الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

بسم الله الرحمن الرحيم، تقديم . . وبيان

Share

في هاتين الرحلتين اللتين يضمها هذا " العدد الخاص" واللتين تقاربتا في الزمن ، واتحدتا في المكان ، فكانت أولاهما في ٢٠ صفر    ١٣٩١ه الموافق ١٦ ابريل ١٩٧١ م وأخراهما فى ١٢ ربيع الاول ١٣٩١ ه الموافق ٧ مايو ١٩٧١ م - عتيت بتدوين مشاهداتي وانطباعاتي وتخيلاتي وملاحظاتي أثناء السفر ذهابا وايابا ، وذلك في كلتا الرحلتين المستهدفتين معا ، " أطلال مدينة الجار " ميناء المدينة المنورة القديم الواقع على شط بحر القلزم ( البحر الاحمر ) في الشمال الغربي بالنسبة لموقع جدة التي كان منها مبدأ الرحلتين .

وتعتبر هاتان الرحلتان زميلتين لما سبقهما من الرحلات الى أنحاء مختلفة من المملكة العربية السعودية ، قام بها رئيس التحرير ونشر عنها في هذه المجلة في أوقات متفاوتة .

وهاتان الرحلتان تمثلان الرحلة الخامسة والرحلة السادسة من الرحلات التى تمت كلها ، على السيارات ، ولا دخل للطائرات فيها مطلقا .

وتمتاز هاتان الرحلتان الى الجار ، بأنهما تمتا على ثلاثة أنواع من السيارات ، لا على نوع واحد . . وذلك لاقتضاء وعورة الطريق من بعد النصائف لهذا التنويع .

وقد عنيت بتسجيل دراسات تاريخية عن هذه المنطقة ، مستمدة من مصادرها المعتبرة . . وفي ذلك شىء من توسعة ثقافة القارئ من هذه الناحية .

وقد التقطت صورا لمشاهد قرية الرايس ، ولمشاهد مدينة الجار ، المندثرة ، ولخليجها الرابض تحت أقدامها الى اليوم ، وهو يكاد يطوقها، ولمينائها الخالى من الحركة التجارية خلوا تاما . . كما رصعت العدد ببعض الرسوم الاخرى التى التقطت بنفس المناسبة .

وعثرت في كتاب " صورة الارض " لابن حوقل على خريطة رسمها لبلاد العرب ووضع الجار بشمال جدة على شاطئ البحر ولا ميناء بينهما وتحدث عنه في كتابه وأوضح في هامش له أو لغيره أسماء الاماكن الواردة في الخريطة بخط نسخ قديم أشبه بالخط المغربي ، فنقلت الخريطة الاثرية ، والتعليقات الى هذا العدد .

ووضعت " مخططين " تقربيين ، أحدهما لخطوط رحلتينا في الذهاب والاياب معا ، وثانهما لمعالم مدينة الجار ، ما هو داخل في نطاق سورها القديم ، وما هو خارج عن نطاقه في الناحية الشمالية والشرقية.

وقسمت موضوعات الرحلتين قسمين : قسم منهماللجانب الوصفي الذي يحتضن في أسلوبه ومضات من أسلوب القصص الواقعي ، وقسم للجانب العلمي البحت ، وقد وضعناه في " برشامات " تلطف من دسومته وتجعله مقبول الاستساغة في أذهان القراء والله ولي التوفيق.

جدة فى ١٠ ربيع الثاني سنة ١٣٩١ ه الموافق ٤ يونيه ١٩٧١ م

١ الجانب الوصفي للرحلتين .

كانت امنية لى قديمة . . أن أشاهد " الجار " فرضة المدينة المنورة التاريخية ، المندثرة التى لا يزال اسمها رطبا على ألسنة أهل المدينة المنورة ، فهم يذكرون الجار في المناسبات ، وهم يعرفون الجارميناءهم القديم الذي طالما أفاض عليها الخيرات الواردة اليه من مختلف أقطار العالم القديم وموانئه المشهورة الكبيرة .

وهم يذكرون في المناسبات ما ذكره لهم التاريخ الاسلامى الخالد من حادث رسو السفينتين الحبشيتين اللتين نقل فيهما " النجاشى " بقية صحابة النبى صلى الله عليه وسلم الذين كانوا عنده ببلاده مهاجرين الى المدينة يذكرون رسوهما فى هذا الميناء . . ثم هم يذكرون أن عمرو بن العاص امير مصر حمل لهم من مصر عشرين سفينة لاسعافهم بالطعام استجابة لأمرأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ،

في عام الرمادة الذى اكل الاخضر واليابس بما استمر فيه من قحط ومحل وشح امطار . . وكان ذلك العام ، العام الثامن عشر للهجرة . . وقد رسا ذلك الاسطول التجارى الاسعافي الكبير بميناء الجار القريب من طيبة ، ومنه نقل الطعام الوفير الى مدينة الرسول .

كانت أمنية الرحلة الى ميناء الجار تراودني وتعاودني هجيراها منذ هيئ الى ان اقوم برحلة خاطفة مؤنسة الى ينبع البحر في عام ١٣٥٣ه على سيارة من سيارات اللوارى كانت وحيدة فى المدينة اذ ذاك ، وكان يمتلكها فضيلة السيد محمود احمد مد الله في عمره . وكنا رفقة خمسة أو أربعة في السيارة . . اذكر منهم الآن السيد حبيب محمود أحمد .

وقد وصلنا الى ينبع ليلا ، وكان الليل مقمرا ربيعى الجواء ، ولم يكن الطريق مسفلتا ولا عرفت البلاد ما هو الاسفلت حيث لم يستنبط بعد من مكامنه . . كان ذلك قبل تاريخ استنباطه من مكامنه في مطاوى الأرض البعيدة ، في منطقة الظهران

بأمد وكنا قد بلغنا ذلك " الخبت " الافيح الذي يصالى ينبع من جهتها الشرقية وربما غيرها ، في ليلة مقمرة زاهية ، فارتأينا أن ننزل بالخبت الواسع الجميل ، ذى العشب الضئيل ، والقمر الساطع البهيج ، والجو الساجى الساحر المنعش . فأنزلنا افرشتنا وطعامنا في غبطة عميقة غامرة ، وفرشنا

البسط التى كانت معنا ، ورصعنا أطرافها بما كان معنا من " المخدات " ذوات الاغطية البيضاء من قماش القباطى المزخرف المكوى النظيف . . وأنزلنا أواني الطعام من قدور وصحون وملاعق كبار ومتوسطة من الخشب المصنوع في المدينة بمدرسة العلوم الشرعية، وانزلنا أواني الشاى من يراريد وفناجين

وملاعق صغا ر .. وقام بعضنا بمهمة اشعال ( مصباح الأيدة ) ذى الضياء الشمسى المشرق المتوهج ، واستعددنا لطهو الطعام ، ولتناول العشاء في هذا المكان ذى الهواء السجسج ، والطقس المعتدل الفواح بأريج الاعشاب البرية المتنامية المتنادمة .

لقد كنا في ليلتها في أعلى قمم الغبطة ، وكنا في أوج نشاطنا ولكن سرعان ما تغير الحال ، وتكدر الصفو ، وتبدد الفرح ، وحل

الجزع والارتياع محل البهحة والاطمئنان ، وذلك ان جحافل هائلة من صغار العقارب ذوات اللون الاصفر والبشرة الشفيفة والشوكات الحادة ، قد أحست بقدومنا ،

وشمت رائحة وجودنا في منطقتها الجرداء الفيحاء ، الجميلة التى تكن غير ما تظهر ، فأقبلت علينا من جحورها الخفية التى تمثل ( مدينة مخابئ متكاملة ) ، وزحفت علينا جموعها الجشعة ، وهجمت هجوما خاطفا شاملا

من كل النواحى وقد ملأت جموعها النهمة الى الفتك رقعة كبيرة من حولنا . . وحاصرتنا حصارا حربيا عارما . . وقد أسرعنا نحن مقابل ذلك " الهجوم . الخاطف الى تنفيذ خطة " الانسحاب " الكامل من المكان جملة وتفصيلا ،

قررنا ذلك قرارا عمليا اجماعيا صامتا ، ونفذناه تنفيذا عمليا حثيثا . . وقد طوينا بسرعة فائقة أفرشتنا التى كنا بسطناها قبل ثوان أو دقائق ونفضناها نفضا بارعا وسريعا وشديدا ، خيفة ان يكون علق بها شئ من هذا العدو الخبيث المغير . . .

ورفعنا كل ما انزلناه من الاوانى ، وحتى ملابسنا نفضناها وهى فوقنا . . ولو كان بوسعنا أن ننفض السيارة وخاصة الجوانب السفلية منها ، ما توقفنا عن ذلك . . لقد شعرنا بالخطر المداهم ، وشاهدنا الخطر المهاجم فقابلنا الهجوم السريع المريع ، بانسحاب سريع رائع . .

ولم نحاول قط أن نقابل الهجوم العام الذي شنته علينا صغار العقارب هنا بدفاع ما . . غير دفاع الانسحاب العام السريع ولقد ألقينا أنفسنا بعدما تفحصنا كل شئ كان معنا . . ألقينا أنفسنا فى بطن السيارة العالية ، وحتى أحذيتنا كنا قد نفضناها خشية أن يكون قد تشبث بباطنها بعض هذا العدو الصغير البشع الحقير . . وقديما قال المثل الحكيم : ( اذا كان عدوك نملة فلا تنم له )

. . وهذا العدو وان كان صغيرا في جسمه فانه كبير في سمه ، والنمل مهما يكبر فهو أصغر منه عشرات المرات . . والنمل مسكين مسالم ، وحتى ان لسع انسانا ما بمخالبه الصغيرة ، فشره محدود . أما هذا العدو " الاصفر " فشره مستطير وسمه خطر يورد الناس القبور .

وقد أومانا للسائق - واظنه عبد الحميد حجار - بأن يسرع بنا وبأن يخرج بنا من هذه المنطقة الموبوءة بحشود العقارب الصفر القبيحة المنظر والمخبر . . وبعد هنيهة  كنا على مشارف ينبع . . وانتهينا من منطقة خبت العقارب الخطر الجميل الى سبخة لا يمكن للعقارب ان تلم بها ولا أن تتخذ منها قرية أو مدينة جوفية خطرة . . فحمدنا الله الذى نجانا من القوم الظالمين .

في مأدية الغداء التى أقامها لنا المرحوم سالم شاهين في داره العامرة يومئذ . . وعلى رشف كؤوس الشاى أذكر انه جرى ذكر " الجار " بمناسبة من المناسبات . ومنذ ذلك الحين وأنا حريص كل الحرص على الرحلة الى الجار ومشاهدة اطلال الجار وآثار الجار . ولكن لكل أمر وقت معين محدود . ما كان له أن يتجاوزه ولا أن يتقدم عنه ولا أن يتأخر بحال من الاحوال . .

وقد مضيت بعد رحلتنا تلك الى ينبع سنوات عديدة تتجاوز ثلث قرن من الزمان ، تغير فيها العالم بعد حرب عالمية ثانية ضروس ، وتغيرت معالم الحياة ، ولكن الامنية العالقة بالذهن لم تتغير مطلقا .

وفي عامنا الحالى ( ١٣٩١-١٩٧١م) هيأ الله لى أن أحقق تلك الامنية فارتحلت الى الجار مرتين متواليتين لامرة واحدة ، ومكثت في الجار وقتا بل وقتين استوعبت فيهما ما امكننى استيعابه من دراسة آثاره ، ومشاهدة اطلاله ، وتفحص احواله .

وقد من الله على بلادنا بالنفط (البترول) يستخرجه الخبراء من أعماقها ، وبالاسفلت المشتق منه يفرشون به طرقه وشوارع مدنه . . وأفاد جزء كبير من طريقناالى الجار

من هذا الاسفلت . فأعاننا ذلك على القيام بالرحلتين معا الى الجار . .

وكانت رحلتنا من رابغ الى الجار في سيارتين قريبتى الشبه في الشكل والموضوع باللورى الذى كنا امتطيناه من المدينة الى ينبع البحر قبل ٣٨ عاما . . فاحدى السيارتين ( جيب ) من جيوب اليابان المعروف حديثا باسم ( تويوتا ) وثانيتهما ( ونيت ) مصنوع ايضا باليابان .

واذا كان ما بين رحلتنا إلى ينبع ، ورحلتينا الى " الجار " ينيف على ثلث قرن ، فان ما بين رحلتينا الى ( الجار ) لا يزيد عن ثلثى الشهر . وقد سفلت طريق ينبع بأخرة . . سفلت كله من المدينة بل من الظهران الى الرياض الى القصيم الى المدينة حتى ينبع البحر . . وفرش طريقنا الى الجار بالاسفلت من جدة حتى رابغ حتى النصائف ، ومن النصائف حتى (الجار) وحتى " السليم " بعده الى الشمال . . لم تشمله السفلتة حتى الآن . . ولا بد أن تشمله في مقبل الايام ان شاء الله ..

بدء رحلتنا الاولى

في نحو الساعة الثانية والنصف صباحا بالتوقيت الغروبى المحلى لمدينة جدة كانت كل أسباب رحلتنا الى الجار معدة ومهيأة على أحسن حال ، ومنوال .

الماء المثلج ، والطعام الكافي ، وأوانى الشاي ، وترمس الشاى الذي يحفظ حرارته مدة اثنتى عشرة والأفرشة اللازمة . . والاوعية اللدائنية المحكمة الاغلاق ، الكبيرة الحجوم قد ملئت بالماء النمير . احتياطا للرحلة الكبيرة ..

وهكذا كان كل شئ مهيا ومحضرا ، وقد وضعت كل اللوازم والمطالب في السيارة الصغيرة ، بعض هذه الأشياء وضع فى حقيبتها الخلفية ، وبعضها في داخلها . .

وقد كنا عملنا دراسات أولية لطريق الجار ، فى طوله ومسافته ، وفي حالته الطبيعية ، واتصلنا في جدة ببعض الاصدقاء الذين فهمنا انهم سبقونا الى الجار ، وفهمنا منهم أن الجار قريب قربا شديدا من محطة مستورة ، لا يفصل بينهما سوى شريط ضيق ، لا يزيد طوله عن ١٨ كيلومترا . . هذا اذا سرنا في الطريق غير المعبد مع دليل خبير بها ، وبمواقع الارض الصالحة لسير السيارة الصغيرة . . فاذا أخذنا في الطريق الصالح فما هى الا دقائق حتى نكون عند " البريكة " - " الجار " . .

وقد حذرنا هذا الصديق - والحق يقال - من أن نسير بسيارتنا الصغيرة وحدنا من غير أن يكون معنا دليل خريت ، فان الارض هناك بها أماكن مسبخة وطرق لا يكشف سطحها عن خطورته . . فما يدري السائر أو السائق الجاهل بطبيعتها الا وقد ساخت عجلات سيارته فى مكان كان يحسبه آمنا وجلدا ومناسبا للسير الآمن .

وأضاف هذا الصديق يقول : ان هناك طريقا أخرى أبعد وأسلم ، بأن نذهب حتى بدر ، ومن هناك نلوى عنان راحلتنا صوب ينبع على الطريق المسفلت حتى يوصلنا الى " السليم " - بضم السين المهملة - وهناك نميل الى الجنوب تاركين خط ينبع المسفلت الى يميننا ، لنركب طريقا وعرا بعض الوعورة ولكنه سليم كل السلامة،ومسافته حتى الجار نحو ١٦ كيلو مترا، وهذه الارض ليست بأرض مسبخة ، ولا خطر علينا منها ولا ضرر يلحقنا مطلقا . . وأضاف يقول : فاذا

رأينا - كما يقترح - أن نركب متن هذا الطريق " السليم " الطويل فذلك - في نظره وتجربته - أضمن لسلامتنا ، ولسلامة سيارتنا ، وأجدر بأن يكون وصولنا الى الجار - البريكة - سالما وراشدا أمينا من مخاطر التعويق .

وزاد صديقنا " المستشار " أن له صديقا في ميناء رابغ خبيرا بهذه المسالك ، ومن الخير لنا أن نذهب اليه ، وأن نتخذ منه دليلا في رحلتنا ، حتى نكون بمنجاة من المتاعب وحتى تكون هي بمفازة من الاخفاق

استوعبنا كل هذه " التعليمات " من الصديق المفضال : الصديق عبدالقادر طاهر وأنا وأزمعنا أن ننفذ تعليماته بكل دقة وبكل حرص وانتباه . .

وفى ليلة الجمعة ٢٠ صفر ١٣٩١ ه - ١٦ ابريل - نيسان ١٩٧١ م رتبنا أمور الرحلة الاولى على ما سبق تبيانه ، وقررنا فيما بيننا أن نخبر صديقا ثالثا لنا هو الاستاذ محمد بن علي السنوسي ، شاعر

الجنوب المعروف . فاذا قبل زمالتنا كان لنا بذلك حظ طيب . وبالفعل عرضنا عليه " الخطة " كما يقول سياسو هذا الزمان واقتصاديوه وعمرانيوه - فأبدى موافقته التامة "غير المشروطة" على الفكرة بحذافيرها.

وفي الساعة المحدودة كنا نحن الثلاثة في داخل السيارة الصغيرة . وانطلقت بنا فى هدوء حثيث الى محطة " ذهبان " فالى تول ، فالقضيمة . . وبين هاتين المحطتين استرعى انتباهنا منظر ثلة من الابل تتبعهاحيرانها(١) الصغار ، ومعها راعيها ، لقد جمعها الراعى الاعرابي على هذا الخزان الكبير المرتفع

الذى بنته الحكومة العربية السعودية فى هذا الطريق لكي يروي أهل المنطقة من بادية وريفيين ، ويروي معهم المسافرين والانعام بماء عذب نمير مجلوب في قصب مجوف مدفون تحت سطح الارض ، من مكان بعيد . لقد راقنا منظر الابل المتجمعة على خزان الماء لتشرب فأخذنا منظرا لها تراه فيما يلى :

الى رابغ

ومن القضيمة انطلقت بنا سيارتنا الصغيرة على الخط اللاعب المسفلت انطلاقة السهم  ، و كانت مع سرعتها الخارقة تتهادى فى سيرها الحثيث المريح ، وهكذا حتى رأينا أمامنا مشارف رابغ . وقد انتحينا جانبا .ونزلنا من السيارة ، وانزلنا بعض ما كان معنا من الزاد ،لتتناول الافطار ، في  هذا المكان الجميل ، وفي هذا الجو الصحي العليل .

وبسطنا بعض ما كان معنا من فرش ووضعنا المخدرات علي أطراف الفرش : وأخذنا الصخرة المزخرفة المنسوجة من اللدائن المضغوطة . وأتينامن السيارة باحدى الثلاجات المملوءة بالماء العذب الخصر " البارد " .

وكان الشاي المنعنع في " ترمسه " الازرق ذى العنق الفضى المتلامع الذي ثبت به غطاؤه الفضى المشرق ، فهو ذو فائدة مزدوجة . . هو غطاء محكم للترمس ، وهو في الوقت ذاته كوب كبير يصب فيه الشاى ويرتشف إذا ما نحي عنق الترمس الذي يشده شدا ، ويمنع ذرة من الهواء - ان كان للهواء ذرات - أن تقتحم هذا الترمس المحروس المصون . .

