أنا واقف خلف النافذة ، كعمود ، اسكره الانتظار وزحمة الشوق . البركان ، فى صدرى ، اتجاه فيكسرنى . تحت ضلوع الصدر اصابع تبعث الحريق، تبحث فى حبة القلب . العرق اللزج على صفحة الوجه . العين غائبة تقرأ خطوط الشاطئ البعيد فى دفء شمس هذه الظهيرة الصيفية من شهر يونيه الحالم . مراكب شراعية تغدو على خد النهر ، كالحمام ، تطير ، تتزحلق وحيدة وسعيدة . كل موجة تائهة تعانق اختها وترنيمات على الضفة تعيش سعادة مؤقتة . الضفة تقبل اختها ، شوقا ، وقد مزقهما النهر ، ابعدهما ، فهما لا تلتقيان . الشوق فى صدرى يعذبني . . انا خلف النافذة . الابواب موصدة . . قضبان الحديد حولى تحرسنى . الضيق النفسى والاختناق فى حلقي ثقيلان كالرصاص . انا فى القفص . وحيد غربة وضياع ، لا ارتوى من كاس . لا أشبع من قبلات النهر . البحر يحبني . النهر يضمنى فى امسيات قمرية الى صدره اغفو سعيدا .
انا واقف خلف سياج القصب . الكلب نائم . الكلب ، هو الآخر ، مريض بميكروب الغرام . كلبة المدير رفضته ، لم تبادله حبا . الام تتناوم تحت قروح رأسها . أم الاطفال تتألم من ضغط فى القلب . ضاق القفص اكثر . القضان النوافذ موصدة . الابواب مغلقة . النهر فى صدرى يعذبني ، يسكب روحه في كأس ، لنسكر معا . النهر يقتل نفسه ، ويترك الضفتين تتعانقان تغفوان في عناق طويل . الشاطئ هناك فى غلاف ضبابي كعروس اسبانية تزف الى حبيبها على عرش من الاصداف . البيت كمشة انين . الام تتألم . الاطفال فى عراك مستمر
السابعة صباحا . . وهربت سيارة الشركة عائدة الى المدينة لتأتي بفيلق آخر من الموظفين الشمس فى الافق ، تغدو الى مخدعها كزورق حالم يؤلمني سفره .
- تلفنت لك امرأة من عائلتك ) قال ذلك الحارس - ارجوك . أنا بالبيضاء . أنا غائب
نظر إلى الحارس في شبه ذهول . صعدت درجات السلم الحجرى . رفضت مكالمتها فى الهاتف . غضبت صاحبة شباك التليفون . المرأة اخت المرأة نتفهم اشياءها الصغيرة . انا الرجل ، المتوحش ، غريب عن حضارة هذه الاشياء الصغيرة . كرهتها بلا حقد . لا احبها . غير انها حلوة فى عينى . ربما احببتها بلا شعور . آثار اظفارها على ذراعي . تؤلمني أظفارها . تمزقنى أظفارها : لا أقول شيئا . غريب أنا فى قبضة الالم وزحمه الشوق البيت تجمههر صداه صداعه فاصبح كمشة كبيرة من الالم . اللحن فى صدرى . اللحن فى يدى . اعراس فينوس في حبة القلب . البيت اصبح كمشة أنين ترتوى منى.
الساعة الثانية زوالا . كنت على فراش النوم اغذ وراء حلم رجل اسود بطاردني بسلهامه . رمى الرجل الاسود السلهام على كتفي . طار السلهام بى فى سماء زرقاء كعين قطة تتناوم قرب موقد نار . وخرجت من البيت . احمل مهانتى احمل ذلى. انا الانسان يتحدى . تسمرت نظراتى عليها . ضممتها الى صدرى بنظراتي . الشمس محرقة فوق رأس ابيك فى اسواق البادية . الشمس محرقة على حلدك اللدن بين قبور الموتى . ضممتها اليك ككل . انسانة وحيدة . تركت وراءها ذكرياتها . خلفت في البعد ، خطها الدفاعى وجاءت اليك . امرأة تريدك با سيدي . رفضت انت مكالمتها فى الهاتف . ولم تكلمك هى المسكينة . وحيدة هى ، فى عرض الشارع . وحيدة تحت عين الشمس القاسية التى كانت تتبعك ، انت واباك في طريقهما الى عزيب العوراء والحاج هدى بمزارع الغرب الساهمة فى ضباب المستنقعات الرابضة قرب النهر العظيم . وحيدة هى وانت كذلك . غمامة النوم لا تبعثها عين الشمس . وحيدة ، اسيرة كسمكة فى شبكة لا ترحم . اسيرة هذه المرأة التى تحبك . كنت نائما مع الاخرى على فراش دزنة اولاد و قط فرنسي مشاكس . حول عنقك سلسلة من ذهب نسميها فى البلدة : الزواج . الاخرى المسكينة ، وحيدة ، تحت عين الشمس لا ! سلسلة لها تعطيها حق الوجود والحياة . كان شابان يحومان حولها تجاهلتهما هى . كنت انت وحيدا . الشمس قاسية . سرت امامها . ذابت حبة القلب .
- اتبعيني يا امرأة
.اعتبرتك غريبا يكلمها . التفتت هى الى الوراء . كانت غريبة
- نعم . سر امامي ، فانا تابعة لك
كالحلم تتبعك . يؤلمك خطوها وهى تتبعك التفت أنت إلى الوراء ، كانت هى تتبعك ، وحيدة وغريبة كعصفورة فى قفصها ، انها تتبعك . القفص فى صدرك . الجلباب اسود . خصلات الشعر نافرة . الصدر به حبات رمان القت عليك نظرة ألم وعتاب . . فى عينيها ألم كبير . انها تعتذر . الا تقبل عذرها ؟ . سارت أمامى كسمكة تتبع صيادها فى الشاطئ الواسع.
