وقعت بعد هجومات بنى هلال بنحو ربع قرن مما يدل على ان افساد الاعراب لها لم يكن كليا ، وانها نمت بعدهم وازدهرت ، ثم بعد هذا التاريخ بنحو القرن صارت هذه الغاية ميدانا لحرب ضروس خاضها ابناء صفاقس ضد النرمان الصقليين ( 1148 م ) ثم اصيبت باعتداءات الميوقى وقراق الغزى (5) وشملها الفساد والدمار من جديد وصار سكان صفاقس يعتمدون فى فاكهتهم على توريد ما يحتاجون اليه منها من مدينة قابس وهذا ما اشار اليه الشريف الادريسى بقوله : ( وتجلب اليها - صفاقس - من مدينة قابس نفيس الفواكه وعجيبها مما يكفيها ويربى كثرة ورخص ثمن ) (6) وبعد الادريسى يصفها ياقوت الحموى ويتحدث عن غابة زياتينها التى يمتار من زيتها المشرق والمغرب ولا يتعرض بالذكر لاجنتها مما يدل على اندثارها بعد نموها وازدهارها مما جعل احمد الدرعى يصف ارض صفاقس بالجدب واليببس وكونها بيضاء لا نبات فيها (7) واكد لنا ابو عبد الله التجانى (14 م) هذا الوصف بقوله : ( وكانت بها غابة زياتين ملاصقة

لسورها فافسدتها العرب فليس بخارجها الآن شجرة قائمة وفاكهتها مجلوبه اليها من قابس ) (8) .

هنا يتأكد ان نقف متاملين في وضع سكان هذه المدينة الذين اهتموا بفلاحة السياتين والزياتين منذ عدة قرون وتفننوا فى هندستها وغراستها وتربية اشجارها تربية منتجة رغم ما كانوا يلاقونه من احداث وفتن وجفاف متواصل وقلة مياه ؟ فهل هم عدلوا عن فلاحة البساتين واهملوها مدة من الزمن ؟ تم حددوا العزم وواصلوا رسالتهم فى مثابرة وعزم ؟

الطور الثانى :

ان ما حل بس ببساتين صفاقس من خراب ودمار ، وما اعقب ذلك من فقدان للامن وسيطرة الخوف والفزع على السكان من جراء توالى الحروب والفتن ثم تخييم عدد عظيم من قبائل الاعراب حول المدينة وفي جهازتها عن قرب وعن بعد ، افشل العزائم وادخل الياس على النفوس ، فاهملت الارض وتركت البساتين قاحلة مهملة ، مع ان هذا النوع من الفلاحة المتأصل فى نفوس السكان جعل بعضهم ينتقل الى حزر قرقنة ويخطط بها بعض البساتين فيحيى اراضها وهي الجزر التى لا تبعد عن مدينة صفاقس يسورها البحر ويحميها من كل ما يخشى منه ، فتكونت هنالك اجنة وكروم متواضعة ، من حيث المساحات وانواع المغروسات ، وصار بعضهم يغدو ويروح ، والبعض الاخر استقر هنالك واستوطن الجزيرة ؟؟

اننا نستنتج من هذا الرأى من قول أحمد الدرعى الذى كان وصف صفاقس بالفقر والجدب ثم زاد على ذلك فقال : " وقبالتهم - اى سكان صفاقس " فى البحر حزيرة قرقنة فيها رياضهم واشجارهم وثمارهم ونخيلهم يقطعون اليها بالصنادل فى بحر قصير لا تجرى به السفن الكبرى " (9) .

فهذا الخير يثبت لنا بان سكان صفاقيس نقلوا نشاطهم في فلاحة البساتين الى جزيرة قرقنة ، ويؤكد هذا قول البكرى رحمه الله : " يدخل فيها - يعنى

قرقنة - اهل صفاقس بدوابهم ومواشيهم لانها خصبة " (10) ولانهم اهتموا باحياء اراضيها ووجدوا فيها الامن والاطمئنان ؟؟

ولا نستبعد ان تكون هذه الاسباب هي التى جعلت بعض العائلات الصفاقسية تملك أراضى بالجزيرة ، ومنهم من استقر بها واستوطنها ونلمس هذا فى الكثير من العادات والتقاليد المتشابهة بل حتى فى الألقاب العائلية وهذا بحث له جوانب عديدة لا يمكن التبسط فيه هنا ...

وفي القرن الخامس عشر الميلادي بدأ سكان صفاقس فى اعادة انشاء البساتين حول مدينتهم وعبارة العينى صاحب عقود الجمان " ولها - صفاقس ساتين يسيرة " (11) تنبئنا بذلك ثم واصلوا العزم واخذت البساتين تنتشر وتزدهر الى ان وصلتنا ...

ومما يلاحظ ان نشأتها الجديدة ابتدأت من اسوار المدينة وورد فى حجة عادلة لملكية عقار وهو الارض الملاصقة لسور المدينة الشمالى مكان محطة حافلات النقل الآن ان تلك الارض معدة للازدراع وبها اشجارتين وكروم وفي سنة 1689 م كانت على ملك القائد احمد بن عبد العزيز قبادو ، ونعلم ايضا ان ( سانية الرمان ) كانت تجاور السور الغربى ، والاراضى التى حولت إلى مقابر الكثير منها كان اجنة وبساتين ، تلفت الانظار وهى التى كانت تدعى ( بالحفر ) مثل حفرة النورى والكراى والتونسى الخ وجاء فى وثيقة عادلة : " الحمد لله اشهد المكرم الاجل القارىء العدل الحاج الناسك ابو الحسن على ابن المرحوم الفقيه العدل الشيخ القاضى ابى العباس احمد التونسى انه تصدق على ولده محمد بجميع الجنان المشجر تينا وعنا وغير ذلك المعروف بالحفرة الكائن بغاية صفاقس على ثنية دار عطية قرب المقبرة يحده قبلة ارض للمتصدق وشرقا حفرة الشيخ النورى بها ماجل وجوفا الثنية المذكورة وغربا جنان الفراتى ومدخل له بجميع حقوق الجنان المذكور وحدوده وبرجه وحوشه وهذه الوثيقة مؤرخة بأول ربيع الثاني سنة 1192 ه (18 م ) ومعقودة بعقد العدلين المرحومين عبد السلام الشرفى وحسن الشرفى .