في هذه اللحظة لا أدرى ما الذى ذكرنى برحلة ينبع القديمة . وقد تذكرت عندها في تهويمة من تهاويم الخيال الجامح المحلق ما كنا عليه من شظف الحياة بالنسبة لحالتنا الرافهة الحاضرة . . لقد كنت أرى اللورى القديم عجبا من عجائب السعادة والنعيم . . واليوم لا يروق لى مطلقا ان أركب ما هو أحسن منه حالا وأسرع منه

ارقالا وتذكرت ان لى الحق في أن انظر قديما الى " اللورى" القديم الذى أمتطيته في سعادة غامرة منذ ٣٨ عاما نظرة اكبار وتقدير . . فقد كنا قبل ذلك بزمن وجيز نتخذ من القوافل البطيئة السير عطايا لنا في أسفارنا . . وهي تخضنا خضا مرعقا طيلة الرحلة ، وهي ابطأ من السلحفاة .. في سيرها الوليد الممل ، فكم نحن سعداء يوم

دخلت الينا السيارة في هذا العهد ، وصارت شريكة للجمل ، وذات نصيب محدود في حركة الاسفار أول الامر . . ثم صارت هي الواسطة الوحيدة آخر الامر . وتلك السيارات القديمة التي كانت في الظارنسا في قمة الرفاهية والسعادة بالنسبة لنا هى كانت  أشكال وأوضاع منحطة بالنسبة لسياراتنا الفخمة المريحة اليوم . . وكانت تسير في طريق لا تعرف للتعبيد بله للسفلتة معني . .

كانت تتراقص فوق النجاد وتترنح في الوهاد ، وكانت عجلاتها تسوخ دائما في الرمال والاوحال ، وربما سارت على غير هدى حينما تضلل القفار المترامية ، السائق فترمى به في مكان سحيق .

ثم عدت من رحلتى الخيالية الممتعة الى الى عالم الواقع الحميد ، فاذا بنا جلوس مرحون منشرحو الخواطر ، نتناول ما لذ وطاب من أطايب الطعام المطهو في جدة . . قبل ساعة ونصف الساعة من قدومنا الى رابغ ، ونرتشف كؤوس الشاى المنعنع الطازج المصنوع في جدة والموضوع في هذا الترمس اللطيف المنظر والمخبر .

ولو كان سفرنا من جدة الى رابغ على الجمال أو الدواب الاخرى ، ما كنا وصلنا الي رابغ بهذه السرعة المريحة الخاطفة ، واذن لكنا قد احتجنا الى بضعة ايام ينالنا فيها من الرهق والمتاعب الشئ الكثير ، واذن ، ما

اسطعنا ان نتناول ما نحمله معنا من جدة ، من طعام طازج ، وشاى ساخن ، كما نفعل الآن .

وبعد ان " فرغنا " من " افراغ " بعض ما فى الصحون وبعض ما فى الترمس والثلاجة من طعام وشاى وماء - في بطوننا ، ملنا الى قسط يسير من الراحة والاستجمام ، ثم نهضنا وجمعنا ما فرقناه ، مرة أخرى في السيارة الصغيرة ، وألقينا بأنفسنا في داخلها مرة أخرى . وقد سألنا من كان قريبا منا عن دار الخبير الرابغي بطريق البريكة من مستورة على ما تلقفناه من فم الصديق الذى سبق ان قدم الى البريكة قبلنا ، وخبر أحسن الطرق وأسلمها وأقربها وأبعدها اليها .

وقد وقفنا على دار " الخبير الرابغى" فلم تهيأ لنا لقياه ، قيل لنا : انه ذهب بسيارته المرسيدس الى السوق ليشترى بعض اغراضه . . فذهبنا الى سوق رابغ القريبة منا ومن داره ، نترقب لقياه ، وقد وصف لنا بعض من سألناهم لون سيارته المرسيدس واخيرا قابلنا شاب قال لنا

انه رآه في مكان ما بالسوق ودلنا على مكانة . . فاذا هو واذا سيارته المرسيدس واقفة بجانبه فسلمنا عليه وحييناه وقابل تحيتنا بمثلها ، ودخلنا معه فى الموضوع رأسا وبلا مقدمات . وكان صريحا في افادته لنا عما سألناه عنه . . قال : أن طريق الجار من مستورة بعيد جدا ووعر جدا ومملوء

بالسباخ التى تسوخ فيها عجلات سيارة مثل سيارتكم هذه الصغيرة فلا يمكنها أن تسير فى ذلك الطريق وتسلم ، ولا يمكنكم أن تمتطوها وتصلوا . . لا بد لكم من احدى سيارتين : اما سيارة جيب واما سيارة ونيت . فأقيموا أمركم على هذا الاساس .. قبل كل شئ . .

وهكذا وقفنا على الحقيقة المرة . . فهل يا ترى نستمر في سيرنا الى الامام على سيارتنا ؟ أو نعود الى مدينة جدة ايثارا للراحة وبعدا عن المتاعب غير المجدية ؟ أو نبحث عن سيارة جيب وسيارة ونيت ونمتطى ما نحصل عليه منهما الى البريكة في رحلة شاقة مرهقة ..

وتبادلنا الآراء . . وبالتالى عقدنا " مؤتمرا ثلاثيا ، عاجلا . وبعد دقائق معدودة قر رأينا الاجماعى على أن نبحث عن سيارة جيب أو سيارة مرسيدس ونمتطيها بأى حال ، سواء اكان الحصول عليها أعارة أم اجارة . . فلا بد مما ليس منه بد . .

وانطلاقا من هذا "القرار الاجماعى " البات بدأنا في البحث وقد يسر الله الامر ووجدنا صديقا لنا لديه سيارة جيب ولها سائق خبير بهذه الطريق فامتطيناها واتجهنا الى الشمال . .الى البريكة .. وقد سمعت عندها بضنا وهو يمثل بقول الشاعر :

"لا يد من صنعا وان طال السفر "

والحمدلله على توفيقه ، والحمد لله على تيسيره فاننا لم تتخاذل ولم نتواكل ، عندما علمنا بالحقيقة الدامغة التى دحضت ما كنا نتخيله من قرب البريكة الى رابغ ، ومن سيهولة طريقها وامكان اجتيازها بسيارتنا الصغيرة متى ما وجدنا مرشدا عارفا بالطريق . . بل كان منا " تصميم " وعزم واقدام على اقتحام الطريق والوصول الى " الجار " مهما جار الطريق أو مهما يجر الطريق - بضم جيم يجر - على أدق تعبير وأصحه . . وعندها وجدتني أتمثل بقول ابى الطيب :

على قدر أهل العزم تأتى العزائم

وتأتى على قدر الكرام المكارم

وتعظم فى عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

الجيب يركض ويقفز

وقد سار بنا الجيب القوى النشيط على الطريق المسفلت من رابغ حتى النصائف . فما وجدنا فرقا كبيرا بين سيره وسير

سيارتنا الصغيرة اللهم الا في خضه لنا خضا هينا خفيفا لطيفا . . وقد تمكنا من شرب الماء بسهولة فوق متنه بل تمكنا كذلك من ارتشاف كؤوس الشاى المترعة ببعض سهولة ، وأكلنا شيئا من البسكويت وتحدثنا فقد زال كابوس الغم أو الهم عن صدورنا وحل البشر والتفاؤل والمرح محل ذلك الكابوس الثقيل الذي كاد يفقدناسيطرتنا على أعصابنا ، وكاد يعيدناالقهقرى بما كاد يدخله علينا من اليأس الذى يتلوه الاخفاق عادة . .

ذكرى بالمناسبة

وذكرني ركوبي هذا الثاني لسيارة الجيب - ركوبى لها لأول مرة قبل عشر سنوات خلت في مدينة جدة ، فقد تسلل الخراب ذات ليلة الى السيارة الصغيرة التى اركبها الى احدى الضواحي من جدة . . وعالج السائق الماهر اصلاحها فما تمكن . . فلما مضى وقت غير يسير على وقفتى على حافة الطريق مر بي صديق كان ممتطيا " جيبه "

. . فعرض على أن أركبه معه ليوصلنى حيث أريد . . وبحكم الاضطرار وافقت فركبت ، فاذا بى اجدنى فوق ما يشبه الحمار أو البغل ( خضا ) واضطرابا وعدم استقرار ، فلما نزلت عندما وصلت شكرت له صنيعه . . واستمر هو في طريقه ،

ودخل في روعي أن أكتب كلمة صغيرة عن ( الجيب ) والفرق الشاسع بينه وبين السيارة الصغيرة في الارتياح والهدوء من جهتها ، والاضطراب ومعاناة القفز والارتجاح من جهته ، فكتبت الكلمة ودفعت بهاالى جريدة محلية أظنها جريدة ( البلاد ) فنشرتها وكان فيها وصف لما يعانيه راكب الجيب بعد ركوبه للسيارة الصغيرة من خض

واهتزال بالغين . وحيث الكنية بيت المتنبى : ومن ركب العير بعد الجوا د ، أنكر أظلافه والخبب

فى النصائف

بعد نحو ساعة وربع كنا قد بلغنا المكان المعروف بالنصائف ، ويقع بين محطة مستورة ومحطة بدر في طريق جدة - المدينة . ويزعم السائقون انه دعي باسم " النصانف " لكونة عند الطريق المذكور آنفا . . وهي دعوى الى الف دليل ودليل . ويعوزها الاثبات .. فنصف الطريق بحسب ما بين المدينتين من الكيلومترات يقع عند الكيلو ٢١٢ الذي يلقاك قبل النصائف وانت متوجه من جدة الى المدينة - بعدة كيلومترات .

وقد كنا مسترسلين في حديث لذ ، شهي عن الادب والرحلات وجمالها ومتاعيها ومباهجها وفوائدها . . فاذا بنا نخض خضا غير عادى ، ولما التفتنا الى الطريق وجدنا أنفسنا قد زايلنا الطريق المسفلت وولجنا طريقا ليس هو طريقا في حقيقة الواقع وانما هو قفر أجرد غير متساوى السطوح ، بعض سطوحه آكام عالية ، تحتها وهاد عميقة ، وبينهما أخاديد وحفر وطلعات ونزلات غير منتظمة ولا تعرف للنظام أو التنظيم معنى .

لقد قطع السائق النصائف عقب دخوله لها بالعرض ، أو قطعها قطعك للحبل على ما يعبر به الأعراب في تحديد أواضيهم وأوديتهم وأماكنهم ، وتابع سيره الى الغرب الشمالى ، تاركا وراء ظهره كل خط الاسفلت .

عندئذ أدركنا اننا دخلنا في المرحلة الثانية والأخيرة من الطريق الى " البريكة " هو

الوخر الذي في ماضيه تعييدا والذى أصبح موجودا منذ عدة قرون . .

من هنا اذن كما قال لنا التغيير الرابغى الى البريكة علينا أن نجتاز ، ٣ كيلومترا.. كلها على هذا النحو أو ما هو أشد من هذا النحو ، وقد أدركنا أن السائق انما يسير على " بوصلة " معلوماته وخبرته فحسب ، والا فليس أمامه خط أو شبه خط يسلكه فيما نراه ونشاهده ونتيقنه . .

ومضينا في اتجاهنا الى الشمال الغربى ، وكلما أممنا في السير الى الأمام سيرنا بازدياد وعودة الطريق فتذكرنا قول الشاعر رؤية بن العجاج يصف مثل هذه الطريق ، أو مثل هذه التنوفة :

وقاتم الأعماق خاوى المخترق

مشتبه الاعلام لمساع الخفق (٣)

ومما لاحظناه مشاهدة أننا لم نر في هذا القفر الأفيح المترامي الأطراف ، حيوانا يسير ، أو طائرا يطير ، أو شجرة ذات ظل ظليل .

وقد بدأ السراب يتلامع امامنا ومن جوانبنا ، كبحر متماوج ملئ بالعذب النمير ، وما هو بماء ولا بحر ولكنه خدعة الحرور

المتوقد للمسافر الظامئ الشديد الظمأ . . تتلاعب أمامه أو تلعب به لعب الصوالج بالكرة أما نحن ، فلسنا - والحمد لله - بحاجة الى ماء . . فالثلاجات وأوعية اللدائن الواسعة ، كلها مملوءة بالماء النمير ومنه ما هو مثلج لشربنا ، ومنه ما هو غير مثلج لقضاء أغراضنا ولملء وعاء الماء في السيارة اذا اقتضى الأمر ذلك . . فليتلامع السراب ،

ولتتراقص جوقاته المخادعة ، ما شاء له التلامع وما شاء لهن التراقص ، فاننا بمنجاة من أحبولته الفتاكة . وهذا ولا ريب أثر من آثار لطف الله وفضله على البشر بما وفق اليه المدنية الحاضرة فطوعت كثيرا من الجوامح ، وأمنت كثيرا من الاحتياجات ، ومنعت كثيرا من الآفات . .

وقد كانت سيارة الجيب في كرب لا محالة من هذا الطريق ، ولو كانت ذات روح لحنت وأنت وتلبئت كثيرا . . ولكنها جماد متحرك أو محرك لا يعي من أمره ولا من أمر من يحركه شيئا ولا يتأثر بتعب ، ولا يروعه نصب .

وقد رأيت مقدمها في صعودها لبعض الآكام والتلال رأيته يرتفع صعدا حتى يكون ارتفاعه ( عموديا ) ، ورأيته ينخفض حتى يئيض انخفاضه ( عموديا ) . . ولا تسل عن حالنا نحن الركاب . . فنحن اذا ارتفع مقدم السيارة ملنا على بعضنا مبلة واحدة الى أسفل ، واذا انخفض ملنا على بعضنا ميلة واحدة الى أعلى . .

وكان احدنا - محمد السنوسى - خارجا منذ أسابيع حمى برداء - ملاريا - أصيب بها في جازان . . وكان معه بقايا ضعف من آثارها ، وقد أثر هذا " الخض " و " الرج " عليه وأثر هذا الهبوط وهذا الصعود غير المتوازن عليه كما اثر علينا ولكن أثرهما عليه كان أوقع ، لأنه - كما

قلنا - لا يزال في دور النقاهة ولكنه - والحق يقال - كان صبورا جلدا حمولا . ولقد سألته عن حاله وعرضت عليه ان نقف الرحلة قليلا وننزل من على السيارة بعض الوقت ريثما يستجم ويستانف نشاطه . .

فأبى ذلك اباء الشهم النبيل . . ولكننا عندما وصلنا مرسى ( الرايس  ) بقرب البريكة . جنوبا عنها شعر ببعض تعب . . فأنبأنا به ، فنزلنا هنيهة ريثما استعاد نشاطه وزال عنه بعض ما كان ألم به . .

وكان أكثر ما أرهق أخانا محمد السنوسى كثرة وقف السيارة أثناء السفر من أجل التقاط بعض المشاهد بالآلة المصورة التى كانت معنا . . ولكنه كان يتجلد وربما نزل حينما يراد التقاط صورة للرحالين الثلاثة .

فى وادى العصلة

ها نحن أولاءالآن نسير سيرا شبه وئبد في "وادى العصلة "

كان ذلك في الساعة الخامسة والنصف من النهار والشمس تسلط أشعتها المتوهجة عهوديا على هذه الصحراء القاحلة . . فتحيلها الى شبه أتون . . أشعة الشمس تهبط عموديا الى ما يقارب لونها الابيض ويشاكله من هذا الفقر ، فيزداد بذلك توقده وشواظه . . ويضغط علينا نحن أصحاب الجيب حرور الشمس من فوقنا وحرور الارض من تحتنا فاذا بنا بين نارين . . ولكن لا بد من التحمل . . وفي الأثر تحريص قيم على هذا التحمل : " اخشوشنوا فان النعمة لا تدوم . . ولا بد من ممارسة الاخشيشان . لتقدير قيمة الرفاهية وللاحساس بنعمتها ، إذا ما أعمل المرء عقله في قياس الفوارق بين الجانبين . .

ووادي العصلة - بفتح فسكون ( ٢ ) - هو واد عريض غير اريض ، أعشابه باهتة متناثره متباعدة حتى لا تكاد تفرق بينها ، وبين الارض البيضاء التى هى عليها ، وقد جرى على لساني بيت من الشعر وأنا اتأمل هذا المنظر . والبيت هو قول الشاعر :

فعيناك عيناها وجيدك جيدها

سوى ان عظم الساق منك دقيق

وكيف لا تدق سوق هذه الاعشاب وترق وهى تشكو قسوة الطقس ، وهجر السحاب ؟! ان حالة هذه الشجيرات أو هذه الاعشاب البائسة الناعسة لتدعو الى الرثاء والاشفاق ثم الدعاء بأن يبعث الله أمطارا سحاحة تهطل على أوديتها وآكامها باستمرار ، حتى ترتوي ، فتغلظ سوقها ، وتستعيد نضرتها وشبابها وجمالها وحيوبتها المفقودة . .

جهد يضيع

ما أكثر الصور التى التقطناها للمناظر والمعالم في ( رهلة الجار ) الاولى . . وما أشد تعبنا من جراء ذلك . . فكل صورة نلتقطها

نضطر لوقف حركة السيارة . ويضطر من يلتقط الصورة للنزول منها وللصعود مرة ثانية . . وكلا النزول والصعود بالنسبة لراكب سيارة الجيب متعب . بعض الشئ . .

لانه يضطره للوثوب الى الارض كما يضطره للقفز عن الارض الى السيارة . ولا تسل عن الركاب ، فانهم يعانون من هذا الامر أشد مما يعانيه الصاعد الهابط . لأنه يمر بهم ويضطرهم لافساح المجال له في رقعة شديدة الضيق ، هي ( غمارة الجيب ) في كلا هبوطه وصعوده . .

ومع بالغ الأسف ، فاننا بعدما التقطنا عشرات المناظر والمشاهد ، وعدنا الى جدة ، قدمنا ( الفلم ) لمن يحمضه في استوديو خالد خاشقجي بالبغدادية وقد تبين ان الفلم كان أبيض خاليا من أثر أية صورة التقطناها . .

ولست أدرى الآن سببا لذلك: هل هو قدم الفلم وانتهاء أمد صلاحه لتحمل الصور ونقلها ، أو ان أحدا أجرى بالمصورة حركة سلبية أفقدت فلمها مزية التقاط الصور . . على أية حال فقد تبين عدم التقاط الفلم لأية صورة . . فكان في ذلك خسارة فادحة لنا ، برمنا بها وأسفنا ، لان الصور هى الألسنة الناطقة اليوم عن الآثار والمشاهد المنظورة في الرحلات . .

وهكذا ضاع ثلث الجهد في الرحلة . . أو نصفها الثانى الحساس ذى الأهمية البالغة . .

وشئ آخر زاد من لوعتنا من ضيعة الجهد ألا وهو ما حدث من اتعابنا لأنفسنا عامة ، ولصديقنا الذي لا يزال في دور النقاهة خاصة . . على غير طائل . .

حقا ان هذه الحياة أم العجائب والغرائب . . فكم جهود ضئيلة أثمرت ثمار كبيرة . . وكم جهود كبيرة ثم تثمر أى ثمار او آتت

ثمارا هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع . . ومنذ علمت ان الآلة المصورة كانت فارغة وان افلامها كانت سلبية . . فكرت في الامر مليا . . لا بد من العودة ثانية الى ( الكزابير) وهذا اسم ( الجار ) في عرف السكان اليوم . ولا بد من اعادة التقاط صور المناظر والمشاهد في الرحلة الثانية التى لا بد من ركوبها عما قريب باذن الواحد الأحد الفرد الصمد . . جل وعلا . .

ولو ..

ولو كانت طبيعة أرض هذه الصحراء الشاسعة في وادى العصلة ، وما حوله من أودية وأرضين وانجاد ووهاد وخدود _ لطيفة . وذات أمطار متواصلة ، لكانت حالة هذه الاشجار الذابلة الذاوية الهزيلة ، غير حالتها الآن ، ولكان وضعها مخالفا تماما لوضعها المؤلم الراهن . . اذن لكانت نضرة باسمة مفعمة الجذوع والغصون بماء الحياة .