الثانية عشرة ليلا . توقفت سيارة الاجرة امام البيت . كان بداخل السيارة امريكى أسود . قفزت الى صدرى شحنة كهربائية من الميز العنصرى . كانت هى واقفة تحت فانوس ينير طريق العشاق فى الليل الساهر والحزين يدها على جرس الباب . تائهة وضعيفة . امرأة عاشقة . هل عرفت امرأة ما عاشقة . . يا سيدى ..? ؟
فى عرض الشارع والشمس طاقية على رأسها ، وحيدة ، تنتظرك .
- ارجوك اتركيه ) صاح سائق طكسي الليل ( - اخرس انت . لك أجرتك وكفى .
كان جلبابها اسود . السكر فى الرأس . الاعضاء قوية . الاحتراق بحبة القلب . النظرات تائهة تتخيل طيفك . تقبض عضلات اليد على عنق بيجامتك فى المساء شيء ، كان ، سيحدث . وانت ، كنت ، تعيش لحظة انتظار . ما اقسى الانتظار . قسوة فى نظراتك . نظراتها كانت قاسية قبل ان تراك قبلت العين توأمتها . اصبحت نظراتها حالمة . استعطاف . امك ، فى صدرها الملايين من النساء المعمرات ، تتفرج عليكما . . كنتما على خشبة المسرح ببابها . امك واقفة تحت عتبة الباب التى تؤدى الى فسحة الشارع .
ارجوك ، يا سيدى . . اتركيه ) قال سائق طاكسى الليل ( - اخرس ، انت . لك اجرتك وكفى وقصفت فى وجهك كالبركان - اتبعني والا اقتحمت البيت ضحكت أمك وهى تتثاب من تعب قديم. - انها جميلة وذات اعتدال . غير انها محرقة كالنار . الويل منها . ابتسمت هى ابتعد الطاكسى قليلا عن باب بيتك . قفز الكلب من رقدته.
الطاكسي بالباب ينتظر . الامريكى الاسود يلتفت ، يدير رأسه الى الوراء . فانوس الليل يبتسم لكما . السائق غاضب . عداد الطاكسى يئن تحت حمل الارقام . الامريكي الاسود الذى ادى ثمن سكرتها منذ الصباح ، يتساءل النهر في صدرك تزدحم امواجه . تثاءبت أم الاطفال وهى تمسح عينيها من نوم ثقيل
- هل استيقظ النهر فى صدرك ؟ كانت غاضبة كالجحيم. - .أجل - هل تخرج الى النهر . كن حذرا النهر لا يرحم. سؤال قصف فى الدماغ ككرة اطفال صغيرة . - .النهر يحبني - .كن حذرا نعم.
- وغضبت انت كذلك . طارت سيارة الاجرة تحملنا كالبضاعة . كنت معها بالمقعد الاخير . السائق مذعور ، كاننا سنفر ولا نؤدى أجره . الامريكى يلتفت الى الوراء البيت أنين . الدموع تنهمر من العيون . هى تضحك بجانبى . هى سعيدة . كنت أنا غاضبا . الامريكي قصير ، أسود ، على رأسه قبعة وربطة عنق تضم ياقة قميصه . كنت غاضبا . بسيارة الاجرة رجل آخر . احتقرت نفسي . لا اريد ان اضايق الاخرين . لا احب الاستعباد . عرجت السيارة منحدرة من شارع احمد شوقي الى شارع اشبيلية ، فشارع الامام على الامريكي بيد عصبية ، منتقمة بعض الشيء ، يقبض على حافظة نقود صديقتي حافظة نقودها اوراق شخصية واخرى مهنية . لو ضاعت الاوراق ؟ ؟ . لا يهم الكومساريا - كلها - تعرفها . لها جواز سفر . جواز عادى وجواز ديبلوماسى الشبكة والاسماك . لا تسألني . اصمت مثلى . نحن الرجال كلاب . الفوانيس نموت الى الوراء . المسجد . المئذنة . اشباح بشر . كلاب ضالة . نوافذ ساهرة فى بعض العمارات . محطة البنزين . اكشاك باعة الصحف والسجائر الاشجار . . الاشجار . السماء السماء يلعب على صدرها بدر وليد . لا يحبني احد بهذه المدينة . هذه المرأة تحبني . الاخرى تحبني من اجل اولادها . انهض يا حمار . سر يا حمار . تحبني أمي المريضة العجوز خافت على يوم دخلت للكتاب للتعلم . خرجت هاربا من الكتاب . أمي تعيش كمشة خوف دائم.
مستمر ، لا ينام ابدا . كنت عاريا تحت قميس النوم الذى يسترنى . وحيد انا على فراش النوم . وحيد فى البلدة . سعيد بوحدتى أنا . بكل مقهى أصدقاء لى من الغرباء والمسافرين . نجتر الذكريات . نلتهم الكأس . من انفسنا نأكل ونطعم الغير ان كان جائعا . سيارة الاجرة تطير.
دراحة صديقي الذي يحمل بطنا مترهلة كبغل ، تئن ، تئز ونحن لا نرحمها من ثقلنا . الوزن والامتداد وابعاد المسافة . الطريق طويلة . عرجت الدراجة الصغيرة على شارع روزفلت المتفرع عن طريق عنترة . فالميناء . الميناء يزدحم ببواخره . الرافعات تلوى اعناقها كطير اللقلاق
- هل تذكر يا صديقى ذكرياتنا بالميناء ؟ . - أجل أذكر ذلك . وسهراتنا ايضا بالضفة الاخرى على النهر العظيم - نعم ، كانت نعم الذكريات - ابد . . كانت لنا ذكريات . الآن ، شخنا . - ابدا . لا يشيخ الانسان ، يا صاحبي ، الا عندما يريد - انا شخت ? . . - أنا لا أشيخ . .