وفى هذا الظرف حدثنا محمود مقديش عن بساتين صفاقس حديثا مفصلا ممتعا نستفيد منه بانها فى اواخر القرن (18 م) ازدهرت وامتدت مساحتها وتنوعت غروسها حتى غدت جنات ذوات افنان وهذه عبارته رحمه الله : " اما الآن منذ دخلت العساكر العثمانية ولا سيما فى دولة سيدى حسين بن على باى وعترته فصفاقس لها بساتين وجنات مشتملة على غرائب الاشجار وبدائع الثمار ، وخصوصا الفزدق الذى لا يوجد مثله الا بحلب والتين والكروم المختلفة الالوان والاشكال والكمثرى بجميع انواعها خصوصا السكرى منها والتفاح بجميع طعومه والمشمش الفائت الحصر واللوز بجميع انواعه والمقائى والبطيخ بجميع انواعه واشكاله وعيون البقر بانواعه ، وانواع الرياحين من الورد والفل والياسمين والقرنفل الى غير ذلك وبالجملة فبساتين صفاقس فى هذه الاعصار مشهورة ولاهلها بها قصور يسكنونها زمن الحر ولا يتخلف احد عن الخروج بجميع اهله اليها ويعملون من شرائح التين والزبيب والفزدق واللوز ما يعم اكثر البلاد وبساتينها محيطة بها كنصف دائرة من البحر الى البحر تبعد من السور الى منتهاها شمالا بقدر سبعة اميال او ازيد ، فتتصل بساتينها بزيتون الساحل القريب من قصر لجم " (12) هكذا وصف مقديش بساتين صفاقس على عهده وهو وصف دقيق شامل ممتع .

لقد تواصل اهتمام سكان صففاقس بفلاحة البساتين مع الايام مما جعلها نتقدم وتزدهر وتزحف داخل غابات الزياتين ونراها كما حدثنا عنها سائح انجليزى ( ادوارد ريا ) فى الربع الاخير من القرن التاسع عشر للميلاد ويصفها وصف المعجب بهندستها المقدر لجهود اهلها وهو ينزل من البحر ويطأ ارض صفاقس " وبلغنا الشاطئ لنشهد عن يمين المدينة ويسارها اميالا من الحدائق وبضع منازل مبعثرة على امتداد البصر وينهض بين المنازل برج صفاقس وقبة كاثوليكية ) (13) فالحدائق تمتد اميالا بينما المنازل التى بربض باب البحر قليلة واعلى منها رباط القصبة الذى سماه برج صفاقس والكنيسة التى اشار اليها هى ( كنيسة القريق ) وقد وقع تجديدها فى اول القرن الحالى ويعود للحديث عن البساتين عند خروجه من الباب الجبلى فيقول : ( وتكتظ المدينة بالحدائق من اولها الى آخرها وربما وصل عدد الحدائق بها الى عشرين الف

حديقة ولا يوجد بصفاقس فقير بمعنى الكلمة فكل يملك حديقة خارج المدينة تمتلىء باشجار الزيتون والتي والشحاذ الذى يستجدى كسرة خبز ممثل في مجلس القرية - اى له حديقة بين الحدائق - ولو لم تزد مساحتها عن اثنى عشرة ياردة مربعة (14) .

بهذا الوصف صور لنا ( ادوارد ريا ) كثرة بساتين صفاقس واهتمام لسكان بكل طبقاتهم بانشائها ورعايتها ثم روى لنا ما حدث به عن عروسها بقوله : ( وقدم لى شرحا وافيا عن التين واللوز والزيت واشجار الفزدق التى يعج بها الاقليم وهو على صغره يضم عديدا من الحدائق التى تمتد حتى تبلغ مناطق البدو ) ثم قال : ( ويصنع هنا - صففاقس - النبيذ الممتاز من العنب كما يزرع الخيار بكثرة وكذا اشجار المووز وتشكل اشجار الزيتون الوعاء الضريبى ) (15) .

وفى سنة 1912 وصف السائح المصرى ( محمد بك فريد ) بساتين صفاقس فقال : ( وصلنا إلى مدينة صفاقس وبعد ان قطعنا مسافة خمسية عشر كيلو متر وسط البساتين والجنان المحيطة بها ) ثم وصف احد البساتين التى زارها وصفا مقتضبا فقال: (وبعد الظهر توجهنا الى بستان السيد عبد السلام الشرفى على بعد نصف ساعة من المدينة وهو بستان متسع به من كل فاكهة زوجان واهم حاصلاته العنب والرمان وانواع الثمر ) (16) .

هذا ما امكننا الالمام به عن تاريخ بساتين صفاقس منذ نشأتها خلال القرن العاشر الميلادى وما طرأ عليها من احداث ثم عادت لها الحياة فنمت وازدهرت وامتدت نحو العشرين كيلومترا بفضل ما طبع عليه سكان المدينة من حب للارض وشغف بفلاحة البساتين .

اشترك في نشرتنا البريدية