وقد ارادت حكمة الباريء جل وعلا أن تظل هذه الصحراء ظمأى يابسة غير مؤنسة وبائسة غير رافهة ، وأن تبقى أشجارها ذابلة هزيلة يحرقها الظمأ . ويعصرها الجو الملتهب .

ويوم تريد حكمة الله ومشيئته أن تغير حال هذا القفر ، وحال هذه الاشجار ، يومنذ يحل محل الجفاف أمطار مستديمة غزيرة . يتلوها ظهور أعشاب نضرة وسموق أشجار وأدواح مخضرة تبعث الفرح حيا في النفوس .

قطعنا وادي العصلة عرضا من الجنوب الى الشمال . وقيل لنا : ان عرض وادى العصلة هذا . يبلغ زهاء أربعة كيلومترات . قال لنا هذا دليل الرحلة .

مرسى الخيام

وشاهدنا من بعد غير بعيد جدا ، " مرسى الخيام " وهو مرسى بحري صغير ببحر القلزم الذى اصبح اسمه العالمى البحر الاحمر . . ويقع مرسى الخيام بالنسبة لمسيرتنا إلى الشمال في ناحية الغرب .

الشاطئ الباسم

وتابعنا السير ، صوب الشمال ، ( في الرحلة الثانية ) يحدونا أمل باسم بأن لا بد من أن ننتصر بمشيئة الله جل وعز في معركة الوصول الى البريكة . ولا بد أن نلتقط صورا لمعالمها وآثارها وأطلالها .

والامل دائما هو الرائد المقدام للانسان الذي يحفزه حفزا بالغا لبلوغ قمم النجاح وتجنب مهاوى الاخفاق .

وكان ما قطعناه من مسافات ، وما وصلنااليه من أمكنة ومراسى ، خير مشجع لنا على متابعة الرحلة والتفاؤل الطيب الحميد .

وكان في مشاهدساحل بحر القلزم _ هذا . خير تعويض لنا عما كنا نعانيه من تعب ، وما كنا نشاهده من مناظر برية كئيبة ، فقد كان هذا البحر " بساما " لنا ، محييا ، رائعا . فتانا . . كان " شريطا سحريا " ممتدا أمامنا . يعرض لنا فيه محاسنه وكل ما يجلب لنا المسرة والانشراح ويزيح عنا الكآبة والأتراح .

وكنا تارة نقترب من شاطئه الأخضر تعجيب ، فنمتع أبصارنا بمشاهدة لونه الساحر ، وكنا طورا نبتعد عنه بعض الشئ ، فيفتح لنا ميدانه المفعم بالجمال والحيوية . .

وباعث قربنا منه يتمثل في مجاراة طبيعة الارض التى نسير عليها . . فهى هنا غير رخوة ولا مسبخة كثيرا . . انها رمل متماسك أبيض شديد الصلابة . . فلا ضير على عجلات السيارة منه ، ولذا فهي تستغل طيبة الارض فتقترب من الساحل الحبيب الجميل .

وابتعادنا عن الساحل سببه هو نفس سبب اقترابنا منه ، فان السائق الحاذق يلاحظ قبل كل شئ طبيعة الارض التى نسير عليها والتي لا نسير . . فان رآها رخوة رطبة تباعد عنها فتباعد عن الساحل البديع . . بحكم الضرورة والمصلحة والاقتضاء . كان السائق في هذه الحالة كطائر القرلى - بكسر القاف والراء وفتح اللام المشددة المقصورة - تماما . . والقرلى

هذا طائر حذر من طيور بلاد العرب صغير الحجم ، يتعلق بأغصان الاشجار ، فان خاف شيئا أسرع الى الهرب . وان أرى ما يسره ولا يضره تدلى من الغصن . . وقد قال أحد شعراء العرب ناصحا الانسان بأن يكون مثله في حذره ويقظته لمواقع الخبر والشر :

كن حذورا كالقولى   ان رأى خيرا تدلى

أو رأى شرا تولى

واذن فللسائق الحق كل الحق ، في قربه من الساحل اذا اقترب منه ، وفي بعده عنه اذا ابتعد . .

وقديما قال المثل العربى الحكيم : ( قتل أرضا عالمها ، وقتلت أرض جاهلها )

و ( الشاطئ الباسم ) هو كل ساحل هذه المنطقة الواقعة بين ميناء رابع وميناء ينبع ، عامة ، وهو كله باسم ، خاصة "ساحل الملعب " وما وراءه من السواحل القريبة منة

حتى البريكة أو الجار أو الكزابير . . ما أروع منظر " ساحل الملعب . بين السواحل ، وما أجمل خليجه بين الخلجان . ان منظر خليجه سندسى أخضر زاه فتان . . هذا هو منظره الفائق الرائق الذي شاهدته عيانا من وراء نظارة الشمس القاتمة . .

ويقولون : ان خليج أبحر في جدة يعد من أجمل خلجان العالم . . وقد وصفه ( ابن جبير ) في رحلته الشيقة البليغة وصفا أبرز فيه محاسنه وهدوءه وروعته . . وأعتقد ان خليج ساحل الملعب أجمل منظرا وأرق هواء . . وأشف بطحاء ، وأشرق وأقل صخورا ، وشعابا ، وأقذارا . . وربما أكثر حيتانا.. وأطيب . .

ولو كانت لفتة ايجابية مرتقبة الى هذا الشاطئ الباسم الناعم المياه والبطحاء والارض والهواء . . لوجد الناس فيه متعة وصحة ونشاطا حميدا ، اذا ما أرادوا الاستجمام والاستحمام . ونعتقد انه اذا سارت الامور على ما هى عليه اليوم ، وهي سائرة ان شاء الله ودائمة السير الى الامام

. . فانه سيأتى يوم يعرف المواطنون فيه متزلة هذا الشاطئ من بحرهم فيمنحونه الود والاقبال . وهو بدوره سيمنحهم من طبيعته الخيرة السخية ما يعوضهم بكل مسرة وما يدفع عنهم كل آثار مضرة .

الهواء هنا سجسج ناعم نظيف شفيف وقد ملأه الخليج الاخضر ، لطاقة واكسجينا وحيوية . .

انه ساحل جدير بالحياة . وجدير بأن يهبه المواطنون شرف التقدير الذى ينقذه من عزلته ، ويجعله مليئا بالحياة والسعادة والغبطة . . وهو _ الى ذلك - قمين بالعمران

والازدهار - وما راء كمن سمعا - كما يقول الشاعر العربى الحكيم القديم . وربما سبقت عصور ازدهار وحركة ونماء في هذا الساحل المهجور اليوم . . فان البقاع تسعد وتشفى . . كالانسان ، وتعمر وتخرب ،

وتزدهر وتندثر . . ثم يعود اليها الازدهار . . والعمران مرة اخرى . . ولربما يأتى يوم في هذا القرن الذى نعيش فى اخرياته يعود العمران النضر الكبير ، الى هذا القفر الخالي المهجور . . فيعود ميناء الجار ، ويعود جيرانه الى الأزدهار . . ولله في خلقه شؤون .

يمتاز هذا الساحل بانه ساحل بحرى برى . . بمعنى أن البحر يكتنفه من الناحية الغربية ، وأما نواحيه الأخرى الشرقية والجنوبية والشمالية فهي " برية " فيحاء قوراء واسعة ، والجبال عنها جد قاصية . . وهي في ناحيتها الشرقية الى نحو بدر أكثر من نواحيها الاخرى سعة .

وبمناسبة ما قد يكون مرت به هذه الارض الخلاء من عمران وتعمير في سالف الحقب ، تذكرت واديا في جنوب المدينة قرب السد الجنوبى وفي الطريق اليه من المدينة . . فهناك برحة مغبرة قاحلة ، لا يخال المار بها انه من الممكن أو من الواقع أن تكون لامستها فترة سعادة وحيوية في الماضى مطلقا بالنظر لبشاعة واقعها وجدبها وكآية منظرها . . وبطحاؤها أو ترابها  كما هو مشاهد الآن تراب مسخ ناعم دقيق لا حياة فيه ولا أثر للحياة . . ولكن هذه البرحة المستديرة كانت في سالف العصور مثاية نعيم ومتنزها مقصودا لأبناء الجنسين

من شباب صدر الاسلام . . وقد دلنا على هذا الواقع الماضى المتناقض تماما مع الواقع الحاضر بيتان من الشعر الجزل القوى نقرأ بالازميل من قبل شاعر فحل سجل اسمه مع شعره . . على سطح صخرة كبيرة ملساء السطح . أشبه بلوح رسام كبير ينقش فوقه رسومه ليخلدها عبر الاجيال .

وهذان البيتان اللذان أعطيانا ما لم نكن نتوقعه . بل نعتقد كمعاصرين انه مستحيل الوقوع بالنسبة لمنظر البراح المشاهد اليوم هما هذان :

هضاب بهذا السد بالصلد كلها

على كل واديها جنان من الارض

وان الغوانى لا يزلن يردنه

وكل فتى سمح سجيته غض( ٣ )

واذن فبامكانناأن نفيس ماضى هذاالساحل الذهبى في عصر لا نستطيع تحديد ملامحه اليوم . . على ماضى هذا الوادى الأجرد المكفهر القاحل الرابض قريبا من السد الجنوبي الغربي للمدينة .

ويمتد " ساحل الملعب " على يسارنا طويلا عريضا باسما .

وصيغة " ساحل الملعب " نفسها ربما تعطينا المعنى الذى أشرنا اليه انفاء . فلربما كان هنا ساحة ساحلية واسعة تقام فيها ملاعب السباب وتزخر بالعمران في سالف الزمان .

في الرملة البحرية البيضاء

بعد أن تجاوزنا " ساحل الملعب " قليلا دخلنا في رملة بيضاء ناصعة البياض . . حتى لكان بطحا،ها الدقيقة غسلت بالتايد أو بالفيم أو بنوع من أنواع المركبات الكيميائية الحديثة التى يربو تنظيفها على تنظيف الصابون بكثير . .

ويقف بجانب هذه البطحاء الزهراء الناعمة كئيب مشرق مثلها . . كأنما هو حارس أمين لها . .

في الطريق الى الرايس

يشق الذاهب من ساحل الملعب الى قرية الرايس خبتا أبطحيا ذا حبات من الرمل ناعمة متفاوتة الحجوم ، منها الدقيق جدا ، كدقيق القمح المطحون ، ومنها ما هو أكبر من ذلك . . وقد توسدت هذه البطحاء البيضاء الناعمة ، وتمددت على هذا الساحل وما يصاليه ، ونمت عليها نموا ضئيلا بعض الاعشاب البرية التى لا يؤذيها كثيرا ملح البحر الاحمر الذى يمتزج بها في أوقات المد ، مع المد .

هنا بحران متجاوران : بحر من الرمل البرى المشبع بالسباخ والملح . وبحر من الماء في طبيعته وتكوينه وحقيقته وحركته وسكونه . .

بحر الصرير

حينما كنا بجانب الشط المعروف هنا باسم ( بحر الصرير ) كانت عقارب ساعاتنا تشير الى الخامسة والنصف قبيل الظهر

بتوقيت مدينة جدة الغروبى . وكنا حينئذ نسير سيرا وسطا ، لا هو بالسريع السريع . ولا هو بالبطئ البطئ . . ان طبيعة الارض حكمت على سيرنا بما ذكر . . وقد نفذنا حكمها طائعين أو غير طائعين ..

وعلى كل فان الارض هنا - على وجه العموم - مسبخة رطبة ندية . . يتصاعدنداها وتظهر رطوبتها على سطحها . . ولا بد ان السائق يعرف حقيقة فخ هذه الأرض المنصوب للسائقين ، فقابل هذا الفخ بتأن وتؤدة لكي يتسنى له أن يتخلص من شباكه بيسر وسهولة واطمينان . ويعلو الارض قتام ، تغوص فيها الاقدام فما بالك بالعجلات الصغار أو الضخام ..

وبحر الصرير أو خليج الصرير . مثل الخلجان المجاورة له ، في الخضرة والانبساط والهدوء ، فلا تكاد ترى موجة عارمة ، أو رغوة عالية أو واطئة لمجموعة موجات يتكسرن على صخور الشاطئ .. وربما لم تكن هنا صخور دفعة واحدة . . ما هو الا رمل ناعم ساكن تحت مياه البحر . . مستلذ لهذه السكنى ولهذه السكينة الخالدة . .

ومن يدرى ! فلعل لهذا الخليج الذى تراه اليوم هادئا وادعا فلتات وحماقات وغضبات تجعله يثور ويفور . وتعلو شداقه او جبينه عارمات الامواج . إذا آن أوان ذلك في الشتاء الذي يمتد فيه البحر ويكثر الجو . فيكثر اضطراب البحر ، وارتجاجه ومواجه .

وبحر الصرير ذو لونين متلاصقين مثل بحر ساحل الملعب في هذا الشأن . ولكن بحر ساحل الملعب أكثر اخضرارا وأوسع

رقعة من بحر الصرير . . وليس بحر الصرير أخضر زمرديا كما تبدى لنا بحر ساحل الملعب من وراء منظرة الشمس ذات اللون القاتم الذى يبرز للعين الاشياء على حقيقتها في حمارة القيظ وتوهج الشمس اكثر مما تبدو للعين المجردة فيها . ويقع بحر الصرير قبل مركز الرتيقة

فى الرتيقة

والرتيقة - بضم الراء - هي أحد شواطئ هذا الساحل ، وهي ذات منظر يسر الناظرين ، وذات هواء يشرح خواطر المسافرين . . وكان وصولنا للرتيقة في الساعة السادسة نهارا أى فى الوقت الذي توسطت فيه ( ذكاء ) كبد السماء . . وقد شاهدنا في الرتيقة بعض قطائر لصائدى الاسماك فيها . .

وفي الدقم . .

وبعد عشردقائق من مغادرتنا للرتيقة كنا في الشاطئ المعروف بالدقم . . ولا تخرج مناظر مياه الدقم عن مناظر زميلاتها الآخريات . . فهى اما ذات لون زمردى أخضر أو ذات لون أزرق ياقوتى .

والدقم - بضم الدال وسكون القاف بعدها ميم - هو ساحل من سواحل الحواتين بهذه المنطقة . . ويبدو أن هؤلاء الحواتين لا يزالون يمتهنون مهنة صيد السمك من هذا البحر ، على غرار ما كان آباؤهم وأجدادهم من بادية هذه الانحاء في القرون الخالية يفعلون . ولولا دخول السيارات في عالم المواصلات حديثا بهذه البلاد وتثلج

الماء في قوالب توضع في صناديق كبيرة على ما رأيناه في شاطئ هذا البحر فتحفظ حالة السمك الذي يوضع فيها حتى لكانه طازج ولو مكث بضعة أيام ، لولا هذه الأمور المحدثة لما اختلف حال هؤلاء الحونين عن حال اسلافهم في أى شئ . .

قطع من الزفت عائمة

وقد شاهدنا في ساحل الدقم قطعا من الزقت الاسود ، تفد اليه عائمة على سطح الماء . وحينما ترتطم بحجارة الشاطئ تقوم بمهمة الصاق بعضها ببعض وتجعل منها كتلا حجرية عجيبة . .

وقد استرعى انتباهنا كل هذا ، فسألنا بعض من كانوا على الساحل ، من أين يأتى هذا الزفت المسود اللون ؟ وما هو مصدره أو مصادره ؟ فأحتاروا في الاجابة ، ولكنهم قالوا لنا : أنه ربما يرد من الساحل المقابل في الخليج . . ولا يدرون مصدره الحقيقى .

منظران لطيفان

يجتمع في خليج الدقم منظران للبحر لطيقان ورائعان . البحر الذي يوالى الشاطئ رأسا . وهو ذو لون أبيض مشرق . . والبحر الذي يليه الى الداخل ، وهو ذو لون اخضر شديد الخضرة عميقها .

فى خور المقلع

والمقلع _ يضم الميم . وفتح القاف واللام المشددة ، بعدها عين مهملة - والخور هنا بمعنى الخليج . وخور المقلع أو خليجه بقع بعدالدقم مباشرة

في الرايس

ها نحن اولاء ، قد بلغنا قرية اترايس او مرفا الرايس الجار الادنى للجار . . وقرية الرايس . قرية صغيرة ، تقع على ساحل بحر القلزم ملاصقة تقريبا لميناء الجار . . فليس بينهما ميناء أو مرفا آخر وهى مأهولــة اليوم . بخلاف الجار فهو خال من الحيــاة تماما . ومن يدرى فلعل ميناء ( الرايس ) الصغير يخلف في يوم ، جاره الادنى ( الجار ) فيكون ميناء كبيرا ، وبلدا ذا قصور كبيرة .

وبالرايس مســجد ، ومسـتوصـــف ، ومدرسة ابتدائية للبنين . وبها دور بعضها متلاصق تلاصقا شديدا وغــير شديد . . ومعنى ذلك أنه ليس لدورها نظام أو تخطيط معين . . كل يبنى وفق رغبته وامكاناته . .

وكل بيوت قرية الرايس من دور واحد ، وبعضها مبنى باللبن - بفتــح اللام وكسر الباء - وبعضها مبنى بالاسمنت ، بنــــاء متواضعا بسيط التقاسيم . .

وكل دور الرايس مطلية بالنورة البلدية من خارجها . . وهناك بعض أكواخ مبنيــة بجريد النخل وما أشبه .      وشاهدنا بالرايس من مظاهر الحياة الحديثة

- غير المستوصف - مكنة كهرباء خاصة تضئ . لبعض السكان دورهم وربما كانت تفئ . المستوصف . وربما تشعل (( ثلاجات الغاز )) لتبرد حرارة الكهرباء الداخلة اليها ، الماء الذى في جوفها على ما شاهدناه في قهوة قرية الكامل لبنى سليم ، وعلى مــا كــان عليـــه الحال في كثير من دور مكة وجدة والمدينة قبل دخول الكهرباء العمومية اليها . .

ولمدرسة الرايس سيارة كبيرة ( حافلة ) أهداها ســمو أمير منطقة المدينة المدينة المنورة الامير عبد المحسن بن عبد العزيز . ومهمــة هذه السيارة أن تنقل الطلاب الذين قيل لنا انهم نحو المائة من مساكنهم بقرية الرايس الى مدرستهم الاعدادية ببــــدر صباحا ، وتعيدهم مساء الى مساكنهم بالرايس مـن بـدر . .

تبعية هذه المنطقة

ومن الادارة الحكيمة ان هــذه المنطقــة الساحلية لا تزال تتبع امارة المدينة المنورة اداريا ، كما كانت تتبعها اداريا في صـدر الاسلام . . يوم كان الجار مدينة وميناء ومنطقة يعين أميرها ومدير أمورها من المدينة عاصمة الخلافة . . ولعل من أوائل هــؤلاء

الامراء الجاريين سعد بن نوفل مولى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه .

ولست أدرى مبدأ عمارة قرية الرايس . . ولكنها على كل حال . أحدث عهدا من عمارة الجار . ولعل عمارتها نشأت بعد أن خربت الجار ونزح عنها السكان وزال عنها كل أثر للعمران . .

ولعل الأصل الذى بنيت عليه القرية هو أكواخ الحواتين . . على النمط الذى سارت عليه نشأة المدن الساحلية المجاورة : رابغ وينبع والوجه وغيرها وغيرها . .

وجدة - المدينة الساحلية الكبرى - لــم تخرج عن هذا المحور في مبدأ عمارتها ، وفي تطورها ونموها . . حسب ما جاء في التاريخ . .