النسمة . المدينة مزدحمة الدور والعمارات . بيضاء - هذه المدينة - كوجه عاهرة صبغت وجهها بمسحوق الطالك . السكة الحديدية تموت على الضفة احجار مسننة تمد اعناقها لتمزق اقمصة النهر الحالم . وشركات الحبون في هذا المساء ، حيث الحمالون ) الهومارة ( يتعبون تحت الاكباس التى تنتظرها السفن بالميناء الطويل . بالمنعطف ، الهومارة ينتظرون اجرة المساء . كطير اللقلاق يعيشون على اجرة يومهم . يأكلون ، يزنون ، يكذبون ويسرقون أغبياء هؤلاء الهومارة . على اكتافهم يصعد كل من انتخبته عصابة البورصة فى مدينة الكسالى . الهومارة طيبون . الرجال اغبياء . الدراجة النارية الصغيرة تتألم . لا نرحمها نحن من الاثقال والامتداد . الكون يؤمن بالحركة والصيرورة . سكان المدينة الكسالى يؤمنون بالامتلاك والاحتكار والنميمة . سكان المدينة حشرات . فانوس ازرق يرنو بعينه الوحيدة الى المنعطف حيث تنام القاعدة الامريكية مغلفة بالضباب . امامها مباشرة نادى التجديف والشراع . انا كالبضاعة خلف صاحبي . بطنه تهتز بثنياتها كثوب قديم تلعب به الريح على سلك الغسيل . الطريق تمد عنقها . . احجار حادة . حفرات عمرها الوحل القناع شاحب . خلف الطريق الميتة ظلي كان ساكنا وممزقا . كنت عاطلا.
جبت طرق البحث والازقة . نمت على ضفة النهر العظيم ، تحت الشمس القاسية، تعلمت سر النهر . هذا النهر العظيم الذي طالما واسانى بنسمته ، بموجته اللبنة كلما نزلت اليه . تعلمت اشياء عظيمه من مراقبة طيوره المضيق كم ضمني النهر الى صدره . كان الصوت يثرثر فى اذنى ، فأصعد السطح . حاولت الانتحار مرتين ، ففشلت . المدينه العاهرة تصلي حرائم الزنا والبطالة والافتراس والافلاس . الايدى الخفيه التى لا تعرف يمناها عن يسراها شيئا تلعب بمصائر الصغار . تكونت العصابات باسم الدين والحديث والسنة ثم الاجماع . لم يكن كوبرنيك أحمق . الاجماع ، هذه الحلقة الفارغة ، تؤدى كالحشرات . الاجماع خراب . العصابات . هذه الطريق طالما مشيتها حتى الاعياء . كنت اتقى الشمس بظل اوراق شجرة التين علي الصخور . الاوراق نافرة ، هزيلة قد اكلتها الدودة . قشور المرض على جذع الشجرة . صديقتها البئر تفتح فمها لتعلق السحب البيضاء المسافره على خط نار الشمس الصيفية . الطريق والحزن والخوف . فى المساء تكون العوده كساعة اعدام بالنسبة للذين سيموتون . الذين سيموتون ، ايتها المدينة العاهرة ، يا مدينة الشاطين ، يا وكر العصابات ، يا مهد السرطان ، يحيونك يحيونك لانهم يحبونك يا عاهرة ممسوخة الوجه والقفا . يا وكر الدعاره والخيانة . لعب في صليك البرتغالى . الاسبانى ، الفرنسى ثم الامريكى . نحن نفايات . اقنعة تحمل حراثيم الغير . تحمل الصليب وتنتحر كلما جاء المساء . الازقة ضيفة . الابواب مشرعة كافواه العجائز بالزوايا . بعض الفوانيس هنا وهناك . هذه الفوانس لا تنير الطريق امام السائر ليلا او السائرة ، بل تنير نوعية الشخص . تتداخل الاشباح فى بعضها . تذوب فى بعضها . تمد الايدى للايدى بالدولار او البسيطا او الليرة الايطالية او الجنيه المصري . تلعب الالسنة بشتي لغات العالم كاذاعة دولية . تزدحم الاشباح ، فى الليل ، على دور الماخور والفيلات الساهرة فى انتظار الربح . الذين يصلون ، بالمدينة تجارتهم حرام . يصلون ليكفروا عن جرائم المشردين ، المطرودين والكسالى بالنيابة والعذارى والافلاس . المساجد تشيد دفعة واحدة وعلى رأس كل شارع . لا معمل للطبقة الكادحة . لا مدرسة ليلية للاطفال الذين طردوا . لا مواصلات للاقدام المتورمة بالمشى . لا شيء فيك يغرى ايتها المدينة ، ايتها القردة الا الحفلات . . الحفلات . والاعياد . . الاعياد . والفيلات والعمارات . هي يعبدونك . وانا احبك يا مجرمة . هم يقدسون تمثالك الكبير . وانا ابحث عن موطن افلاسك ، مرضك وجهلك ، لاعالجك يا جاحدة ابناءك الصغار . كان ابي بطوي ميلين مشيا على الاقدام لصلاة الفجر . اصبح ابى كسولا . حاكم
البلدة كسول . كلنا كسالى بالنيابة . الاشجار . . الاشجار . هل جلست في ظل شجرة تبتسم على فتحة نهر يجرى الى ما لا نهاية . رأسك على صدرك . ظهرك ملتحم بجذعها . قدماك ، منشورتان امامك ، كصحيفة اخبارية . اذنك على الريح التى تلعب بالورق . انفك - كالصراف - على النسمة . خط جسدك امتداد ، فحركة ، فصيرورة . من انت ؟ اخرس . لا تكلم احدا . الدراجه تجرى كجروة مسها حر الصيف . صخور النهر الساهرة فى المساء تبتسم وتستمع لمد النهر . خط جدار السجن المركزى ، فى الافق ، طويل وعريض يضم المشردين والنفايات التى خلقتها عصابات الذكر والاحتكار وحكمت عليها بقانون الاجماع . لم يكن كوبرنيك احمق . صخور اخرى سوداء تحت اسوار السجن برج مراقبه السجن كرأس طائرة امريكية ، حربية ، بها اسلاك الهاتف . وتدور عين المصابيح الكاشفة القوية ومن تحتها تتحرك فوهة الرشاش ، مسددة على كل شبر من الجدار الاول والثانى والثالث . عيون الكاشفات تحرس الطريق الدائرية . . الكسالى بالنيابة على الصخور يزدحمون كالذباب . بايديهم اقصاب الصيد . ينتظرون ويطردون الذباب عن وجوههم . اقدم لك اعتذاراتي . . اطلب منك تعاطفا متواضعا ، كى اهرب من حكمك . التعاطف . لا تحكم على . ساحتقرك مقدما . فى دمى يجرى تيار اسبانى ، برتغالى ، فرنسى ثم امريكى . انا المصلوب فى سنة 1950 . انا ذنبك . انا جريمتك . الاتهام والقفص والقضاة والمشرعون ثم الاجماع . لم يكن كوبرنيك أحمق . عصابات المساجد والصلاة يبيعون زوجاتهم لشراء فيلات واوسمة حسن السلوك والخدود المحمرة والبطون والمؤخرات
سهم الشوق يعذبني . الطريق تمد عنقها .
قال صاحبي بعد صمت طويل - آه منك يا شوق . - الحب عذاب . . - الحب يعاش ولا ينطق به . .
قفزت شعله النار تحت حبة القلب . اشتعلت اعصاب الجسد والعضلات نارا غاضبة تأكلني . اعراس تقام على الشاطئ . الامواج المتفتحة الصدر والنسمه تمسح الشاطئ ورؤوس الصخور ، فى حب كبير . أشعر بالغربة وسط الملايين . رقم تافه فى جسد المدينة . ويخرج صديقي سلطان البحر من حانة " مبروكة " التى تنام على زاوية سقفها مدموازيل سوزى - قردة افريقية من فصيلة الشامبانزى . سوزى تكره النساء . مؤخرتها فى حلقة حديدية
اكلت جل زغيها . سلسلة تربطها الى قاعدة حديدية . القضبان . صديقى سلطان البحر ، رفض العمل فى مؤسسات يملكها اعضاء المجلس البلدى . جاب العالم عل ظهر بواخر تحارية . كان حمالا وقوادا ثم جاسوسا . اصبح رجلا . وجاءه الفتح والالهام فرفض العمل والعالم . حط رحاله بصخور الشاطيء ، الواسع ، هناك ، بكشك من الاسمنت . كان كلبه الابيض يتبعه صديقى طويل . عضلات مشدودة . لا شيء يشده الى هذا العالم الوسخ زهب في غبشة المساء . رداء شعر ينحدر ، كموجة ، على كتفيه وظهره . ومن حوله الالوان صفراء ، زرقاء ، خضراء - متعانقة ، نافرة وغريبة فى هذا العالم المغلق . ابتعد صاحبي في الغربة الذي لا يحب المدينة كان كلبه يتبعه . نحن الكسالى بالنيابة نعشق المطلق ونكره نساء المدينة . تنحدر الى المدينة لتقتني كمشة خضر وتعود الى اكشاك الاسمنت المقوى ، وسهر الليل الطويل والوحدة ، حيث الانا لتبحث عنها من زمن بعيد ، موحدة بالصخر والصمت . رمى ثيابه بكشكه لا وجود للنصوص . قفز الى عرض المضيق . تراشق الماء حول جسده . قفز كلية ، وراءه . في صدر الليل ، عبرا معا المضيق سباحة . تسلقا شاطيء شليحات . لفهما الظلام والشوق القاسى فى قبضة الصدر يقفز كطفل عضلاته مشدودة ، لمعانقة الشاطئ وصيد الاسماك والبنات اللاهيات . الشوق نار تحرقني . تحترق سيجارتى . يحترق البنزين بصدر الدراجة النارية الصغيرة التى تلهث من تحتنا . الارض تدور ، تجرى ، تحترق تحت لظى الشمس الشمس ، هي الاخرى ، تحرق نفسها . الشمس تموت فى الافق ، في صدر البحر ، ترتمى كانها متيمة وعاشقة . الديمومة والصيرورة والانتهاء . تحركت النسمة هائمة تبحث عن نفسها . بمنعطف النهر تحركت النسمة اكثر مشطت شعر راسينا . انا ملتصق بصديقى كبضاعة . فى الماضى ، كنت ، اجرى وراء الفراشات . كنت ، اذ ذاك ، احب الغدير الهائم والنائم تحت الحشائش وخضرة الارض والظلال . كانت الاحراش البعيدة لغاب "الفوارات" ذات القنوات التى تخفض من مد النهر ، تتشمس وحيدة ، مزينة كامرأة غريبة عن البلدة كنت غريبا لا تحبني ابنة الجيران . كنت تافها وبلا نقود . يكرهنى الاب والاخوة وصحبي في المدرسة . كنت وحيدا . والفت وحدتى . كلما جن شوقي الى نفسي الهاربة ، عدت الى ذاتى . تقوست على الارض الام . اتداخل فى نفسي كقط صغير يراقب جحر فار . تقفز شبكة الاعصاب . اصمت انا. واتصيد الفكرة تلو الفكرة . واهبط سلم الوعى الى الدرجات الاولى من اللاوعى ألم في صدري . الحريق يأكلني . وعلى شاشة عيني ترتمى صورة المرأة الام ، الاخت ، الحبيبة والانثى . منازل غافية قرب القاعدة الجوية وحذو الطريق
الذاهبة الى شاطئ مهدية والقصبة والاحراش . تنحدر الطريق ، معمل الزليج والاسمنت والبرتقال بين سيقان اشجار الكاليبتوس . الغاب العسكرى . امي تخاف من العسكر . ابي واختى كذلك . الكل يخاف من الجنود . الغاب والاسلاك لمعسكر ساحة الاعدام ، مغلفة بظلمة كثيفة . اشعل صديقى عين دراجته . كنت مريضا من الشوق والاهتزاز والركود وقفزات النفس من الماضى الى الحاضر والى ما وراء الماضى . الى ما لا نهاية فى ذكريات العمر والامم السابقة التى نامت على ايامها التربة والصمت والخرافات والاساطية القديمة .