فقد جاء اليها جماعة من قضاعة يصطادون السمك ويتخذون منه غذاء لذا شهيا دسما . . ثم تطورت بهم الحياة ووفد اليهم أقوام من بني عمومتهم وغيرهم من الفرس ، وجاوروهم فيها وازداد عددهم فازدادت مساكنهم ، وعرف الساحل فوفدت اليه سفن البحر ، تحمــل مختلف البضائع تدريجيا ثم اتسعت القرية الصغيرة الى قرية كبيرة فمدينة كبيرة ذات

عمارات من دور ودورين وثلاثة . . والآن استفحل عمرانها خاصت بعد ارضاخ مطحون الاسمنت الصنعي للبناء وادخال الحديــد عليه . . وقد حدث لجدة - ميناء مكة - في غابر القرون قبل الاسلام ، ما حدث للجار - ميناء المدينة بعد الاسلام - ، فجدة هذه التي نراها اليوم . قد اعتراها اندثار ، وحلت (( الشعبية )) ، بجنوبها محلها في تموين مكة . . كما اندثرت الجار وحلت محلها في تموين المدينة ينبع لبحر بشمالها الغربى . وقد نهضت جدة من كبوتها على يد عثمان بن عفان وبطلب من سكان مكة . . الذين آثروا عودة ميناء

بلدهم الأقرب : جــدة ، الى تموينه مـــن البحر . .

وربما ينتظر مستقبل سعيد ، ميناء الجار ومدينته الزائلين من عالم الوجود . . فيعيد التاريخ نفسه ، وترجع الجار ميناءا للمدينة كما كانت . . فما جاز على المثل يجوز على المماثل . . وربما كان هذا الانبعاث لمدينة الجار ومينائها في عشرة الاعوام الاخيرة من هذا القرن الهجرى الرابع عشر التى نعيش

فيها . . ولربما كانت الرحلات المتواليـــــة اليها من أبناء المدينة في هذه الايام للاستجمام على خط الاسفلت الى السليم ، ومن السليم اليها على خط معبد - ربما كانت هذه الرحلات ورحلتنا هذه التى سجلنا فيها مشاهداتنا وخط سيرنا ذهابا وايابا ربما كان ذلك كله من ارهاصات الانبعاث والتجديد لعمران هذه المنطقة بكاملها ومنها ميناء الجار ومدينتـــــه المندثران . .

وبيوت قرية ( الرايس ) مبنية عـــــلى مرتفعات . . وفي ذلك أمان للقرية من مداهمة السيول التى تجري باندفاع شــــــــــديد في الوادى الى البحر . .

وفي ذلك أيضا ضمان لسلامة سكان القرية من الاصابة بالملاريا نتيجة وجود مستنقعات دائمة أو غير دائمة في المنخفضــات مــــن مخلفات الامطار .

وبناء القرية على هذه المرتفعات فيه دليل على سلامة ذوق بناتها الاوائـــــــل والاواخر وشعورهم الخفى أو الجلى بما في اقامتها في المنخفضات من انعكاسات سيئة على حيواتهم وصحتهم .

ولو أن مؤسسي جدة القديمة أدركوا مــا أدركه بناة قرية الرايس . . حينما كانــت

جدة قرية كبيرة أو صغيرة ، ما منيت جــدة قبل عهد التطور الحالى بما منيت به من وباء الملاريا المستوطن الذى كانت تنشره عــــلى السكان مستنقعاتها الوبيلة الكثيرة التى كانت تملأ شوارعها وأزقتها وميادينهــا . قبل عهد التطور الاصلاحى الحاضر الــذى أنقذ الله به المقيمين والوافدين من ذلـك البلاء المستطير .

ومن عجب أن هذه الظاهرة الوبيلة قــد لاحظها قبل نحو مائة عام مؤلــف تركى حاذق بعيد النظر ، هو ( ايوب صبرى باشا ) مصنف ( مرآة الحرمين ) باللغة التركية . . فقد كان تمنى على الحكومة العثمانية أن تقام على مرتفعات الشرفيـــة دارات جميلة ، للاسباب الصحية الكامنة في ارتفاعها عـن منخفض المستنقعات التى كانت فيها جــدة قبل التوسع الراهن . . وقــد حقق الله أمنيته فعمرت الشرفية وعمرت مرتفعــات كثيرة أخرلى غيرها ارتفع الى سكناها كثير من السكان في عصر الدولة السعودية الحالي .

من النصائـــــــف حتى البريـــــــكة

ويتراءى لى أن هذه المنطقة ، من الساحل ، التى تبدأ من غرب (( النصائف )) على الساحل ، حتى البريكة في الشمال الغربى ، هى مـــــن أقبل سواحل هذه البلاد للعمران ، لما لمسناه من لطافة مناخها ، وجمال جوها ، وروعة طقسها . ولا يكدر صفو الحيـــاة فيها الآن سوى الحرور الشديد الذي ينبعث مـــــن أراضيها الجرداء . . وربما كان البرد بهــا قارسا أيضا لهذا السبب نفسه ، فليس هنا غابات كثيفة ولا أشجار كبيرة تصد الحر اذا اشــــــتدت وطأتــــــه ، ولا غـــــابات ولا

أشــــجار تــــــرد البــــــرد إذا اشـــتد . . وليس بها مياه تساعد على تلطيف الجو . . على أنه من المحتمل جدا أن توجد في بعض أنحائها مياه جوفية كامنة في أعماق الارض . وربما لو أعمل ( الارتوازي ) في أعماقهــــا لتفجرت مياه جوفية غزار عذاب - بكســــر الغين والعين ــ

وربما كان مصدر شح الماء فيها في الازمان القديمة ناشئا عن كون وسائل التنقيب عن المياه محدودة الطاقة ، محدودة التمعيق ، وقد عالجوا هذه الندرة في المياه الجوفية بأن اوصلوا مياه عين يليل من بعض الجبال النائية بأنابيب الفخار الى البريكة ، فلما شحت أو كادت تنضب لأسباب داخلية وأمنية لـــــــم يجدوا تعويضا عنها . فكفوا عن البحـــــــــث والتنقيب . .

واذا فرضنا أن مياها جوفية غزيرة وجدت في أطباق هذه الارض النائية . . فلا ريــب في أن بعثا جديدا قويا سيشمل هذه المنطقة ، وربما نافست غيرها من السواحل المعمورة ذوات الموانئ والمدن الشامخة .

ولو مد خط فرعى مــــن الاسفــــــــــلت - توصيلة - من النصائف حتى هذا الساحل الذى تقع فيه قرية الرايس لاتسعت هـــــذه القرية بسرعة عجيبة مذهلة .

ويزداد اتساعها نموا اذا ما أدخلت اليها المياه العذبة أو فصل ملح بحرها من مائها بالأجهزة العلمية الحديثة كما عمل في جدة وفي الوجه بجنوبها وشمالها .

وحينئذ ربما تتنفس أطلال الجار : الصعداء . . وتنتظر دورها في الاحياء والانماء . . من جديد . وحينئذ تنشأ قرى وأماكن على البحر للاستجمام والاستحمام . . ولو وفق معمرون من اثرياء الوطــن في

أن يرسلوا نظرة استثمار فائض أموالهم في مشروعات زراعية متنامية . . وجابوا هــذه المنطقة باحثين عن الماء مع خبراء مختصين . . فلربما وجدوا فيضا من المياه الثرة ، وربما وجدوا أراضى واسعة خالية تنتظر المعمرين والمستثمرين في هذه المنطقة وبذلك ينالــون الحسنيين : حسنى الارباح الطائلة وحســنى الاسهام في تعمير بلاقـــع من الوطن هى في حاجة ماسة وفي انتظار مستــــديم لمن يقوم بمهمة احيائها وعمرانها .

بل ليت شعرى ما شأن هذه المياه الثـرة الوافرة الفيــــاضة فى الاوديـــة العميقــة ومن الاودية العميقة العريضة المديــــدة الى سواحل هذه المنطقة في كل عــــــام مرة أو مرتين ؟! انها وحدها لو حجزت وحفظت من هذا الضياع المطرد طيلة القرون الماضية لكان فيها الكفاية وزيادة في ازدراع واستثمار وتجميل واحياء وانماء . .

وحفظ هذه المياه الفياضة يتم ببنــــــاء السدود الفنية القوية ، ذوات الفتحــــــات المحكمة المتحكم فيها . . ان مسام الارض ترتوي

بالماء . وان الماء المحفوظ المرتفع وراء أسوار هذه الخزانات لجدير بأن يمنح الارض القفر . طاقة هائلة من الماء العذب اذا استعــمل في الزراعة والعمارة على الوجه الصحيح القويم فان حياة جبارة تنبعث من هذه المنطقــــــة بوسعها أن تباهى بها سائر المناطق المماثلة . وبامكانها أن توفر لنا الغذاء في قمح وشعير وفي دخن وذرة وفي فواكه وخضراوات .

وقد شاهدنا بعيوننا بعض آثار هذه المياه الفياضة في الوادى من الامطار والتى تذهب هدرا في أعماق البـحر الاحمر . . شاهدنـــا هذا الاثر بيننا واضحــــا عـــلى مجموعـــة

النخيل المهملة من السقيا الصناعى ، الواقفة قاماتها القويمة فى عمق وادى الرايس قبيل اتصاله بالبحر في الجانب الجنوبى من قرية الرايس .

فهذه المجموعة حفظت لها حياتها برغــم اهمال الناس لها من السقيا - الميــــاه التى تتصل بجذورها عندما يفيض الوادى بمياه الامطار في حالة عبوره من هنا الى البــــــــحر المجاور .

سكان الرايس

سكان الرايس اليوم من (( صبح )) احدى قبائل حرب ما عدا قليلا من السكان الآخرين . ويبدو أن (( الرايس )) كانت منذ فترة ماضية مرسى صغيرا لبعض السفن .

ولم أطلع بعد ، على سر تسمية هذا المكان أو هذه القرية باسم (( الرايس )) . ومن المحتمل أن يكون سر ذلك انها كانت منـزل ( رئيس الحواتين ) . . فمعنى صيغة (( الرائس )) فى لغة العرب الفصحى : ( الرئيس ) . . قال عبـــاس بن مرداس السلمى في قصيـــــدته السينية التى عدت من (( المنصفات )) :

وجردا   كأن الأسد فوق متونهــــــا .

         من القوم مرؤوسا وآخر رائسا ( ٤ )

وتوجد احتمالات أخرى لهذه التسميــــــــــة أعرضنا عنها جانبا .

في مرسى الجار

منذ أمد ، كنا نعلم أن ( ميناء الجار ) هـو ما يعرف منذ أمد باسم ( البريكة ) . وربما كان سر اطلاق أسم ( البريكة ) على الجار . . المدينة والميناء معا . . يكمن في وجود ( البحيرة ) التى يفيض اليها ماء وادى يليل ، بالجــار ،

ليروى سكان المدينة وعمال الميناء معا بالمـاء العذب السلسبيل فلما اعتراهما الاضمحلال والفناء بعد القرن الهجرى العاشر . . ظلــت ( البحيرة ) تستقبل ما أمكن وصوله وانسيابه اليها من الماء داخل أنابيب الفخار . وكان البداة والحجاج والرحالون ورعاة الانعام يعرفون هذه البحيرة ويردونها فيستقون منها ويشربون فسموها على لهجة العوام : ( البريكة ) وسار هذا الاسم حتى الآن . . برغم اندثار البحيرة ،

وتوقف جريان المياه بها من يليل . . ابقـــــاء للاسم على المسمى . . وان زال سبب الاسم .

على أن للجار إسما آخر ، علمنا به ونحن في الجار فاسمها هنا هو ( الكزابير ) . . ومعنى الكزابير في عرفهم : ( التلال ) . . وقد راجعت مادة ( كزبر ) في معاجم اللغة فما ألفيت مــا يهيئ لى نسبتها الى العربية الفصحى .

بين الرايس والبريكة  

كانت المسافة التي قطعناها بالسيـــارة في رحلتنا الاولى والثانية من قرية الرايس ، الى أطلال الجار اثنى عشر كيلو مترا .

وكان خط سيرنا في كلتا الرحلتين صــوب الجار من الشرق الجنوبى ، الى الغرب الشمالى . وقد مررنا في سيرنا على خبوت - جمع خبت - وسباخ مغرقة ، وآكام عالية . . كومتهـــا الرياح . . أو امتداد البحر في أوقات المد . .

وكانت الارض التى نسير فيها توحي بــأن خطرا ما ، يكمن في داخلها أو في ظاهرها . . ولذلك كنا نرى السائق يسير بغاية الحذر ، مسمرا عينيه في أديم الارض ، غير ملتفـــت لأحاديثنا ولا متنبه لما نقول .

وقد لطف الله بنا حينما دخلنــــا في أرض موحلة ندية شديدة الندوة ، رخوة التربــة ، هشة الأديم ، بمجرد أن دعستها عجــــــلات السيارة خارت قواها - قوى الارض ، وتطامنت تحتها وهبطت . . وقد أحسسنا بنزول عجلات السيارة إلى أسفل من ظاهر الأرض ، وقــــد زفرت السيارة وزمجرت ، وأقبلت الى الامام ثم أدبرت الى الوراء . . فما أفادها الاقبال الى الامام ، كما لم يخرجها رجوعها الى الوراء من المأزق . وحينئذ ادركنا اننا وقعنا في أحد فخاخ البريكة المنصوبة لاقتناص من يتجرأون على اقتحام عرينها المحتمى بهذه الفخاخ . . وبغيرها

من الحبائل الأرضية الصعبة المجــــــــــاز . . والارتياد . .

وحينما ذهبت محاولات الســـــــائق الماهر الخبير سدى في الخروج من الفخ السبــــخى الكبير ، رأينا أن ننزل لشخف السيارة ، فيتمكن من قيادتها الى حيث يرى السلامة . . وفعــلا تمكن من ذلك وصعدنا اليها ونحن نحمد الله و نشكر له نعماءه ان نجانا من فخ كبـــــــــير . وقد قدرنا للسائق مهارته وحذقه وخبرته بهذه الارض التى أمست وأصبحت مجهولــة منذ أزمان .

وفي ميناء الجار وقفت بنا السيـــــــارة في رحلتينا الاولى والثانية .

وقد بدا الميناء مقفرا من كل معالم الحياة ، الصاخبة ، التى عاش فيها منذ القرن الهجرى الاول . . سكون وهدوء تامان . . وريــــــــاح تئن من هنا وهنالك . . وبحر هادىء يشبه سطحه سطح حصير سعفي جميل . . وهـو يسير الهوينى في صمت وهدوء من المغرب الى الشرق ، حيث يلثم دواما أقدام الساحل ثـــم يعانقه معانقة الحبيب المشتاق ، ثم يعود مــن حيث أتى في هدوء وسكون تامين شاملين . .

حتى البحر حينما تهجر مياهه يصبح قفرا ، ولا تجديه حركة مياهه الدائمة . . هو قفر من ماء متحرك ليس غير . . وشهدنا بهذا الصمت المطبق على هذا الميناء الذى كان كله ضجيجيا وعجيجا وحركة دائمة لا تفتر ولا تخمد ليل نهار . . حكيم ذلك الشاعر الذى قال :

(  وبضدها تتميز الاشياء  )

وهناك تحت نشز ( ٥ ) آخر مقابل للنشز

الذى وقفنا عليه . . تحت ذلك النشز يتحرك بحر هادىء حركة سطحية وهنانة . . لا أثر فيها لعنف ما . . وترفئ اليه سفن الحوت الصغيرة . . من شراعية وغير شراعية . . ولا شئ غير هذا هناك .

وهذا بحر القلزم تحت أقدامنا . . عريضا مهجورا في هذه المنطقة حيث رحل طائــــــر الحياة عنه الى مناطق أخرى حينما افتقد حرارة الحياة ومادة الحياة من ماء وغذاء وقد أقسم أنه لن يعود الى وكره بعد طول هجره الا اذا عادت اليه حرارة الحياة ومادة الحياة من ماء وغذاء . . وعسى أن يكون ذلك قريبــــــــــا ان شاء الله .

وفي المرسى الكبير قديما ، المقفر حاليـــــا سألت بعض من وجدتهم فيه : أين جزيـــرة قراف ؟ فلم يعرفوا هذا الاسم القديم . . الذي اندثر كما اندثر مسماه فى القديم . .

قال المسؤول ها معناه : الذي نعلمه أنه توجد جزيرة كبيرة فيها صخور عظام ، تعرف الآن باسم ( السلجية ) بكسر السين المهملـــــــة واللام ، مع تشديدها وبالجيم المكســــــورة المشددة بعد اللام فياء مفتوحة مشددة فتــاء مربوطة - . . وقال لى المسؤول أيضا : لعل السلجية هذه هى ما ذكرت أنه جزيرة قراف .

وجزيرة قراف كانت معروفة ذكرها ياقوت في معجم البلدان . . ولا بد أن تعريفا لها سيرد في ( الجانب العلمى من هذه الرحلة )، ان شاء الله . .

وبعد هنيهة وبعد أن أكملنا جولتنـــــا في أنحاء ميناء البريكة الخالى ، طلبنا من الاخ السائق أن يذهب بنا الى ( البريكة ) فهى بيت القصيد ، والمطلب البعيد . . وقلنــــا للسائق اننا نريد التقاط بعض صور الجار في بعض معالمه وآثاره وأطلاله . فوافق ،

وسرعان ما قفزنا إلى السيارة جميعا . وفي الحال توجهنا صوب الشمال الغربى . . الى الجار . . وقد سرنا سيرا ملتويا قضت بــه ظروف الطريق الصعبة المراس . . والتـــوى بنا المسير مرارا وتكرارا ، فمن جنــــــوب الى شرق الى شمال الى غرب . . وهكذا دواليك . والحقيقة أنه لم يكن هنا طرق مطروقة منذ قرون . . وانما هي سباخ وخبوت وأنجــــاد

ووهاد . متشابهة المعالم والاشــــــكال . . لا يفرق بينها ولا يدرك المسالك الآمنة فيها الا كل خريت خبير . . وأغلب الارض هنا لين أشد اللين ، أجوف مشبع بمياه البحر وأملاحه . . هنا بحق تكمن بعض المخاطر الخفيـــــة التى أشار لنا اليها الصديق في جدة والخيير في رابغ . . . ولكن الله سلم في الرحلة الاولى من كل تعويق ، ونالنا شئ من التعويـــــــق الخفيف في الرحلة الثانية ولكننا نمكنا من الخروج سالمين .

في  اطلال  مدينة  الجار

واندفعت سيارة الجيب من الوهـــاد الى مرتفعات أطلال الجار . فلم نشعر بأنفسنا الا ونحن وقوف فوق احدى قمم هذه الاطلال ، وتنادينا بالنزول والسير على الاقــــــدام . .

ونزلنا مهطعين ولاحظنا السكون ضاربـــــــا أطنابه ومضاربه على هذه الناحية . . انــــه سكون يشبه سكون القبـور . . فلا معـــــالم للحياة هنا مطلقا . . لكأن هذه المنطقة مقتطعة من أرض القمر التى يشملها ضباب قاتم من السكون والهمود . . بل أن ارض منطقــــة الجار في لونها وفي شكل بطحائها الناعمــــة البيضاء ، التى تنبعث منها اشراقات الملـــــح المشبعة به . . تشبه شبها عظيما ما شاهدناه من حجارة أرض القمر وتربته فى جامعة الملك عبد العزيز بجدة حينما أتى . اليها

ليشاهده سكان الارض من كثب . .      وتجولنا هنا وهناك فلم نسمع نامـــــة انسان ولا حيوان . . ولا حفيف أشجـــــار ولا زقزقة عصفور . ولا هديل حمام . ولا زئير أسد ، ولا مواء قط برى . ولم نجد أثرا لأي حيوان ما عدا حيوانا لم نره ولم نر أثره

وقد قيل لنا : انه الثعلب . . أو حيوان آخر مثله ومع كل هذا السكون فان الامن شامل وعام فما يفكر أحد من الأعراب الذين قد يوجدون في أطراف هذه المنطقة أن يعــــكروا صفــــــــوه .

كل شئ هنا هادىء . . الارض هادئة . . والخليج هادىء الا من تحركات تقليدية هينة رتيبة يتمكن بها من لثم أقدام المدينة البائدة . في هدوء ، وخفة وأدب . . ومــــــن ثم تتراجع

تحركاته الهينة الهادئة بطبيعتها من حيــــث أتت . . وهنا عصل باهت اللون مغبر كئيب ضئيل حزين . . وحمض لا يقل عنه في كل ذلك . . ولم نر حيتانا تتجرأ على التواثب الى الساحل كما يفعل حوت أبحر بجدة .

والشئ الوحيد المتحرك حركة ذات حيوية هو طيور الماء . . انها تتحرك جماعات من أماكنها وترتفع ارتفاعا غير محلق على البحر . لترى بعيونها القوية ما قد يرتفع الى قـــــرب سطح الماء عن صغار الأسماك . ومــن ثـــم  تنقض عليه فتلتهمه .

وحتى الرياح هنا راكدة هادئة طغى عليها طبع البيئة . . فلم نسمع لها صريــــرا ولا حفيفا ولا دويا . كنا نحس بوجودها . . ولكننا لم نر شيئا من آثارها على ما كنـــــا نشاهده من الاشجار والاطلال والمياه .

عندئذ ذهب بى الخيال المجنح صببا الى الايام البعيدة في أغوار الزمن . . حيث كان هــذا

المكان ميدان حركة صاخبة دائمة . . التجار المواطنون المقيمون متحركون دائما لتنميــة تجاراتهم من طريق تصريف ما يرد بحرا اليهم وما يصدر برا من مينائهم وبلدهم . . والعمال البحريون دائمة حركتهم في نقل البضائــــع المكدسة في السفن الراسية الوافدة من شرق ومن غرب ومن شمال وجنوب - الى أرصفة الميناء والى المدينة ، ثم الى المدينة النبويـــة ومدنها . . والسائحون في حركة دائمة اذ يتجولون في الميناء ويعجبون بحركته الدائمة وتجارته القائمة ، ويتجولون في المدينة ذات القصور الكبيرة والدكاكين المفعمة ببضائــع العالم من كل صنف ولون .

ولست أدرى على وجه التحقيق ما الـــذي عجل بدخول هذه المدينة النامية الى عالـــم الفناء من أوسع أبوابه اللهم الا أن يـــــكون ما سبق أن أشرت اليه من افتقاد الامن وافتقاد الماء وافتقاد الغذاء .

وذهبنا الى ساحل الخليج الرابض على أقدام الجار ، الممتد من البحر الــكبير حتى حافة المدينة الجنوبية ، وقد بحثنا بحثـــــا

سطحيا عن الرصيف الذى قيل لنا أنه كان هنا . . وبعد بحث سطحى بدت لنا حقيقة وجود هذا الرصيف أيام عمران المدينـــــة ، ماثلة للعيان . وقد تآكل وتداعى ظاهـــــره بفعل الامواج الهادئة أو العارمة التى تلمس بأصابعها بشرته طيلة القرون الخـــــــوالى ، ليل نهار .

لقد ظهر لنا رصيف المدينة على شـــــاطئ الخليج وهو مبني بالحجارة المنقبية البيض المنحوتة بناءا مستحكما قويا بدليل بقــــــاء أسسه المديدة على شاطئ الخليج الى اليوم ، وكان يحمى المدينة من طرقات مياه الخليج التى ربما اشتدت أيام امتداد البحر وطغيان أمواجـــــه .

وعدنا أدراجنا صوب الاطلال الهامـــــــدة تحت التراب . . فبحثنا أولا عن آثار القصور الكبيرة التى كان الجار يموج بها . . وقـــد رأينا أكوما مرتفعة متقاربة ومتبــــــاعدة في داخل سورها القديم المتداعى ، فرأينا أن هذه ربما تكون أطلال القصور النائمة . . وحينما رفعنا شيئا من التراب تبدت لنـــــا حجارة منقبية ، هي اما أسس القصور أو

ما يعلو الاسس مباشرة عن البناء ، وقـــــد التقطنا صورا لهذه القصور الهامدة الخامدة ثم رأينا أن نبحث عن الســـــور المذكور في التاريخ أنه يحيط بالمدينــــة مــــن ثــــــلاث جهاته . وسرعان ما تجلى لنا السور متمثلا في هذه الآكام المرتفعة متسلسلة من البحر في الجنوب الغربى ، الى الشمال الغربى ، ومن الشمال الغربى الى الشمال الشرقى ومــــن الشمال الشرقى الى الجنوب الشرقى . . ولم يأخذ منا التأمل كبير جهد ووقت حتى لاحظنا امتداد هذا السور في ثلاث جهاته . . بدليل هذه التلال المحيطة بالمدينة في شكل مستطيل من نواحية الثلاث . . تماما كما فصـــــــله المؤرخون . .

ولكننا رأينا بعد ذلك تللالا كثيرة متفرقة متباعدة ومتقاربة على غير نظام . . وبعد تأمل عميق رأينا أنها ربما تكون القصــــــور التى أنشأها الرافهون في شمال المدينة الكبــــــيرة خارج سورها . . ليكون لهم منها أنايــــــب المتنازل وأطايب الهواء النقى . على عادة المدن الكبيرة في امتدادها الأكثر صوب الشمال .

وفي أثناء مرورنا بددخل المدينة المندثــــرة استرعى أنظارنا أرض مطمئنة في شبه دائرة كبيرة غير منظمة تقع في جنوب المدينة بقرب الرصيف الجنوبى منها . . وهى أرض هشة

تسوخ فيها الاقدام ويعلو ظهرهــــــــا شــئ يشبه الدهن في لونه الأصفر الداكن ، وقد قلبنا وجوه الرأى في هذه البقعة وفيما يعلوها من شئ كالدهن . . فقلنا باحتمالات أحدها أن تكون ( مقبرة المدينة ) . . اختاروا لها  هذا الموقع المتطرف من المدينة القريب مــن

رصيفها وخليجها . . وثانى الاحتمالات أن تكون ( مجزرة المدينة ) رأوا أن يقتربوا بها من الساحل ومن موقع البحيرة ليسهل عليهم غسل الذبائح بعد ذبحها . . وتراكم الدهن وعظام الانعام المذبوحة فيها فشكلت هــذه الطبقة الدهنية على سطحها . .

وثالث الاحتمالات أن تكون ( مسلخــــــة

السمك ) الذي يصيده حواتو الجـار من بحرهم . . ولهذا المسلخة القريبة من ساحل البحر مثيلة فى مدينة جدة ، حيث ان سوق الحوت الطازج والمثلج تقوم على نهد مـــن الارض قريب جدا من هذه البحر ، ليغسل الحواتون وبائعو الحوت من البحريـــــــين المنكسبون فيه أسماكهم من مـــــاء البـــحر القريب منهم وهن ثم ينقلونه الى دورهم للتغذى به .

وفي خلال جولاتنا المتتابعة في أطلال الجار شاهدنا كثيرا من شظايا ( الزجاج الاسلامى )

متناثرة وملونة من أخضر وأزرق وأحمر وأبيض . . مما يدل على استبحار عمــران الجار في قديم الأوان .

كما شاهدنا الى جانب قطع الزجـــــــاج الاسلامى الملون ، قطع الفخار الاســـــــلامى القديم أيضا في كثير من أنحاء المدينة البائدة .

وقد ذكرنى منظر هذا الزجاج ، ومنظر هذا الفخار بمثيلين لهما في أطلال اليمامـــة بالخرج ، في المنطقة الوسطى من المملـــكة ، وبالمدينة المنورة في أطلال العقيق في المنطقة الغربيــــــة .

وفي أثناء تجوالنا بمدينة الجار الزائـــلة رأينا قطعا كبيرة مخططة بخطوط طوليـــة متقاربة وبانتظام فوق سطحها المستدير . . وهي ذات لون باهت يشبه لون ما هي فوقه من تراب الجار وحجارته المنقبية . . وقد أخذت في يدى بعض هذه القطع وتأملتهـــا مليا . . فاذا هى ثقيلة أثقل من حجارة الجار المنقبية ، وشكلها العام مخالف لشكل تلك الحجارة . . وهى ليست بكثيرة جــــدا . . وانما توجد أكثر في المنطقة المجاورة للمنطقة المجللة بالدهن . . فحزرت أنها قطع مـــــن جذوع أشجار وغصونها تحجرت بعامـــــل الزمن والبيئة ، وتذكرت أنى رأيت صـــور مثيلاتهة خاصة في رحلة أحمد حسنين باشا الى المنطقة الغربية في ليبيا وقد حللها تحليلا علميا . وصورها تصويرا علميا واضحا وقد تحقق أنها قطع من أشجار متحجرة . . وقد رأيت مثيلا لها أيضا في كتاب ألفه مستشرق زار ليبيا في ناحية غدامس . . وما والاها . .

وقلت في نفسى : إذا تحقق هذا التقديـــر العلمي ( وتحققه منوط بتحليل علمي يوضح خلايا هذه القطــــع ) فانها ربما تكون قطعــــــا مــــن جـــــــذوع اشــــــجار في حديقة أو حدائق كانت فى هــذه الناحية

من نواحى مدينة الجار لتقيها شدة الحـــر والقر ولتكون رئة ومتنفسا للمدينة الكبيرة .      وقرب موقع هذه القطع من البحيرة التى تغذي الجار وميناءها بالماء النمير يجعلنـــــا نقول : انه ربما كانت هذه الحديقة أو ألحدائق تسقى من ماء العين مباشرة أو من فائضهــا بما مد اليها منها أو منه من أنابيب الفخـــار المستعملة في هذا الامد من تلك الازمان .

سبحان الله الحي القيوم . . الذى يغير ولا يتغير . . كل شئ فى هذه الدنيا عرضة للتغير من شموخ الى انحطاط ، ومن ضعف الى قوة ، ومن عمران الى اندثار .

وانطلاقا من سنة الله هذه في خليقتـــه نقف اليوم في أخريات القرن الرابع عشـــــر الهجرى على أطلال الجار فلا نرى من قصورها الكبيرة ولا من عمرانها الزاخر سوى هـــذه الاطلال الباهتة المتراكمة فوق بعض . . فأين القصور الجميلة الفائقة ؟ وأين المســـــــــاجد المزخرفة الواسعة ؟ وأين الدكاكين المملوءة بالبضائع العالمية المكدسة ؟ وأين الشــوارع التى تموج بالمشاة وبالباعة طالبي الربح وجلاب الاموال من كل فج عميق ؟

سبحانك اللهم لا شئ من هذا كله يوجد هنا الآن ! كل شئ في (( الجار )) الآن هامد خامد ، كأن لم تعبر اليه سفن التجارة من شرق ومن غرب ومن شمال وجنوب .

هنا سكون مطبق ، ولا شئ هنا غير ذلك السكون المطبق الشامل .

مدخلان الى الجار

كان دخولنا الى (( مدينة الجار )) ، في رحلتنا الاول من ناحيتها الشرقية الشمالية . وقد -

اقتحم بنا (( الجيب )) الجرئ منطقة الاطلال فلم نشعر بأنفسنا الا ونحن في الوسط منها . وعندئذ ترحلنا وتركنا السيارة الجريئــــــة وراءنا . وسرنا على أقدامنا فاذا بنا وســط أكوام متساقط بعضها عــــلى بعض عــلى ما سبق لنا أن استعرضناه . .

وقد تاملت في منظر الخليج فخيل الي أنه ربما كان صناعيا في الاساس ، شق له أهل المدينة من البحر الكبير أخدودا واسعافسال ماء البحر فية واستمر في احتلاله الى اليوم ، والخليج يصالى المدينة ويلامسها من جهة الجنـــــوب وفي جزء من الشمال وفي جزء من المشرق ولكن معظمه واقع في الجهة الجنوبية فهو من هذه الناحية مكمل لسورها الحجرى . . كما أشار اليه بعض المؤرخين القدامى .

الكشف عن أطلال المدينة

وقد اصطلح على أطلال مدينة الجار عاملان فوأداها وأخفيا معالمها . . وأحد العاملـــــــين وأهمها هو الرياح السوافي التى تغمر كــل شئ اذا هبت وذلك لان أرض الجار أرض مكشوفة وليس بحذائها جبال تحميها مـن العواصف . . والأرضون المجاورة للجـــار كلها رمال ناعمة أو خشنة . . ولذلك فان باستطاعة الرياح أن ترفعها من أماكنها وأن تضعها حيث تشاء القدرة الالهية . . وهذه مدينة الجار المطمورة أقرب شئ الى الالتحاف بالرمال فانها عالية على تل . . فكل ما تنسفه الرياح من الرمال تكون أطلال الجار عرضة لتلقيه واستقباله والترحيب به . والعامل الثانى هو هذا الطل الذى ينزل من السماء تارة في شكل قطرات ، وتارة في أشكال لا نستوعبها فاذا نزل الندى على الرمال أحكم الصاقهــــا بالاطلال ، وجعلهما كتلة واحدة مركومـــــا بعضها فوقم بعض .

نتائج جولاتنــــا في أطلال الجــــار

بوسعنا الآن أن نقدم للقارئ حصيلــــــة بحثنا وتأملاتنا حيال الوضع المعمارى لهذه المدينة المندثرة . . وهذه هى الحصيلة :

أولا - ربما كانت كل هذه التلال الممتدة والمبنية أساسا بالحجارة المنقبيــــة البيض المنخورة ، ربما كان ذلك يمثل الاسس التى قام عليها سور المدينة الذى يحميها من عاديات المعتدين من الأعراب وسواهم مــــن ذوي الاطماع والاخلال بالامن في البلاد .

ثانيا - وربما كان لسور المدينة عــــدة أبواب . تغلق مساءا ، وتفتح نهـــــارا . أو على الاقل بابان كبيران يغلقان ويفتحــــــان أحدهما الى ناحية الميناء ، والآخر الى ناحية المدينة المنورة .

ثالثا ـــ ولا بد أن في الابواب ، وأن في الابراج المشادة فوقها أماكن للحراسة والمراقبـــــة ، حتى لا يباغت أهل المدينة بغارة شعــــــــواء مفاجئة لا قبل لهم بها .

وقد أفادنا البشاري في كتابه ( أحسن التقاسيم ) بنص قيم يضع في أيدينا بعض مخطط بناء المدينة فيقول : ( الجار عــــلى ساحل البحر . محصنة بثــــــلاث حيطان ، والرابع البحر مفوه ، بها دور شاهقـــــة ، وسور عامر ، خزانة المدينة ومدنها . يحمل اليهم الماء من بدر ، والطعام عن مصر ) (٦ )

فقوله : ( محصنة بثلاث حيطان والرابع البحرى ) مفهومه الواضح أن المدينة محصنة تحصينا تاما كاملا فعلى جهاتها البرية الثلاث سور يقيها من العدوان . . ولها سور رابع بحرى ويمثــــــله هذا الخليـــــــج الـــــــذى

نراه الآن يلامس أقدام رصيفها . . ولا بد أنه كان عميقا أعمق مما هو عليــه الآن ولا بد أنه كان أعرض ، وما كان يمكن لأى انسان أن يخوضه أو يسبح فيه فيقتحم عرين المدينة على غرة من أهلها وهم نائمون أو لاهون أو مشغولون . .

وقوله عن سورها البحرى أنه مفوه لعل معناه : واسع الابواب . لسعة المدينة وكثرة الداخلين اليها والخارجين منها .

ويصف لنا مشاهداته عن دور الجار فهي شاهقة . ومعنى ذلك أنها ذات طباق متعددة قد تصل الى الاربع أو السبع أو الثماني وربما الى ما فوق . . فان الدار ذات الطبقة الواحدة لا يمكن أن توصف بأنها شاهقــــة مهما يعل بناء جدرها .

وقوله : ان سوقها عامر . . آيــة لرواج التجارة فيها والبيع والشراء ، وعلامة عــلى سيولة النقد في أكنافها . . فالسوق العامرة

لا تعمر الا بكثرة البيع والشراء وتــــــــداول النقـــــد .

وقوله : خزانة المدينة ومدنها . . معناه أنها تمون المدينة النبوية بكل لوازمها مــن سلع وحاجيات وأطعمة . كما تمون المـــدن الدائرة في فلك مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم اداريا بذلك أيضا .

وقوله : يحمل اليهم الماء من بدر ، ربما يفهم منه أن البشاري زار الجار قبل سوق عين يليل اليها . . فكان الماء يحمل وينقــل اليها فى القرب الجلدية على ظهور الابــــل وغيرها . . ونضيف الى ذلك أنه ربما استغنى عن نقل الماء على ظهور الدواب بعد أن تمكنت الدولة أو أثرياء الجار من جلب الماء العــــذب

اليها من الجبال البعيدة عنها . . في أنابيب العين التى تسمى يليل . وقد بنوا لها بحيرة كبيرة تنصب فيها وفود الماء مترعة ليل نهار ، ويأخذ كل محتاج منها ما يشاء تحت نظام دقيق . . أو غير دقيق . .

وقوله : ان طعامهم يأتيهم من مصر . يعنى ان واردهم من الغــــذاء مجلوب مـــن مصر لأنها أقرب الاقطار الخصبة الى الجار بحرا ويبدو من هذا النص أن الجار لم يكن يمون من مزارع قمح أو دخن أو ذرة أو غيرها . في داخل هذه البلاد ساعة قدوم البشــــاري إلى الجار . ويبدو أن هذه الظاهرة استمرت حتى آخر الشوط . . ولعل جلب ماء الجار مــن أماكن نائية يسيطر عليها الأعراب . وجلب طعامها من مصر بحرا ، والبحر كان فى بعض تلك العهود مثابة لقطاع الطريق من الافاقـــــــين والأجانب . . لعل ذلك كان أحد أسباب تقلص عمرانها وانتهائه بأخرة . بعد ما عــــم الاضطراب وشملت القلاقل البر والبحر .

وثالثا ــ ربما كان كل ما هو متباعــد أو متقارب من الانقاض المختفية وراء أكـــوام السراب ــ دكاكين تقوم في داخل شـــوارع

ورابعا ــ كما سلفت الاشارة اليه فــان القطعة تفكبيره من الارض التى يرين عليها ما يشبه الدهن اما أن تكون مقبرة المدينة ، أو مجزرتها او مسلخة السمك فيها . .

وخامسا كل ما كان عن التــــــــلال وراء السور الشمالى والشرقى الشمالى والغربى الشـــــــــمالى فهو كان الابنية الجديدة التى تكون محلة أو محلات الضاحية الشماليــــــة المغمورة بالعمران أكثر من سائر الضواحى الأخرى . . ولا بد أن بها منازل ودكاكـــــــين وغيرها . . فهى امتداد طبعى للمدينة القديمة في ناحيتها الشمالية عندما تكاثف السكان بها ، وبرموا من ضيقها . ومن تلوث هوائها

والشمال بالنسبة للمدن هو دائما أو غالبا أحفل بالعمران الأحدث من المدن القديمة ، لأن هواء الشمال معتدل ومنشط ، يساعــد على تقدم صحة سكانه ، وهذا أمر نشاهده الآن في ضاحية جدة الشمالية .

شجيرات العصل أيضا

وقد وقفت على شجيرات العصل التى مر بنا ذكرها . . وقفت عليها بين أطلال الجار . وكانت متناثرة في أمكنة ، ومتقاربة في مكان ، وكانت منابتها فى الفجوات الخالية من ركام المباني المنهارة .