- انك صامت ؟ - الصمت صديق - الصمت ومراقبة الطريق ، شيء متعب . - الحريق فى صدرى ، يا صاحبي - انا فاهم . . - لم لا ترحمنا ، فنستريح قليلا من تعب هذه الدراجة - من شد الحزام على الوسط ، لا يستريح يا صاحبي - هذه الطريق متعبة وذات احجار صلبة ، تؤلمنا - لا يهم . الحبيب ، هناك ، ينتظرنا .
انقشعت الظلمة قليلا . تفتح ايدى النساء نوافذ البيوت . تصيح الاصوات على الاطفال الصغار بساحة القرية التى عمرت ارضها القيادة العليا للجيش ببيوت صغيرة ومزدحمة . الدخان يرتفع في سماء القاعدة وفوق هذه القرية الصغيرة . المساء يفد الى بيته . يطارده ليل أسود مهموم كصدرى . أنا محمول كالبضاعة اتعبت صاحبي بطنه الكبيرة . الطريق طويلة ، صحيح ، ومتعبة صديقى النهر يتمدد ، ينحدر ، يمر عبر ارض ترسية نائمة على الاحراش والدواوير الصغيرة المزدحمة على بعضها خوفا من رحبة الافق . المساء . في كل بيت ، فى كل شقة وعمارة وضيعة ، تنتظر المرأة الرجل . يعود الاطفال ليملؤوا البيت صراخا وسعادة . تبقى عين الام عالقة بالدرب ، بالطريق بالمنعطف ، تنتظر المرأة . الرجل كذلك ينتظر . يتوقف الليل . فيهل الرجال
بيوتهم كالطبور . من يحمل الخضر ومؤونة الليل لاطفاله . من يعود غاضبا ، خاسرا ، يطلب في سره ، معركة اخرى ينتصر فيها على نفسه . ينقسم الليل نصفين . كذلك الرحال ، يخرجون كطيور الليل الكواسر التى نعيش فى الظلام سعادة كبيرة . وكمشة اخرى تختبئ تحت استار فراش نسائهم خوفا عليهن من انفسهن . لانهن شابات وصغيرات . يشبع الرجل من المرأة واواني المطبخ وصراخ الاطفال . يرتخي وتر الليل . ترتخى العضلات المشدودة بقوة الارادة . ترتخي عضلات البطون ، فتتبرز بكثرة . تغور مياه العيون ، ويحرث الهم الوجه بالهم وضيق اليد . ترتسم الخيبة على افق البيت ومستقبل الاطفال . الاب فاشل ، لان الاخرين يملكون كل شيء حتى حق التنفس في الشاطئ . الاب مستغل . الاخرون مستغلون ، يملكون المقابر الرخامية ، والشواطئ البعبدة ومقاعد المدارس . العائلة الفقيرة . لا تقوى الارادة على صد تيار الخيببة والفشل ، فتموت كانها لم تكن . وتنبت على صفحاتها حذور الخرافات والاساطير وتعويذة الفقهاء وقراءة الطالع . وتكون الكأس هى الداء والدواء المؤقت ، تحت غيمة سقف بيت شاهد صراع انين من : فصيلة الحيوان البشرى . تنهزم الالفة والحنان . تأتى موجة من الكراهية والحقد لتصفع وجه مرآة دولاب العائلة الكبيرة . كذلك تموت النار فى الموقد الذي خرج منه الارث والحرث الجماعى والاعراف . ينتهى الليل الى سكون توقظ جنباته طرقات رجل شبع من السكر . تصرخ الزوجة . يستيقظ الليل الليل كله صراخ . تهرب الزوج باطفالها الى بيت أبيها . تعود الزوجة الى الشارع . تهرب برفقة رحل آخر ، كذلك ، فاشلا . لان الاخرين يملكوا كل شيء .