في وقتين مختلفين مــــن   النهـــــــــــــار

كان وصولنا الى الجار في رحلتنا الاولى ، بالساعة السابعة نهـــارا بتوقيت جـــــدة الغروبى . .

وكان وصولنا الى الجار في رحلتنا الثانية بالساعة الحادية عشرة الا بضع دقائــــــق بالتوفيت الغروبى المشار اليه آنفا .

الى السليـــــم

في الرحلة الاولى كان اتجاهنا الى (( السليم )) بعد أن انتهينا من المطاف والتجوال والتأمل في أطلال الجار .

وكانت الساعة تشير اذ ذاك الى الثامنــــة والثلث عندما وصلنا محطة (( السليم )) أو قرية السليم ، أو (( ذات السليم )) - بضـــم السين المهملة - وقد نال منا التعب والجوع عندما كنا في السليم بتلك الرحلة . وكنــا نعود بين كل لحظة وأخرى الى الثلاجــــــة فنرتشف من مائها العذب ما يطفئ حرور الظما الناجم من حرور الشمس الملتهب .

وقرية السليم كما رأيناها تشبـــــــه في منظرها العام قرية الرايس . . وان كانت هذه أقل شأنا بكثير منها . تشبهها في طلاء جدران ما عليها من مبان بالنورة البلدية . وكل ما في السليم من مبان : قهــــــوة صادفناها خالية من أى انسان . ومبنى أى مبنيان لا ندرى ما هما على وجه التحقيق .

فاذا كانت (( السليم )) هذه هى : (( ذات السليم )) ، التى ذكرها البكرى في كتـــــابه

(( معجم ما استعجم )) فهى اذن (( ماء لبنى ضمرة قرب الجـــــار )) ، . . وهذا الوصــــف مطابق للسليم خاصة في شطره الاخــــير . فهى قريبة بحق من الجار ، اذ لا يفصـــل بينهما سوى ١٦ كيلومترا ، كلها مرتفعات ومنخفضات واخاديد وأودية .

والجار في الجنــــــوب الشرقى للسليم . والسليم منها في الشمال الغربى .

والسليم او ذات السليم ، على حافـــــة الخط المسفلت الموصل بين المدينة وينبع البحر . وبين ينبع وبدر ، بناحيته الجنوبية الموالية للبحار .

والطريق الذى يمر على السليم هو أقرب الطرق من المدينة الى الجار .

ولست أدرى : هل هو هذا خط سير القوافـــل التى كانـــــت تنقــــــل الأرزاق من الجار الى المدينة . . في سالف الأوان ؟

وأقصد بالاشارة بصيغة ( هذا ) - الطريق الذى سلكناه من الجار الى السليم .

والبحث العلمى المدعــــــوم بوسائــــــل الاستقراء ربما يميط اللثــــــام عن الحقيقة المجهولة لنا اليوم .

من السليم الى بدر

وقد تابعنا - في الرحلة الاولى - سيرنا من السليم الى بدر ، فلم نقف بالسليم الا لحظات . . وركبنا الخط المسفلت - خط ينبع البحر - المدينة ، وأرقلت بنا سيارة الجيب ، وكأنما شعرت بحالتنا وحاجتنا الى قسط من الراحة ومن الزاد . . في بدر .

واتجهنا الى الشرق الشمالى . . الى بدر . . وصرفنا النظر عن العودة المباشرة الى النصائف لعدة أسباب ، في مقدمتهـــــا أن

النصائف فارغة وخالية من المطاعم . وهى مع ذلك بعيدة عنا . . وفى بدر المطاعــــم المنشودة والاسماك الطازجـــــة والشـــــاى والقهوة . وها هو ذا وقت الغداء يكــــــــاد يفوتنا ، لان طلائع العصر قد أقبلت علينــا من المغرب حيث بدأ ميل الشمس تدريجيا الى ناحية المغيب بصورة لا تخفى على المطالع اللبيـــــب .

قرية بـــدر

وتقع قرية بــــدر شـــرق السليم . . وهى لا تزل نسبيا كما وصفها صاحــــب كتاب (( دور الفرائد المنظمة )) فيها نخيــــل وأشجار آخر قليل . وحدائق ضئيلة . وأما

كونها ( مدينة في الحجاز ) على حد تعبيــــره فهي لا تزيد الآن عن قريــــة متواضـــــــعة يخترقهـــــــــا خط اسفلت المدينــــــــــة - ينبـــــــــــع ، والمدينـــــــة - جــــــــدة ، ولا بد أن بها بعض العيون وبعض البســـــاتين بكمية أقل مما كان عليه الامر في القـــــرن العاشر الهجرى . وبدهى ان ( بدرا ) حازت شرف ذكرها في القرآن المجيـــــد ، بسبب المعركة الكبرى التى حدثت بـــين المسلمين والمشركين وانتصر فيها الاسلام على الشرك نصرا مؤزرا . وبدر تقع بين حبال متضامة عليها . منها جبــــال شوامـــــــخ واخـــــــرى ضعاضع . .

وقرية بدر تقع بالشمال مــــن قريــــة النصائف وكان وصولنا الى بدر فى نحـو الساعة التاسعة والربع نهارا بتوقيت جدة الغروبى .

أما في الرحلة الثانية فقد عدنا من حيث أتينا . . عدنا من الجار الى الرايس ومنها الى النصائف فرابغ فجدة . . على التوالى . وقد أخذنا أباريق ماء من مقهى كان هناك وتوضأنا وصلينا فريضتى الظهر والعصــر جمعا وقصرا . لاننا قــوم ســـــفر . ولان المسافة التى قطعناها من جدة الى بدر كافية لشروط القصر والجمع .

وبعد أن أدينا الصلاتين طلبنا إلى صاحب (( مطعم السمك )) ان يطهو لنا ســـمكات طازجة ولكن بعد ان يغسلها بالماء العـــذب النقي غسلا محكما ويزيل عنها جل ما علق بها من ملح . ففعل ما أشرنا له به بدقة . ولقد وضع السمكات الكبار من نوع الناجل فى صحن واسع ووضع الى جانبه صحنــــا آخر مملوءا بالارز الابيض وقدم لنا غداءنا . وكان لدينا الماء المثلج فى ثلاجتنا ، فأكلنا

هنيئا وشربنا مريئا . . وبدأ تفكيرنا يتركز في صنع الشاى . . والباعث على تفكيرنــــا بأمر الشاى تجاربنا المتوالية المتكررة حيال صنعه فى هذه المقاهي المبثوثة فى المحطات التى تقع بين جدة والمدينة . . فصنعه فيها لا يتفق والاذواق السليمة . ولا مع فن صنع الشاى . . ولا مع واجب نظافة اوانيه . . فهم يغلون ماءه فى (( بطة )) ( ٧ ) من نحاس مطلية بالرصاص ، ويقذفون كميات كبيرة مـــــن الشاى الاسود في البراد الصغير ويضعونه فوق الجمر ، حتى يفور فورتين أو ثلاثا . ثم يلقون عليه كمية أخرى من السكر بدون تقدير أو حســــاب . . وفى أوان غيــــــر مستكملة النظــــــــافة المنشــــــــــودة يقدمونه لطالبه . . فيشرب مضطرا ، ما قدم

اليه أو بعضه في كثير من الاحيان . وينقـــد صاحب المقهى القيمة . .

ولكننا فى هذه المرة أردنا ان ندخل بعض التغيير والإصـــــــلاح عــــــــلى هذا التقليد . وأن نتحرر منه بأن نضـــــع لانفسنا ما نريده من الشاى في الاوانى التى تروق لنا وبالكيفية التى تناسب أذواقنا . .

وقام أحد الزملاء بحركة التفاف بارعــة على صاحب المقهى . وقال له : ان فلانا هذا - يسير الى راقم هذه السطور - يجيـــــد صنع الشاى فما عليك لو سمحت للصبى أن ينخلى له عن مهمة صنعه فى هذه المرة .

وقد سمح صاحب المقهى بانجاز الفكرة وكان ذلك نبلا منه قدرناه له . . وقمـــت بغسل براد الشاي غسلا متقنا بماء فاتــر حتى زال ما عليه من الأوضار وبدا نظيفا في داخله وفي خارجه . . كما نظفت بقيـــــــــة الاونى . .  الفناجين . الملعقة الصغيرة . الطبق (( النيسى )) . وبعدئذ وزنت بيدى كمية ضئيلة من الشاى فقذفت بها فى جوف البراد . . واضقت الى الشاى قليلا من النعنع . . ثم صببت عليهما من الماء الفائر قدرا ضئيلا . وحركتهما بداخل البراد حركة خفيفة ثم صبيت الماء الفائر القليل على فنجان فارغ فملأ نحو نصفه ، وكان هذا غسلا وتطهيرا وتنقية للشاى والنعنع من الشوائـــــــب . العــــــــــــالقة بهمــــــــــــا . وتخفيفـــــــــــا لزهومة ( ٨ ) الشاى الأسود ، ثم عــــــــــدت فصببت ماءا فائرا على الشاى فى البراد حتى اذا امتلا أضفت اليه كمية موزونــــــــة مــن السكر الناعم . وقلبته بالمعقة الصغيرة .

ثم صبيته فى الفناجين ، وقدمتها للاخوان . . وجاء صاحب المقهى يتحسس فشرح له زميل لنا (( العملية )) ورغبه فى تغيير صنع الشاي واصلاحه على هذا النمط . حتى يقبل عليه الزبائن وتكون شهرة ظيبة لمقهاه الريفى دون المقاهى الأخر ، فقبل قولا : وعسى أن يقبل فعلا فالتطور في الحياة من أهم مطالب الحيـــــــــاة .

عود على بدء

ذلك ما كان من شأن رحلتنا الاولى الى الجار ، والذى حدث بعده اننا بعد انتهائنا من شرب الشاى ومحاسبتنا لصاحب المطعم وصاحب المقهى عدنا إلى سيارتنا (( الجيب )) ، فركبناها الى النصائف . وقبل بلوغنـــــــا النصائف حدث ما لم يكن في الحسبان . . لقد تسربت الى أنوفنا رائحة شئ يحترق . .

وبعد بحث خفيف علمنــــــا ان (( شكمان )) السيارة قد أذابته حرارته فانخرق فارتفعت حرارته الى الصاج الذي يعلوه ، واتفق ان كان فوق الصاج (( مقوى )) فاحترق الورق المقوى وسرعان ما قمنا على (( الحريق الصغير )) الذي كان موقعه خطرا بالغ الخطورة ، اذ كان قريبا من المكنة ومن وعــــــــاء النفط ،

فأخمدناه ونقلنا الى خارج الســـيارة المقوى المحترق وبعض أوراق لحقها شئ من الحريق وسرنا بسلامة الله ، وفي سرعة اخف مما كانت حتى لا يتوقد الشــــكمان مرة اخرى فيصل توقده الى المكنة أو الى وعــاء النفط فيكون أمر لا قدره الله . . وقــــــد خفت حرارة (( الشكمان )) نوعا ما . . وسرنـــــــا بسلامة واطمئنان ، حتى بلغنا النصائف . ومنها الى مبيتورة . فرابغ . . حيث تركنا

ســـارة الجيب برابغ وشكرنا لصاحبهــــــا الصديق جميل صنعه بعد أن تناولنا طعام عشاء لذيذا فى داره برابغ ، وقد اتجهنـــا بسيارتنا الصغيرة صوب جدة فكنا فيها في نحو الساعه الرابعه ليلا بالتوفيت الغروبى لمدينة جدة .

أما رحلتنا الثانية فاننا قد كنا رجعنـــا قصصا من الجار الى الرايس . . وهكذا الى جدة .

جلسة استجمام على ميناء الجار

حظينا بهذه الجلسة الاستجمامية فى طريق عودتنا من الجار فى الرحلة الثانية . وكانت الشمس قد آذنت بمغيب ، وقـــــد خنت الى الاستجمام فى مياه البحر بعد رحلة نهــــــــــارية طويلــــــــــــة قطعــت فيهــــــــــــــا الارض من مشــــــــــــــرق الى مغــــــــــــرب في سرعة خارقة . وقد سرحنا ابصارنـــــا الى ناحية البحر التى بدأت الشمس تغطس فيها تدريجيا فيختفى جزء منها فجزء وهكذا حتى يتم غطسها في مياه البحر الدافئــــة .

حقا ان هذا المنظر رائع يفوق الوصــــف البليغ . وعندها تذكرت ان الشاعر الفرنسى ( بودلير ) كان قد نظم قصيدة بليغة فى لغته الفرنسية تحـــــت عنوان : ( غــروب الشمس الخيالى ) . وقد ترجمها ونشرهـــا بالمنهل الاديب الشاب المجاهد المأسوف على شبابه احمد رضا حوحو . . نشرها في المنهل في سنواته الاولى يوم كان سكرتيرا للمنهل .

وكان مجلسنا على بساط عادى فرشـــه لنا بعض المقيمين في هذه المنطقة . وكانت

رياح البحر المفعمة بالنـــــــدى والرطوبـــــة وبالاوكسجين أيضا تتدافع الينا هينة وادعة مسالمة ومؤنسة .

وغربت الشمس في مياه البحر ، فلـــم يعد لها أثر على الكون الذى كانت تمــــده بالنور المتوهج طيلة بياض النهار ، وحل محلها ابنها البار . . ( البدر ) فاضــــــاء الارض على قدر ضيائه من الشمس . . أما البحر فقد ناله قسط طيب من ضيائــه . . رأيناه منبسطا متماوجا مع اموجه الخفيفة الشفيفة اللطيفة انسجاما مع نور القمر . .

كانت الليلة زميلة لليلة البدر ومقدمتها المباشرة . .

كانت ليلة ١٣ ربيع الاول ١٣٩١ هـ وكان الهواء سجسجا ناعمــا ، رقيـــــق الحواشى ، ساحر الهمسات ، وكان يصافح آذاننا بلطفه المعهود وكان مشبعا بشئ يقدمه الينا من روائح البحر كتحيـــــــة للقدوم ، فى هذا الاصيل الوسيم . .

ولاحظنا انه منـــــذ اللحظة التى سقطت فيها الشمس معناة في مياه هذا البحر بدأ الطقس يزداد رطوبة ولكنها كانت رطوبة تبعــث الصحة والنشاط ، وتزيل الفتور .

ذكريات وذكريات

وانطلاقا من هذه المناظر الفتانة شعرت بذكريات ماتعة تغمر آفـــاق الخيــــــال . . فرأيت بعين الخيال المجنح مختلف السفن راسية على جنبات هذا المينــــاء الســـــاكن الهادئ ، الصامت ، رأيتها بعين الخيال وهى محملة بصفوف البضائع والسلع العالمية ، من الهند توابلها ، ومن الحبشة جلودها ، ومن ايران ألبستها ، ومن العراق ومصر

سلعها وارزاقها . . ومن بلاد أخرى صنوفا أخرى كثارا من متفاوت السلع والحاجيات الثمينة والعادية . .

رأيت تلك السفن وهى في حركات وتقدم وتأخر بسبب تحركات أمواج البحر التـــى تصطدم بثبجه . فيحدث من السفن ومــن الثبج أصوات مختلفة الرنين .

رأيت السفن وهى تقترب من الرصيف ايذنا بتفريغ ما تحمله عــلى الرصيــــــــف المكتظة ببضائع متراكمة متنوعة أخرى جئ بها في السفن الكبيرة والصغيرة على ثبج البحر الى هنا من كل بحر عميق . .

ورأيت الاحمال ينقلها عرب حرب وعرب آخرون غيرهم ينقلونها على قوافلهم فينهضون جمالهم من مباركها ويوسقونها ( ٨ ) الاحمال الثقال من طعام وحاجيات تتجه صوب طيبة الطيبة . . وصوب المدن والقرى التابعــة لها اداريا اذ ذاك . .

وفي جلستنا الهادئة تمنيت أن يكون لنا من البصائر ما نشاهد به مطاوى الماضى . . ولو هيئ لنا هذا الامر لكنا نرى الآن أمامنا مئات السفن الشراعية التى ترفئ الى ميناء الجار ، وهي تتناوب افراغ احمالها عليه . . والحمال في قمة نشاطهم في النقل والتنزيل والتحميل . . ولو أوتينا هذه القوة الروحية الخارقة لاستهوانا منظر مئات الجمـــــــال وقد بدأت فى سيرها الوئيد الى الشرق وعليها سلع تجار الجار وسلع عملائهم فيما وراء

البحار ، قاصدة المدينة وما حولهــا ومــن حولها . . في نظام رتيب . . ثم لرأيناها وهي تأخذ مباركها في المناخة وغيرالمناخة ويقبل عليها حمال المدينة ليريحوها من عناء مـــا

تحمل فوق ظهورها . . فى سرعة خارقــة نشطة .

ولو أعطينا موهبة رؤية الماضى البعيــــــد لكنا الآن نشاهد عشرات الخيام وعشرات المبانى والأكواخ تحوى فى داخلها مئـــــات الناس وألوفهم من العاملين فى هذا الميناء . ومن المشرفين والحراس والعسس والجلاوزة والتجار اصحاب البضائع المتراكمة كالجبال المتسلسلة في السراة .

ولو منحنا نعمة رؤية الماضى الذهبى لكنا الآن نشاهد جموعا متراصة من عبـــــــاد الله المؤمنين وهم يتهيئون لاداء فريضة المغرب جماعات بعدما صافح أذان المغرب آذانهم وأنست به قلوبهم وارتاحت اليه ضمائرهم المكدودة طيلة النهار بمشاغل الدنيا وهموم التجارة ومتاعبها . . في توريد وفي تصدير . . وفي خسارة آنا وفى ربح آنا . .

ولو كنا رزقنا خاصية النظر الى ما مضى من وقائع الزمن القصى لكنا نرى الآن جموع المستحمين يتخففون من ملابسهم ويلقون بها على طرف هذا النشز الافيح الذى نجلس فى أحد أماكنه . . ومن ثم يقذفون أنفسهم فى الخضم ويسبحون فيه ، ليجددوا ما تبـــدد من نشاطهم الجسمانى فى غمرة نشاطهــم التجارى المطرد . .

ثم لو كنا وهبنا مزية مشــــاهدة مـــــن سبقونا الى هذه الدنيا قديما لكنا نرى الآن قصور الجار الكبيرة وأشخاص سكانهــــــا وألوانهم ، مرتديـــــن مختلـــــــف الملابس ، ومنهمكين في اعمالهم التجارية فمنهم الكاتب والمحاسب والمراقب . . ومنهم التاجر وعماله وحماله . . وهذه مخازنه . وتلك دكاكينــــه منها ما هو مفتح الأبواب مضــــاء الداخل ، ومنها ما هو مغلق مظلم الجواء .

ولكنا نرى أمراء الجار ، في مقر الامارة ، وحولهم رجال الشرطة ، ورجال الحراسة ، ورجال الاحتساب وكل منهم له مسؤولياته المحددة في هذا البلد المتنامى الكبير . .

لكنا أدركنا ما اذا كان البلد الكبير يضاء ليلا بنوع من الشموع الكبار أم يم بمصابيح الزيت أم يبقى طيلة لياليه ملتحفا بالظلام الدامس فاذا أشرقت الشمس نهض النـــاس الى شــــــتى أعمالهم . وحل العمل وحلت الحركة . وحل الاضطراب محل السكون والسبات . .

ولكنا شاهدنا مئات السفن الصغار المعدة لصيد الحوت من أعمـــــاق البحر الكبير  وأطرافه وهى تعود ظهرا من رحلاتهــــا البحرية الصيدية الدسمة محملة باكداس الحيتان من كبار وصغار . . وقد اقبــــل السكان يهرعون اليهم قبيل رسوهــم عــلى الرصيف ليبتاعوا منهم ما معهم من الصيد الغذائى الدسم السمين الطرى اللذيذ .

واذا لم يستكشف هروب الشــــاى ولا مشروب قهوة البن يومئذ . . فان للنــاس مشروبات أخرى . . منها ألوان من عصـــير الفواكه ومنها الحليب الطازج حليب الابل والشياه الحار أو البارد ، ومنهـــــا اللبن الرائب أيضا . . ولا بيتان قصب السكر يستورده الجاريون مــن مصر ويعصرونـــه فيخرج لهم مشروب حلو لذيذ منعش . .

وما كانت دور الجار على سعتها وشموخها لتتسع لكل القادمين في مواسم الحج مــن حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد سيد الانام ، الوافدين للسلام عليه صلوات الله وسلامه عليه . ولذلك فلا بد ان خياما كثيرة تنصب فى ضواحى الجار . . ولا بد أن مطاعم

وقد يفد الى مدينة الجار من الحجاج ومن الزوار أناس لهم اصدقاء حميمون وأقارب أثيرون فهؤلاء ستكون منازلهم طيلة مقامهم بقصور الجار ودوره يضيفهم بها ملاكها من أهل الجار ، ويكرمونهم من لحظة قدومهم الى لحظة رحيلهم لا يأخذون منهــم نقيرا ولا قطيرا على دأب العرب من كرم الضيـافـــــة واكرام القريب والصديق الغريب النازح عن الاهل والعيال والدار . . وبحسب هــــؤلاء المضيفين الاغنياء الكرام ان يحرزوا جميــــل الثناء وجزيل التقـــدير مـــن الضيـــــــوف الوافدين . .

لقد طافت بى هذه الذكريات وسدت علي ، آفاق تفكيري فما أستطاع القلــــم الا ان ينقلها نقلا مسطريا عن المخيلة التى أحيطت بها احاطة السوار بالمعصم . .

وفي أثناء سبحى في بحار الخيال الواسع الجميل كنت في منأى عن أحاديث الرفاق . . فلم أسمع أى شئ ممـــــا يقولـــون . . وكأنهم قد شعروا بعض الشعور بمــا انا سابح فيه من عالم الذكريات والأحلام . . فتركونى وشأنى لحظات . . فلما أفقت من تلك الرحلة الساحرة فى رياض الخيال الممتعة الفائقة الجذابة . . وجدتنى فى عالم الواقع . على نقيض مما كنــت أحلق فى أجوائـــــــه الرائعة . فها أنا الآن بين زميلى : محمد السنوسي وعبد القادر طاهر ومعنا بضعـــــة أشخاص من سكان منطقة الجار ، وأمامنـــا بحر خاوى الوفاض بادى الانفـــــــــاض . وحوانيت بلاقع أخنى عليها الدهر فجردها من كل معنى من معانى الحياة . . ثم لا شئ  الا يضع سفن شراعيــة

صغيرة للحواتين تلوذ بذلك النشز المقابل والمماثل للنشز الذى نجلس عليه الآن يماثله فى تجرده من كل مظاهر الحياة وألوانهــــا ومخابرها .

على هامش الجانب الوصفى للرحلتين

كنا كما ذكرنا من قبل قد أسفنا بمــــا  حده القلم الذى التقطنا به اثناء رحلتنــــا الاولى ، ما راق لنا التقاطه من مشاهــــد الرحلة ومعالم الارض والبحر . .

وقد صممنا بعد ظهور هذه النتيجــــة السلبية غير السارة على العودة ثانية الى الجار ، لالتقاط هذه الصور الضائعة مرة أخرى . . ووفق الله للرحلة الثانية وتحقق المراد . . وبذلك كانت الرحلة الثانية رحلة ضرورية وحتمية لقد كانت مكملة للرحلـــة الاولى من هذه الناحية المهمة . . وذلــك ان الصور الجيدة للمشاهد والمعالم هي شواهد نواطق على الرحلة وعلى نجاحها ، وهى كذلك أصداء ومعالم للرحلات المماثلة . .

واذا كان شوقى يقول بحق :

لكل زمان مضى آيـــــــة

         وآية هذا الزمان ( الصحف )

فلنا أن نقول من زاوية أخرى

لكل زمان مضى آيــــــة

      وآية هذا الزمان ( الصور )

وأقصد بالصور هنا ، صور المشاهـــد والآثار والمعالم . . تؤخذ أخذا فنيا فيكون فيها تسجيل واقعى مخلد لمراجل الرحلــة وأنبائها . .

وفي الرحلة الاولى كان سفرنا أخف وطأة من الثانى . . ففى الرحلة الثانية كان قيامنا من جدة فى الهاجرة ، وقد ارســـلت الشمس أشعتها الحمراء شواظا حارا على الدأماء . . وكنا فى سفر متواصــــــل لا يعرف راحة الا نادرا حتى بعد منتصـــف الليل بساعتين ، ولم تزد توقفاتنـــــــــــــا عن ساعة ونصف الساعة فى ذهابنا وفى ايابنا . . ومعنى ذلك اننا ظللنا سائريــن أمدا يبلغ خمس عشرة ساعة ، نحو نصفها فى النهار ونحو نصفها فى الليــــــــــــــــل . وكنــا مع ذلــك نشعر بغبطــــــة غـــــامرة اذ قد حقق الله لنا الامنية الغالية فقمنــا بالرحلة الثانية الى الجار ، لنكمـــل النقص الفادح الذى اعترى الفلم فأبطل ما التقطناه به من الصور . . وكان في اعادة التقاطهـــا خير تعويض شرح منا الصدور خاصة بعد أن حمضها المختص بجدة ، وجاءت كلها على خير ما يرام . .

الجانب العلمى للــــــرحلتـــــــــــين

تعودت منذ الرحلة الثانية الى الرياض التى ضمها عدد خاص واحد . وهو العدد الصادر في شعبان ١٣٨٧ هـ الموافق لشهر نوفمبــر ( تشريـــــن الثـــــــانى ١٩٧٦ م )

- ان اقسم موضوع الرحلة الى شطرين :      الشطر الاول : شامل لوصف الرحلـــة وملابساتها ومشاهداتها وملاحظاتها . .

ورأيت ان يكون هذا الشطر فى اسلوب شبه قصصى ليستهوى القارئ بحيث اذا بدأ فى مطالعته لا يكاد يتركه حتى يوفى على آخره . .

وكان هذا الصنيع نتيجة دراسة طويلـــــة الامد لادب الرحلات . . درستها فى كتب الرحلات . قديمها وحديثها . . فتوصلت الى ان الرحلات المؤلفة ذات لونين : لون طرى طلى مشرق جذاب ، وهو ما يلون أسلوبه ممتعا حـــاويا لعبــــــــارات تشع فى ثنـــــايا السطور عن أدب جم ، واسلوب رائــــــتع ، وعرض محبب الى النفوس . مشوق لها الى متابعة المطالعة وازدياد الإطلاع . .

وهذا اللون من الرحلات القديمة تمثلــــه فى نظرى ( رحلة ابن جبير ) فما أجمـــــل وصفه واستعراضه وما أطراهما وأطلاهما وتمثله في الرحلات الحديثة رحــلة ( في صحراء ليبيا ) لأحمد حسنين .

واللون الثانى من الرحلات نسبيا يكون اسلوبه جافا . . ويمثل عملا

اللون من كتب الرحلات قديما ( رحلة ابن بطوطة ) فهو سرد غير منظم ولا مشوق ولا شيق للحوادث في ثوب فقيه متعجل . .

ويمثل هذا اللون فى الرحلات الحديثــــة رحلات كثيرة ليس هذا محل استعراضها ولا تحليلها ولا نقدها . والخــــلاصة أن عرض الاحداث ومراحل الرحلة ، باكساء العرض ثيابا شفيفة موضحة لما تكنه من المعانى والاهداف بدون زيادة ولا نقص ، ولا ضيق ولا سعة فضفاضة - من أسرار نجــاح كتب الرحلات . . والعكس بالعكس . .

هذا في الجانب الوصفى للرحلات . . أما الجانب الثانى لها ، وهو الجانــــب العلمى فقد رأيت ان مما يزين كتابة ( رحلة الرياض ) ان أعقب الوصف الادبى بجـــانب علمى عن الرحلة يشرح للقــارئ معالمهــــا وأماكنها ويذكر ما يحسن ذكره من تاريخها مما خف وزنا وعمق معنــــــى . ويجعـــــــل ملابسات الاماكن تاريخيا وعلميا من القارئ على طرف الثمام . . ولا يرهقه من أمــــــره عسرا . ولا يلحق بذهنه مشقة هضم لما يقرأ ويطالع .

تلك كانت ( الخطــــــة ) المزدوجة التى التزمتها فيما كتبته من رحلات قمت بهـــــا منذ رحلة الرياض المنشورة فى عدد خاص . . وانا هنا سائر صـــــــل منهجها ، وفى طريقها المرسوم .

عوامل قيام مدينة الجار

كل من تتبع تاريخ هذه المدينة التـــى أسست على وجود الميناء بجانبهــــا يدرك لا محالة ان العوامل التى أدت الى قيام هذه المدينة ثانيا ، والى قيام مينائها اولا تنحصر في مراعاة الاقتصاد ، في الوقت والجهـــد والتوفير فى المال . . فقد رأى الأقدمون ان الجار أصلح مكان فى هذا الجانب الموالى للمدينة لرسو السفن . . فاتخذوا مـــن ساحلها ميناء ووردوا اليه البضــــــــــائع محملة فى السفن . . ولمــــــــــا اتســــع الميناء واشتهر بنيت بجانبـــــــه مدينــــــــة الجار . . واتسعت . . ما شاء الله لها ان تتسع ، وقد وصفها المؤرخون بالعظمة ، ووصفها بعضهم بأنها أقل من مدينة جدة . . ولا علينا من هذا ولا ذاك . . وانما الذى يهمنا هنا أن نثبت أن عوامــــل بنائهــــــا واتساعها ، كانت تحمل فى طياتها عوامل فنائها واضمحلالها . .

هذا ويبدو من المعنى اللغوي لصيغــــــة لجار الذى هو ( ما قرب من المنــــــــازل من الساحل ) ( لسان العرب مادة جور ) انـه ربما كان استعمال اسم الجار لهذا الميناء ومدينته مقتبسا من هذا المعنى .

عوامل الاندثار

فالجار مدينة وميناء بنيا فى زمن ســــاد فيه العدل ورفرف فيه الامن والاطمئنان . . وتكاثرت فيه الخيرات على الحجاز تجبـــى اليه من كل الاقطار الاســـلامية وتنفق فى مشروعات خاصة وعامة . . وكان ماء الجار ليس محليا . وكان طعامها ليس محليا . كلاهما يجلبان اليها جلبا من قريب ومــــن

بعيد . . من بر مأهول بالاعراب ، ومن بحر لا يخلو آونة من قطاع الطرق البحرية . . فلما وهن شان الدولة الاسلاميـــــة وتبــــــــاعدت الخلافة عن الحجاز وعن مهد العـــــــــــرب . نال هذه البلاد شئ من ضنك فى المعيشة .

وضيق في النفوس ، واختلال فى الامن . . فقام الأعراب بالعبث تحت وطأة عامل الحاجة وعامل طبيعة العبث بكل مــــــا يمكنهــــــم العبث فيه من المدن والموانـــىء والامكنـــــة وربما كان هذا من الأسباب المباشرة لقلة الماء العذب الآتى من يليل الى بحيرة الجار . ومن ناحية الطعام فمصر التى هى أهم مصادره الى مدينة الجار توالت عليها الاحن ، وتراترت عليها المحن والفتن . . فلا غرو أن يقـــل

الطعام في سنوات الجدب والاضطراب واذا قل فى مصر ، قل بصفة أشد ما يصدر منه الى الخارج كما هو مشاهد ، وربمــــــا يكـون الطعام وافر الوجود في القطر المصرى ولكن ليس هناك سفن آمنة لتصديره الى الجار . . وبهذا وذاك تدخل مدينة الجار في عنـــــق زجاجة الازمة الغذائية المستحكمة . . وبهذا لا بد أن يهاجر منها القادرون وستكون هجرتهم منها مبدأ هجرة عامة ، يعقبها لا محالـــــة مبادئ ، الزوال والافول الذى تتسع رقعته تدريجيا حتى يطبق على الميناء وعلى المدينة معا فا فاذا هما - كما هو الحال الآن وقبــــل الآن - فى خبر كان . .

وانتشار ظلال الامن فى هذا العهــــــد السعودى الحاضر على كافة ربوع المملكــة وسعيها الحثيث القيــــم للاكتفــــــاء الذاتى وللاحياء والانماء يعطى الجار وميناءها وغير الجار وغير مينائها فرصة ثمينة للانبعاث بصفة أعظم واحكم واقوم ، لا سيما ووسائل العلم الحديث بوسعها أن تستخرج المــــاء

النمير العزيز الغالى مادة الحياة والأحياء . . من أعمق أعماق الارض . . وبوسعهـــا أن تجريه الى كل مكان بعيد ، مأمونا من الآفات والجراثيم مضمون الورود اليها بكامله ، كما صدر من منابعه بدون أى رشح أو نقصان أو تلوث . . بل ان فى وسع الاجهزة العلمية الحديثة اليوم ما هو أكبر وأعظم مــــن استخراج الماء من الاعماق البعيدة الغور الى سطح الارض وما فوق سطحهــا . . وذلك لانها تمكنت باخرة من أن تسل الملح مــن الماء الأجاج الشديد الملوحة وأن تحولــــــه الى ماء عذب شديد العذوبة ، وبكثرة فائقة نرووى ألوف الناس ، وتسقى مئات الافدنة الخصبة من الارضين . .

وهذا البحر الملح الاحمر الجاثم تحــت أقدام ميناء الجار ومدينتها مهيأ طبعيا وعلميا لهذا الفتح العلمي المبين ان شاء الله .

وقد قامت الحكومة فعلا بتحويل ملوحة الماء الى عذوبة في ميناء الوجه ومدينته وفي جدة . وما جاز على المثل يجوز على المماثل وذلك باجهزة جبارة انتجها العلم الحديث . . مستمدا مبادئ انجازاته من العلم العربى القديم .

عمران الجـــــــــار في عشرة قرون

تحدثنا المراجع التاريخيــــــــة العربيـــــــة والاسلامية بأن عمران الجار قد استمر عشرة قرون . منذ صدر الاسلام حتى القرن الهجرى العاشر . .

واليك عرض ما تقوله المواجع في ذلك : ١ - في القرن الهجري الاول

تبقى لديه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في هجرتهم الى الحبشـــة . . أرسلهم بحرا على سفينتين مع عمرو بن أمية الضمرى أحد أفراد القبيلة التى تسكن هذه المنطقة . . فرست بهم السفينتان على ساحل بولا - بفتح الباء وسكون الواو بعدهــــا لام ألف - وهو الجار موضوع الحديث بالذات ( ٩ )

ومن هذا النص نستدل على ان (( الجار )) كان معروفا منذ أمد وان له اسما آخر هو ( بولا ) ، وان لم يذكره لســـــــان العـــرب والقاموس لا في مادة ( بــــول ) ولا في مادة ( الجار ) كما لم يذكره معجم البلدان ومعجم ما استعجم في المادتين .

وهناك نص آخر لليعقوبى يذكر ارسال عمرو بن العاص حملة بحرية كبيرة لتموين المدينة بالطعام فى عام الرمادة بخلاف عمر ابن الخطاب رضي الله عنه . . يقول :

( وكتب عمر الى عمرو بن العــــاص أن يحمل طعاما في البحر الى المدينة يكفى عامة المسلمين ، حتى يصير به الى ساحل الجار ، فحمل طعاما الى القلزم ثم حمله في البحر في عشرين مركبا . فى المركب ثلاثة آلاف اردب ، وأقل وأكثر حتى وافى الجار ، وبلغ عمـر قدومها فخرج ، ومعه جلة اصحاب وسول الله ( ص ) حتى قدم الجار ، فنظر السفن .

ثم وكل من قبض ذلك الطعام ، وبنى هنالك قصرين وجعل ذلك الطعام فيهما ، ثم أمــر زيد بن ثابت أن يكتب الناس على منازلهم . وأمره أن يكتب لهم صكاكا من قراطيس ثم يختم أسافلها ، فكان أول من صك وختـــم

أسفل الصكاك ( ١٠ ) وقوله عن عمر لما قدم الجار : انه بنى قصرين في الجار وجعل ذلك الطعام فيهمـــا يدل على ان الجار لم يكن به امارة خاصــــة حينذاك ويدل عليه ان عمر قدم بنفســــــــه لبرى محمول السفن من الطعام ، ولو كان هناك أمير له فى ذلك الظـــــرف لكتب الى عمر يخبره بما وصل من الطعام ساعــــــــة وصوله . فتولية عمر لمولاه سعد بن نوفل امارة الجار كانت فيما بعد هذا الحادث .

وهذا كله ، فيما يبدو ، على انه مـــــــن المحتمل أيضا أن يكون هناك مشــــــرف أو مراقب وضعه عمر فى المينــــــاء ليستستقبل السفن ويعلمه بقدومها ساعة تقدم ، فلما حدث ذلك أسرع بالكتابة الى عمر أو قـدم هو بنفسه ليبشره بوصول الميرة البحريــة العظيمة . وسرعان ما أقبل عمر بمن معه من المدينة الى الجار ، ليرى بعيني رأسه مــا سمـــــع .

٢ - في القرن الهجري الثاني

وقد استمر عمران الجار متزايدا متناميا حتى اذا ثار محمد ( النفس الزكية ) على أبي جعفر المنصور العباسى وتمكن هذا من قتل ذلك عاقب أهل المدينة الشريفة عقوبـــــــــة اقتصادية فسد عليهم منفس مينـــــــاء الجار مينائهم الاقرب ومنع من تحميل البضائع منه اليهم واغلق البحر عنه . وما زال الامر كذلك حتى ولى الخلافة بعده ابنه المهدى ، قفتح البحر للجار وسمح بتصدير البضائع والارزاق منه الى المدينة النبوية ومعلوم ان

أبا جعفر المنصور كـــــان مــــن أهل القرن الهجرى الثانى لأنه توفى سنة ١٥٢ هـ يقول الطبرى :

(وفي سنة ١٤٥ عندمــا قتل محمد ( بن عبدالله بن حسن النفس الزكية ) في عهد أبي جعفر المنصور العباسى ) أمر أبو جعفر بالبحر فاقفل على أهل المدينة فلم يحمل اليهم من ناحية الجار شئ حتى كان المهدى فأمر ففتح لهم وأذن لهم في الحمل ( ١١ ) .

. . في القرن الهجري الثالث

وهذا العمران حمل لواء الحديث عنــــه مؤرخ الحجاز عرام بن الأصبغ السلمي الذى كان عائشا في ذلك القرن وكان معاصرا لابي المجيب الربعي ، ولابي الجواح العقيلي . . يقول عرام :

(( والجار على شاطئ البحر - بحر القلزم الذى عرف حديثا بالبحر الاحمر - ترفأ ( ١٢ ) اليه السفن من ارض الحبشة ومصر ومن البحرين والصين . وبها منبر - أى جامع تصلي فيــه الجمع ويخطب على منبره - وهى قرية كبيرة آهلة . وشرب أهلهــــــا مـــــــن البحيرة - ( البريكة ) . وبالجار قصور كثيرة . ونصف الجار في جزيرة من البحر ، ونصفها على الساحل . وبحذاء الجـــــــار جزيرة في البحر تكون ميلا في ميل لا يعبر اليها الا في السفن .