الدراجة الصغيرة تطلب الشاطئ البعيد . الدراجة تئن وتتألم فى صمت . محركها ملأ الفضاء الساكن صراخا ونحيبا . المساء والظلمة عالقان سرموش مصابيح الثكنة العسكرية الواقفة امامها ساحة الاعدام المظلمة
- هل وقفت معصوب العينين امام البنادق ؟ - لا . لم يحصل لي ذلك - سيحصل لك ذلك الشرف - الله يحفظ - الامر بيد الانسان
دفعوني في شخص الاخرين الى ساحة الاعدام . هل دفعوك الى ساحة الاعدام ؟ ؟ . الاعدام بالنسبة لك شيء عادى ، اذا ما اعدم آخرون . ولكن ، هل دفعوك أنت الى ساحة الاعدام ، معصوب العينين ، مقيد اليدين . بلا بطاقة تعريف الفقيه واقف امام واجهة البنادق . يرتل آية الرحمن . يعطيك الفقيه تقديسا ربانيا . الفقيه واقف . وكيل الدولة وقاضي التحقيق والمحامي وكاتب الضبط يتلو صحفا مطهرة . لا كذب . لا زيف . الكل ابرياء . اليدان مقيدتان فى حبل الى وتد كم شرب من عرق الموتى . ألم تستمع الى دقات قلوبهم المرتجفة هلعا لمغادرة هذه الحياة ؟ . ويمر خط الذكريات فى سرعة ثم يتوقف فى تلك اللحظه التى تعيشها بكل ابعادها . الذين سيموتون ، سيعدمون ، سيسافرون على اجنحة طائر الموت الاصفر ، يحيونك ايتها المدينة الفاضلة ، يحبونك يا قيصر . وتعطى الاشارة . تسدد الايدى المقيدة بالف عقد من العادة والتقاليد الموت والفناء . لعبة خطيرة لا يقدم عليها الا رجال ماتوا مرتين . الذين سعدمون يحيونك يامدينة الكلاب . يرتل الفقيه ويطلب السماء ان تستقبل روحك . انت جامد . ميت مرتين . الحب . الحياة . الاطفال او صديقات الليل ، تمر صورها الوحدة . الخوف . رئيس فريق الاعدام بوجهه الكالح الاسود وصدره الضامر الحقود ، يتنفس بعمق . يأكلك بنظراته لينتقم منك . ترتفع اليد لتعطي الاشارة . الفوهات تنظر الى صدرك كالثعابين . تشعر بهزة النار تسرى في صدرك . لقد مت مرتين . تتدحرج الجثة . تأخذها الايدى الى حفرة . . نذكرنى بالاعدام ، فانى اكرهه . بلدتى صغيرة ، لكنها مقبرة كبيرة . فى الفجر توقظني اصوات البنادق وهي تطلق الرصاص . مرت على حضارات : البرتغال الأسبان ، الفرنسيون ، الامريكيون ثم المغارية . أنا فى ذيل القافلة . يوقظني الرصاص فى الفجر . السجن الكبير - فى بلدتي - يفتخر به اعضاء المجلس البلدى . تلتقط لهم صور امام بابه الذى يبتسم ابتسامة عريضة . لا تذكرني بالسجن ولا بساحة الاعدام.
الشوق فى الصدر والخوف من ظلمة المساء . . انا اتمزق. تبكي الدراجة. . . يتألم الجسد . الشاطئ بعيد . الشاشة تنفتح فى عين الليل وفي صدري يغنى الطير . يغنى فريد اغنية الليل الحزينة . كمشة حب فى قفص الصدر تحترق . تبكى العيون . تتمزق السحب على خد القمر الساهر.
ابى ، فى الذاكرة التى لا تموت ، يطارد اسراب الطريق التى تمد عنقها . الصيف المحرف جاثم على المزارع . الضريبة او الترتيب على اعناق المزارعين والفلاحين . الضريبه قدر لا يناقش . التعب وقدماى الحافيتان تمزقهما
- الطريق الوعرة القاسية . ولسان ابى يطفح بذكر الله . عندما يأخذ منه التعب والطريق تمد عنقها ، يغنى ابي اغاني رعاة جبل الظل والمعاريف . كان مزارعا صغيرا ثم خماسا ، عندما رمى القائد وعصابة كلينشات ايديهم على قطعته الارضية . ابي يحب الارض . تنغمر الدمعة فى الصدر ثم يطفو على على الوجه الذي يعصره حر الصيف . تجفف اليد العرق . تنصب اليد قب الجلباب على الرأس الذي تضمه العمامة . ابى رسول فى طريق العمر الطويل. يبكي ابن عندما يتذكر حبه الكبير . وانا بالقرب منه ، بخطوى الضيق الصغير، أنتحب -في صمتي - تعبا وخوفا مما فى صدر ابى . وتملأ افق حياتى سحب أبي وذكريات حبه الكبير . الطريق تمد عنقها . سحب افقى سوداء . فى صدرى حب ابى الكبير . حبي انا قد مات.
- الطريق طويلة . - آه . من عذاب الطريق - هل تحبها يا صاحبي ؟ . - أحب نفسي فيها - أنانية - أجل . الحب انانية . اصل الجرثومه امتلاك - هذه الطريق طويلة - نعم يا صاحبي . الطريق طويلة
ولعبت النسمة باوتار واعراش نبات السياج القصبي . اصبح البيت سرير مرض وسوق عكاظ للنحيب والتشكى . طارت بومة ، فرقت ما بين الجناحين بم سقطت بكمشة ظلها في ستار ظلمة الليل . الدراجة بعينها الوحيدة الباهته ، تمرق ظلمة الطريق الممدة كعذراء . تمزقت استار الليل وتسربت الى صدرى نسمة اغنية قديمة ، كانت ترددها امى ، عندما يطول غياب ابى باسواق الناحية، ونكون ، عادة ، قد اضربنا الجوع . واشتاق ضلع أمي الى قسوة ابى . تتمدد امي ، بعدما تغتسل . تردد فى صوت بارد ، يصعد فى دفقه باردة ثم تصعد النغمة وأمي ممددة على الحصير . رأسها على الوسادة . انا تمثال جامد تعيش عيناى . انا تمثال جامد.
طلع القمر على وجه الوادى . . وحيدة - أنا - بين اولادى
لا احد يطل عليا . . انا وحدانيا . .