وهى مرفأ الحبشة خاصة ، يقال لها " قراف " وسكانها تجار كنحو اهل الجار ، يؤتون بالماء من فرسخين . ووادى بليل - الذي يأتى ماؤه الى البحيرة في انابيب من فخار . . كما نرى - يصب في البحر ) وقد اوضح البكرى ما اجمله عرام فنص على أن وادى بليل يصب في غيقة . وغيقة تصب فى البحر ( ١٣ ) .

٣ - في القرن الرابع الهجري

ويحدثنا الطبرى عن دور القلاقل الذي مر بالجار في الثلث الاول من القرن الهجرى الثالث في خلافة الواثق بالله العباسى . . حيث أقدم بنو سليم على مهاجمة بني كنانة وباهلة في الجار مستقرهم وقتلوا منهم اناسا وكان ذلك ضمن الغارات التى شنها

بنو سليم على الناس حول المدينة وقد شمل تطاولهم أسواق الحجاز . . فكانوا إذا أرادوا سوقا من اسواق الحجاز اخذوا سعرها كيف شاءوا ثم تراقى بهم الامر في هذا التطاول على اسواق المدن فأوقعوا بناس من بنى كنانة وبأهلة كانوا ساكنين في الجار ، وقتلوا بعضهم . . حدث ذلك في

شهر جمادى الاخرة من العام المذكور آنفا . ويقول الطبرى : ان رئيس بنى سليم كان ( عزيزة بن قطاب السلمي الشاعر ) . وقد ازعجت هذه الحوادث المؤسفة المخلة بالامن العام في البلاد المقدسة - الواثق بالله فى بغداد ، واهتم بالأمر ، فوجه الى بني سليم من يخضد شوكنهم ، ويقوم بتاديبهم واعادتهم - عنوة - الى الطريق القويم ( ١٤ ) .

ويحدثنا ابراهيم بن محمد الفارسى الاصطخرى في كتابه ( المسالك والممالك ) عن الجار ضمن دائرة مشاهداته في القرن الرابع الهجرى ، ايضا فيقول : والجار فرضة المدينة ،

وهي على ثلاث مراحل من المدينة ، على شط البحر ، وهي اصغر من جدة - بضم الجيم - وجدة فرضة اهل مكة على مرحلتين منها على شط البحر ( ١٥ ) .

ويزيدنا تعريفا بموقع الجار من جاراته . . فيقول : ( ومن ساحل الجحفة الى الجار نحو من ثلاث مراحل . ومن الجار الى ايلة نحو من عشرون مرحلة ( ١٦ ) .

وهكذا يعطينا الاصطخرى تعريفا واضحا محددا للجار في موقعها ومكانتها . . وقوله عنها : ( وهى على ثلاث مراحل من المدينة ) ربما كان بوسعنا ان نوفق بينه وبين قول ياقوت في معجمه : ( بينها وبين المدينة يوم وليلة ) . . بأن نقول : ان بين الجار والمدينة ثلاث مراحل بسير القوافل الوثيد المعتاد . . وبينهما يوم وليلة بسير الاينقي الذلل التى تطوى البيد طيا . .

وكذلك بوسعنا ان نقيس قول ياقوت : (وبينها - أى الجار - وبين ايلة - العقبة - نحو من عشر مراحل ) بأن هذا التقدير اعتبره المؤلف بسير الابل السريعة السير والسرى . . اما إذا كان السير سير القوافل فبين الجار والعقبة عشرون مرحلة كما يقول الاصطخرى وغيره من ثقات المؤرخين والرحالين المسلمين . وكتاب "صورة الارض " لابن حوقل ، الرحالة المشهور . . قد اوضح في مقدمته انه بدأ اسفاره في ارجاء الدنيا من مدينة السلام يوم الخميس بسبع خلون من شهر رمضان سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة وفي هذا الكتاب المؤلف في القرن الهجرى الرابع يذكر المؤلف الرحالة (الجار) ويقول : ( الجار

فرضة المدينة ، وهي على ثلاث مراحل منها على شط البحر ، وهي اصغر من جدة . وجدة فرضة لأهل مكة على مرحلتين منها على شط البحر . وكانت عامرة كثيرة التجارات والاموال ، ولم يكن بالحجاز بعد مكة اكثر مالا وتجارة منها . وكانت تجاراتهم تقوم بالفرس . فلما اقام بها ابن جعفر الحسنى تشتت أربابها ورزحت احوالها ) .

ومما تجدر الاشارة اليه بالمناسبة ، ان ابن حوقل قد رسم صورة " خريطة " لديار العرب فى كتابه المذكور ، ومنهج وضعها لا يبعد كثيرا عن منهج وضع الخرائط الحديثة فيما يتعلق بتثبيت الجهات الاربع فقد جعل ( الجار ) بشمال جدة على شط بحر القلزم على ما هو عليه وضعها الطبيعى وقد رأينا ان ننشر من جديد هذه الخريطة الاثرية العجيبة فنقلناها فى أول هذا العدد الخاص بالمصورة

- بكسر الواو وتشديدها - كما هى من كتاب صورة الأرض بحروفها العربية العتيقة وبخطها النسخي القديم القريب الشبه بخط المغرب العربي . نقلناها كما هى الى هذا العدد الخاص ، لكي يطلع محبو الاطلاع على آثار السلف الاماجد في علم الجغرافيا القائمة تلك الآثار على تجاربهم ورحلاتهم ومذكراتهم واهتماماتهم العلمية النبيلة المبنية على اسس الواقع والتجربة والمشاهدة

وعلى وضع الصور الفنية لنتائج تلك المشاهدات حتى تتجسد مواقع الارض وانحاؤها فى صورة تجلى امام القارئ على صفحة أو صفحات من القرطاس . . كما نقلنا توضيح ما كتب فيها من الخط العربي الغامض نوعاما ، بخطنا الحالى وهذا التعليق على ما يبدو هو ، من "معلق " متأخر عن زمن المؤلف . ويبدو من تعليقاته

الاخرى انه من الذين غربلوا البلاد وقتلوها معرفة وخبرة .

وشئ مهم نلفت اليه انظار القراء . . وهذا الشئ المهم هو قول الاصطخرى عن الجار: ( وهى اصغر من جدة ) . . فهذه الملاحظة العمرانية والاقتصادية من رجل عاش في القرن الهجرى الرابع ودون ملاحظاته الدقيقة - تدل على شفوف حس ، ودقة فهم وشمول علم . . وربما كان الاصطخرى قد انفرد بإيراد هذه الملاحظة عن الجار . . ونلاحظ معه ان ينبع البحر التى آضت ميناء وحيدا للمدينة بعد اندثار الجار هي ايضا ظلت اصغر من جدة قديما وحديثا .

ولم يرد رسم لينبع البحر ولا رابغ ولا الوجه على تلك الخريطة مما يدل على ان انشاءهن كان بعد زمن المؤلف .

٤ - في القرنين السادس والسابع الهجريين

ياقوت جوهرة علماء المسلمين في علوم التاريخ واللغة وتقويم البلدان والأدب . . كان يعيش في القرنين السادس والسابع الهجريين ( ٥٧٤-٦٢٦ ه ) وقد عقد ياقوت فصلا خاصا بمادة ( الجار ) فقال : " الجار - بتخفيف الراء - وهو الذى تجيره أن يضام : مدينة على ساحل بحر القلزم - البحر الاحمر-

آى ساحله الشرقي الشمالي - بينها وبين المدينة يوم وليلة . وبينها وبين أيلة - عقبة أيلة = العقبة - نحو من عشر مراحل . والى ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل . وهي في الاقليم الثاني . طولها من جهة المغرب اربع وستون درجة وعشرون دقيقة . وعرضها اربع وعشرون درجة . وهي فرضة ترفئ اليها السفن من ارض الحبشة ومصر وعدن والصين وسائر بلاد الهند . ولها منبر ، وهي

آهلة ، وشرب أهلها من البحيرة ، وهي عين يليل . وبالجار قصور كثيرة . ونصف الجار في جزيرة من البحر ، ونصفها على الساحل . وبحذاء الجار جزيرة في البحر تكون ميلا في ميل ، لا يعبر اليها الا بالسفن ، وهي مرسى الحبشة خاصة ، يقال لها " قراف "- بفتح القاف والراء المفتوحتين - وسكانها تجار كنحو أهل الجار ، يؤتون بالماء من على فرسخين . وقد سمي ذلك البحر كله بالجار . . وهو من جدة الى قرب مدينة القلزم . . قال بعض الاعراب :

وليلتنا بالجار والعيش بالفلا

           معلقة أعضادها بالجنائب

سمعت كلاما من ورا سجف مجمل

         كما طل مزن صيب من سحائب

وقائلة : لاح الصباح ونوره

        عسى الركب أن يحظى بسير الركائب

عسى يدرك التعريف والموقف الذى

        شغلنا به عن ذكر فقد الحبائب

وهذا الاعرابي الشاعر يلمح لنا عن حياة الاعراب في مدينة الجار ومينائها . . كما يشير الى سير الركائب وهي الأينق الذلل في طريق الجار الى مكة . . فهو اذن من سكان الجار بدون ريب ، لانه يتحدث عن نفسه فيه ويذكر الركائب المعرفة - أى الذاهبة الى عرفة منه في حج ركابها .

وعجيب أن تبقى الجار على ازدهارها ، في قرنين كانا مثوى القلاقل الكبار على العالم الاسلامي من اقصاه الى ادناه . . وليس ياقوت ممن يلقون الكلام على عواهنه ولكنه العلم الثقة الوثيق وصاحب الاستيعاب الشامل الدقيق . وفي ذينك القرنين بادت مدن عظيمة وأحرقت قرى ، وعم البلاء واستطار الشر في كل مكان . .

وعدم تعقيب ياقوت الحصيف على ما أورده من عمران ميناء الجار ومدينته يدلنا على ان العمران المشار اليه لم يتغير ولم يتكمش والا لكان ياقوت قد اشار الى ذلك وأشبعه تفصيلا وتحليلا ، كما فعل زميله في العلم والاستيعاب ( القلقشندى ) في موسوعته الجامعة : ( صبح الاعشى ) . . فقد رأيناه عندما أورد التعريف بوادى كلية نبه على ما طرأ عليه من خراب كما سياتي بيانه في بحث ( عمران الجار في القرن التاسع الهجرى ) .

٥ - في القرن الهجري الثامن

ولد ( شيخ الربوة " محمد بن ابي طالب الانصاري شمس الدين ، مؤلف كتاب " نخبة الدهر في عجائب البر والبحر " في سنة ٦٥٤ ه وتوفي سنة ٧٢٧ ه فهو اذن من اهل القرن الهجرى الثامن . .

ويبدو لنا من تاريخ ولادته ووفاته الحقائق التاريخية التالية :

اولا : انه ولد باواسط القرن الهجرى السابع الذي توفي في اوائله ياقوت الحموى . وذلك ان ياقوتا توفي سنة ٦٢٦ ه وشيخ الربوة كما قدمنا آنفا ولد سنة ٦٥٤ ه . فبين وفاة ياقوت وولادة شيخ الربوة ثمانية وعشرون عاما .

ثانيا - بين وفاة ياقوت ووفاة شيخ الربوة مائة عام وعام واحد ، وذلك ان ياقوتا توفي بسنة ٦٢٦ ه وشيخ الربوة توفي بسنة ٧٢٧ ه ٠

يقول شيخ الربوة عن مدينة الجار في كتابه الآنف ذكره : " ولها - أى للمدينة الشريفة - فرضة على البحر القلزمي ، يقال لها " الجار " بينهما ثلاثة أيام ، وهى جزيرة

يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها " ( ١٧ ) ونعتقد ان قول الاصطخرى وغيره فى موضوع ما يحيط بمدينة الجار ادق وأحق . . فانها محاطة من ثلاث جهاتها بسور من حجر ابيض ، والجهة الرابعة محصنة بالبحر . . اى بالخليج الخارج من البحر العميق او المخرج منه منذ القدم . . وليس بصحيح - حسب مشاهداتنا وحسب قول الاصطخرى وغيره قديما - ان البحر يحيط بالجار من ثلاث جهاتها فان الواقع الذى شاهدناه ينفي هذا القول . . ويدحضه . .

وهناك مؤرخ اخر من اهل القرن الهجرى الثامن نفسه ، هو " الملك عماد الدين اسماعيل ابن محمود - محمد - بن عمر المعروف بأبى الفداء صاحب حماة . . فاننا نراه يصف (الجار) وصفا مقتضبا اذ يقول : ( ومن تلك الاماكن : الجار ( من اللباب : يفتح الجيم وألف وراء مهملة ، وهو فرضة المدينة ، على ثلاث مراحل . ومن الجار الى أيلة نحو عشرين مرحلة ( ١٨ ) .

٦ - في القرن الهجرى التاسع

أورد أحمد القلقشندي من اهل القرن الهجرى التاسع ذكر الجار في كتابه ( صبح الاعشى ) فقال : (هي فرضة المدينة الشريفة على ثلاث مراحل منها . . قال ابن حوقل : وبينها وبين ساحل الجحفة نحو من ثلاث مراحل . منه عن أيلة على نحو عشرين مرحلة ) .

وايراده ان الجار ميناء المدينة الشريفة من دون تعقيب منه على ذلك بحدوث خرابه . . يدل دلالة واضحة على بقاء عمرانه في القرن التاسع الهجرى . . ولو كانت مدينة الجار قد اعتراها الخراب والاندثار فى زمن

القلقشندي لذكر ذلك نصا فقد عني بذكر خراب واد يقرب من رابغ اقل اهمية بكثير عن مدينة الجار فقد وصف لنا وادى كلية - بضم الكاف وفتح اللام بعدها ياء مشددة مفتوحة فتاء مربوطة - فقال عنه : وهو واد بالقرب من خليص به نحو سبعة أنههر - أى عيون - على كل نهر - عين - قرية وكان بيد سليم ، وقد خرب عن مدة قريبة بعد الثمانين والسبمائة ( ١٨ ) .

وهناك مؤرخ اخر من اهل القرن التاسع الهجرى ايضا وهو يجمع بين التاريخ واللغة . . الا وهو مجد الدين الفيروز آبادى صاحب " القاموس المحيط " ، في اللغة وصاحب " المغانم المطابة " في تاريخ المدينة الشريفة .

كان مولد الفيروز آبادى بسنة ٧٢٩ ه ووفاته بسنة ٨٢٩ ه.

وكان مولد معاصره السابق ذكره : احمد القلقشندي بسنة ٧٥٦ ه ووفاته بسنة ٨٢١ ه . . فالفيروزآبادى متقدم عن القلقشندى في زمن الولادة ، ولكنه متأخر عنه في الوفاة يبضع سنوات من أوائل القرن الهجرى التاسع . .

يقول صاحب القاموس المحيط عن " الجار " - مادة جور - : ( والجار المجاور ، والذى اجرته من ان يظلم . والجار بلد على البحر ، بينه وبين المدينة الشريفة يوم وليلة . ومنه عبدالله بن سويد الصحابى أو هو حارثى .

وعبد الملك بن الحسن وعمر بن سعد وعمر ابن راشد ، ويحيى بن محمد : المحدثون الجاريون ) . وقال في " المغانم المطابة " : الجار بلد على ومن في " الخانهم اكتس ؟ حي البحر قريب من المدينة ) (٢٠ ) .

٧ - في القرن الهجري العاشر

تحدث عن الجار في هذا القرن مؤرخان احدهما نور الدين على السمهودى وهو من اهل المدينة ومن علمائها ومؤرخيها . وثانيهما عبد القادر الجزيرى الانصارى امير الحج المصرى .

قال نور الدين السمهودى المتوفي سنة ٩١١ ه في كتابه ( وفا الوفا بأخبار دار المصطفى ) : الجار قرية كثيرة الاهل والقصور بساحل المدينة ترد السفن اليها ) . وقال ايضا : والجار بينه وبين المدينة يوم وليلة ) . . قال هذا نقلا عن الفيروزآبادي ولم يعقب عليه بشئ . .

ويقول عبد القادر الجزيرى الانصاري المتوفي في أخريات القرن الهجرى العاشر في كتابه : ( درر الفرائد المنظمة في اخبار الحاج وطريق مكة المعظمة ) ما نصه : ( ثم يرحل- أى الحاج - الى بدر ، فيأخذ اليها في ثلاث مراحل ، ويرد ماءها ، وهي مدينة في الحجاز ، وبها عيون نضاحة - نضاخة - وجداول متسلسلة وأرض مخضرة الزرع ، مبقلة ، ونخيل ملء الحدائق ، واشجار أخر قليل عددها . وبها - أى الجار - فرضة المدينة الشريفة فيرد ماءها ) ( ٢١ ) .

وهذا النص صريح من عالم امير حج خبر طرق الحج من مصر الى مكة . . ان قوله عن الجار : ( فيرد ماءها ) نص لا يقبل شبهة على انها كانت مأهولة في عهده ، وان ماءها كان

موردا معروفا يرده الحجاج بعد ان يجتازوا قرية بدر في طريقهم الساحلي الى رابغ فجدة فمكة . .

على هامش الجانب العلمى للرحلتين

* أولا - يبدو لي ان اطلاق اسم " الجار " على البحر الموالي لميناء الجار ومدينته من جدة الى مدينة القلزم كما روى لنا ياقوت الحموى ، يدل فيما يدل على استبحار العمران بالجار ، وذيوع صيتها فى العالم حتى ان اسمه طغى على اسماء الموانى والمدن المجاورة من جدة حتى مدينة القلزم . وربما كان معنى ذلك ان جدة كانت تسمى الجار من باب التغليب في الظرف الذي اشار اليه ياقوت .

* ثانيا - قول ياقوت الحموى في معجم البلدان على ما سلف بيانه في مكانه : ( طول مدينة الجار ٦٤ درجة و ٢٠ دقيقة ، وعرضها ٢٤ درجة . . فيه نظر . فهو قول حررت فيه خطوط الطول والعرض قبل أن تدخل الى علم الجفرافيا الدقة في تلك الخطوط . . بالعصر الحديث . . والا فان صحة خطوط طول الجار وعرضه هي كما يلى :

عرض الجار : ٧٠ ْ٠، ٣٨ درجة طولها : ْ٦٠ ٠، ٢٣ درجة ( ٢٢ )

ثالثا - ذكر المؤرخون اسم امير الجار

سعد بن نوفل مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه . . وذكروا اسماء بعض ابنائه ووصفوهم بأنهم محدثون . . وهم :

١ - عبد الله بن سعد الجارى ( نسبة الى الجار ) . ٢ - وعمرو بن سعد الجارى ٣ - وعبد الرحمن بن سعد الجارى .

وكان عبد الرحمن بالكوفة ، وسمع ابن عزة وروى عنه منصور وحماد بن أبي سليمان قال وكيع فهؤلاء الثلاثة المحدثون هم ابناء امير الجار سعد بن نوفل . ويضاف اليهم :

١ - يحيى بن محمد الجاري . قال البخارى : يتكلم فيه

٢ - وعمرو بن راشد الجاري ، وهو من موالي بني الدئل من الفرس . وهو من اهل المدينة كان بالجار زمانا . ثم سار الى المدينة ، فقال : لقبوني بالجاري . .

٣ - وعبد الملك بن الحسن الحاري الاحول ، مولى مروان بن الحكم ، يروى المراسيل سمع عمر بن سعد الجارى ، وروى عنه أبو عامر العقدى ( ٢٣ ) .

فهؤلاء ستة محدثين . وقد ذكر المؤرخون صحابيا اسمه عبد الله بن سويد وقانوا في وصفه انه ( جارى) أى منسوب الى الجار ، أو ( حارثي ) منسوب الى حارث أو حارثة .

اشترك في نشرتنا البريدية