طريقي طويلة بلا والديا .
لا قنديل لا شمعة حدايا . .
الليل طويل ، يا العارف ، ما بيا . .
بتبكى امى . ابى بالأسواق فى سجن القائد بوشعيب النصراوى . كانت بضاعته محرمه من جانب واحد . لا وجود لنا . البضاعة ممنوعة من جانب واحد . . الآخرون : القائد والجنود والبنادق والباشا والقضاة والمشرعون والجوع والالم ، وجه واحد لا يشعر بك أحد . وبالكوخ الخشبى يأكل منهما الجوع والحرمان . انت عائب فى السجن يا ابى . انت هومار . انت حمار بالموقف . تنتظر من يشغلك . تنظيف المرحاض للسيد الفاسى . تحمل الاكياس وقوالب الاسمنت لسيد العلوى . تمسح الارض وتسقى العرصة للصيد القاضي حاكم البلدة بالفقه والعادة والتقليد . . السلف . . عصابة الفقهاء والمتآمرين تحت ستر الليل يكتبون مصيرك . لا وجود . ابى فى سجن القائد . ابي بين الحواحز والموانع والفواصل تم القواطع . وكبرت كشجرة بلا ساق . لا وجود . البيت ملأه النحيب . يد الفاقة . التى عصرت عنق ابى كديك بذبحه عارف يهودى من بيعة التلمود ، يأخذ بعنقك . . كبر الاولاد . كبرت مشاكلهم . . جاء الصيف ذاب الجليد فى صدرى . اصبحت المدينة ، كلها ، بنات . الجندي هو الرجل، المذكر هو صاحب الرصاص . الانثى فى كل مكان . لا وجود للمذكر في المدينة جاء الصيف . غير ان شيئا فى صدرى تمزق ، استيقظ ، نشط ولم اعد اعرف داتى . نفسى جزر مجهولة . تغدو على صفحة مدها اشرعة تائهة ، هائمة تأخذنى . حمار فى الموقف ينتظر المشغل . جاء الصيف . تمزق نحو الليل عن حلمة صدرها غلالة الضباب وتتأمل نفسها فى مرآة الوجود . انتحبت الدراجة ومات صوتها . نزلنا . ماتت اعضاء رجولتنا . الحسد مصلوب على ? قطعة من الحديد . محرك صغير يدفعك الى الامام ، معادلة النار والنور النقود تطير من جيبك . البنزين يملكه الفاسى . البنزين يملكه الامريكي وطبقة برابرة اغادير
- استسمحك . سانظف الشمعة . - العفو . - رميت ثيابى . رميت جسدى فى الماء . وسبحت وحيدا . خط الضفة - يتمدد الميناء العسكري ، يتمدد فى ظلال المساء وذكريات صدرى . النار في -
صدرى . زورق صغير ينتظر يقظة البحر ليطير الى الجزر النائية . الماء ابي وامتى واختي . حملني الماء على صدره . النار فى صدرى . الميناء هناك والسيارات تمر كالعاصفة . عجلات السيارات ، تأكل الاسفلت الممدد كامرأة تنتظر ، تنتحب ، تبكى تتألم . فى الصباح تلفنت الى.
- آلو . . بارودى ؟ - نعم . - أأنت بارودى ؟ ؟ . - أجل يا اميمة . . - انا ناشطة برفقة صديقة لى ، بحانة كريسمس . هل تستطيع ان تأتى ??? - غير ممكن . - انا ناشطة . . سامحنى . . انتظرني ، مساء ، بحانة موكا . إذا لم تأت اتيت اليك ليلا امام اهلك . عندما أقرر شيئا أنفذه ولو كان فى ذلك حلق لحية باشا المدينة - لحية الباشا مقدسة . - اذا قررت شيئا نفذته . . - الى اللقاء فى حانة موكا - اتقسم على ذلك ؟ - بالله يا سيدتى . . - آمنت بالله وكذبتك انت . - الف مرة كذاب . - كذاب . . - الف مرة . . - أحبك . - الى اللقاء .
انقطع الصوت . فى المساء عندما رمتني سيارة الموظفين بالقرب من مخبزة بوهوش ، اتجهت بخطوى الضيق الى حانة موكا . الحمام العمومي . اشارة المرور بعينها الصفراء ، تغمز ، تقفز بالاخضر والاحمر . البنطلون والكعب العالى والنهد الصغير واشواق المساء . المدينة انثى . انا احب النهر والبحر والصخور والقنديل . المدينة انثى مدللة . الهيبى والخاصرة الضيقة فى
السروال العصري والكعب العالي - فى ثوب المذكر - يخطر على طرقات المدينة . العين كحيلة . مسحة احمر الشفاه على الشفتين . المدينة انثى الرجل هو الجندى صاحب الرصاص . نحن كسالى بالنيابة ، نحن اناث. النهر يتمدد ، ينصهر ، تدب فى ثوبه حركة سرية . احب الماء . فوانيس هناك قرب الميناء تقرأ الحشرات قطرات ضوءها . المد يلعب بثيابه كشاب صغير ربوة سيدى الغازى ، فى الظلمة ، صامتة . اغلقت دكاكين ، هناك ، ابوابها، بقيت احجار بالقرب من الرصيف ، تنبئ عن مكان سوق الاسماك . هجمت الظلمة الكثيفة . ارتفع الضباب قليلا . تسلقت صخورا مسننة على الضفة لبست ثيابى.
- انا موجود . انت الدراجة النارية الصغيرة. - هل اصلحت العطب ?? ؟ - أجل
أنت الدراجة ثانية . رمينا ، بلا رحمة ، عليها ثقلنا . ارتمى خط الطريق الى الوراء . الشوق فى الصدر . الطريق تخترق اسوار القلعة البرتغالية كانت النار تنطلق من الضفتين . انطلقت النار من الزاوية . كان الاسود يركب حماره البرذون . كان الاسود يحمل عصا الطاعة . تسلم الاسود مفاتيح القلعة . رجع الى خيمته المنصوبة ، هناك ، على الضفة اليسرى للنهر الكبير اكل من لحم عجل سمين . شرب من الزق . رفع انفه ، فدخل الشعراء . لم يذق هو طعم النار ولا الهزيمة . الهزيمة للاخرين . لم يجع ، هو ، يوما في طلب هذه القلعة الحربية . رحل البرتغال . نحن نفاية . البرتغال رحلوا. رحل الامريكان . هجم الجوع والالم وتقبيل الايدى واللجام . الرقابة والمقص والحرس . الحراب والشعراء والكلاب . فى مدينة الكلاب ، اقامت عصابة المجلس البلدى تمثالا لكلب انجليزى . اودع الشعراء دم مخهم في تمثال الكلب . بصقه على وجه مدينة الكلاب . كسرت الطوق وشعرت بان الشمس تشرق لى وحدى . الناس نيام الناس مخدرون بكرة القدم والموضة وسباق الخيل والكلاب . الناس نيام . لا تهدى الجواهر للحلوف . الناس النيام حشرات سامه . كبرت فى عين نفسى . . يخافك الكلاب عندما تكبر فى عين نفسك . ذاب الجليد فى صدرى . قطفت حبات الرمان من صدر فتاة ليل مثلى ، محطمة ومتخلفة : انثى ، أم ، أرض ، بحر وسماء . غرقت في ليل سعادتى . كبرت فى عين نفسي.
وراء السوق الاروبي اوقفت ، هى ، سيارة الاجرة . نزل الامريكى . قالت له شيئا فى أذنه . لم افهم انا شئا . هربت بنا سيارة الاجرة . لقد قالت له شيئا في أذنه . تألمت . كان الامريكى واقفا كعمود فانوس . قبعته واسعه فى ظلها ، على كتفيه . كان يحمل في يده حافظة نقودها كباقه ورد تافه طارت بنا سيارة الاحرة . كانت هى تضحك . كانت تحبني . كرهتها بلا حقد . السائق : زيدى الفلوس ؟. هى : اذهب ، الله ، يلعن دين امك . . السائق : اتفو عليكم يا الق . . . انا : تفو مرتين. هى : تقدم ولا حطمتك. انا : حاضر.
بيت فوق سطح البحر ومد المدينة . مصباح أحمر يتدلى . أبا جورة صفراء . صور سياحية لأقاليم مدينتى التى أصبحت ماخورة . سرير واسع رمت ثيابها .
- لم لا تقبلنى؟؟ - انت سخيفة. - .احبك يا حبى - اكرهك - صحيح ؟ - .أجل
غضب . صفعة على وجهى . غضبت أنا . صفعة أخرى على وجهي . صفعتها بقوة ، سقطت ثم بكت . طارت الخمرة من الرأس . بكت وصفعتني الخبيثة ولعنتنى.
- انا لا احبك ) قالت ( - أكرهك ) قلت انا (
فتحت باب غرفتها التى ازدحم بها الحر والذباب . خرجت وحيدا ، مطرودا فى ليل المدينة . الغضب فى الصدر . فى بيتى مأتم . الرجل ميت فى المدينة. القضبان . زهور الربيع للغير . ها هى الشمس ككرة برنزية محمرة الجفن الغضب فى الصدر يأكلني . ها هى تتبعني ، وحيدة ، مطرودة من عالمها الانثوى . كقطة صغيرة تتمسح بى
- ارجوك سامحنى. الشمس محرقة . في قبضة الصدر يذوب الجليد شيئا ، فشيئا .
- ارجوك . لم اعد استطيع صمتك . اصفعنى . اضربني اذا اردت . لكن تكلم. - لقد حذرتك من المجيء الى بيتي - اني احبك . عندما اسكر ، تصعد صورتك على شاشة صدرى ، فأطير اليك . احتمي بك من نفسي . أذوب فيك ، أتمزق بالقرب منك . اني أموت . اني احترق . هل تدرى ما معنى الاحتراق ؟ - وبالمقهى ؟ ؟ - سامحنى . قالت لي ذلك صديقتي زهور ، صباحا فى الساعة السادسة لم أنم ليتى . لم آكل شيئا . بكيت كثيرا . أنا مريضة . سامحنى - وحافظة نقودك ، واوراقك الشخصية ؟ - أخذها الامريكى . اف . لا يهم . . هل تسامحنى ؟؟
- .لا استطيع - ارجوك ، لآخر مرة . . سامحني . . اعتذر . هل تريد ان اقبل حذاءك ؟ ! منعتها . انهمرت دموعها . ضممتها الى صدرى . طفلة لاهية لا تدرى معنى لرغباتها . بكت اكثر . مسحت بيدى دموعها . مسحت خصلات شعرها الفليني ضحكت هى . طفلة لاهية تحبني . قطة متوحشة تلاعبني . اصبحت كالجندى - المحارب - على صدرى آثار اظفارها . الشمس تضحك معنا . - .سأسجن نفسي - من اجلك - بمقهى الشاطئ - .حسنا تفعلين
- وهل تزورنى ؟ . - اذا سمح الوقت . . - انك لم تسامحنى. - .بل سامحتك يا طفلتي - احبك يا طفلى البرونزى . . احبك - كذابة . . - الف مرة . . ضحكنا . وودعتنى . طفلة لاهية ، فى جسد امرأة ، تسير تحت شمس الصيف .

