الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

بصماته فى شتى الميادين :

Share

وأضيف من ناحيتى كل هذا باعتبارى شهدت الرجل وهو ينجز عمله ان هذه البداهة تفرض نفسها بنفسها .. لان رؤى محمد مزالى المحتشدة تتحد ومنطق ارسطوطاليس من اجل التفتح الافريقي .. .

ان ((حديث الفعل)) هو ثمرة تجربة ناضجة وثابتة تواصلت على امتداد حياة كرست للنضال من اجل الكرامة والحرية والوطن وهو نضال واصله كل يوم وعاشه وتشبع به .. وترك بصماته فى كامل المجموعة التونسية التى كانت تبحث عن وحدة كيانها وجذورها ..

وبقولنا ((نضالا)) أو ((معركة)) ونحن نتحدث عن نضال محمد مزالى فانما نعنى الفعل او العمل .. الذى تواصل دائما بواسطة الفكر والقول معا .. وعلينا ان نؤكد على هذا وان نحفظه .. اذ ليس من المؤكد دائما ان يتصرف رجل سلطة هو فى نفس الوقت رجل فكر على هذا النحو .. فالاولوية تمنح عادة لاحد هذين المظهرين .. وكأن الانسان يتنكر لجزء من ذاته ونفسه .

على العكس من الجميع استطاع محمد مزالى ان يبقى هو .. وان يحافظ على كامل جوهره .. اى ان يبقى رجل والمفكر على امتداد حياته بصفته رجل عمل ورجل سياسة .. واستطاع ان يضع كامل فكره فى خدمة عمله وكامل فعله لخدمة فكره .

لقد وفق الى تحقيق ذلك كله باخلاص وشرف لا غبار عليهما ..

فى مجلة - نوفل أوبسرفاتور - خصته جوزيت اليا بالتقدير والاشادة لنزاهته المعنوية والسياسية مبرزة هذه الجملة التى قالها امام التلفزة الفرنسية فى برنامج ((7 على 7)) : ((وانى لأرفض وانا فى الحكم ان ألطخ يدى .. ان                                            125                                  861

الغاية لا تبرر الوسيلة .. وواجب على الانسان ان يحافظ على درجة عالية من الاخلاقية حتى وهو يحكم)) .

ولم يتخل محمد مزالى عن هذه الاخلاقية على امتداد حياته كما لم يتخل عن اللازمة التى كانت على الدوام الخيط الموصل للفعل لديه .. والمتمثلة فى نضاله الدائم والدائب من اجل انبثاق ثقافة وطنية .. ولقد كتب فى هذا الموضوع يقول : ((هنالك حقيقة تفرض نفسها علينا اولا وبالذات .. فى بلد هو بصدد تشييد مستقبله .. لا يمكن ان تكون الثقافة الا وطنية .. وهذه الثقافة فى تونس ترتكز على التجذر فى العالم العربى الاسلامى وعلى الاندراج فى محيط البحر المتوسط مع كل ما يتطلبه ذلك من ابراز وتأكيد الخصوصية التونسية)) .

وقامت مجلة الفكر منذ عام 1955 بخدمة هذه الثقافة الوطنية خدمة مثالية .. وبتأسيس هذه المجلة والاشراف عليها اعطى محمد مزالى تونس اداة مثالية تنحت هذه الهوية الوطنية التى ما فتئت تنمو وتنبت عبر السنين مع بروز ادراك وطنى سليم وايجابى .

مثل هذا الوعى لا يمكن ان يولد الا فى المدارس والمعاهد وحركات الشباب .. حيث عبئ كل شئ من اجل انفتاح الافكار ومد الاجيال الصاعدة بغذاء يليق ببلد ذى تاريخ طويل زاخر ثرى ..

عندما كان محمد مزالى ما زال استاذا شابا استطاع بعد ان يطبع جيلا بأكمله .. يتذكر من ذلك عزيز المحجوب الذى كتب عنه فى مجلة - جون أفريك - يقول : (( يبقى محمد مزالى بالنسبة لقدماء تلاميذه بالمعهد الصادقى ..

أستاذ الفلسفة الذى ساعدنا على اكتشاف هويتنا الوطنية وعلى انتسابنا للثقافة العربية الاسلامية ولهذه الامة العربية الاسلامية التى ما زال الجزء الاكبر منها وقتها خاضعا للاستعمار .. ان الامر بالنسبة لهذا الاستاذ الذى لم يكن كغيره من الاساتذة الاخرين لم يكن يتخلص فى تقديم دروس عن هذا الموضوع او ذاك .. وانما كان يعنى دعوتنا باطراد الى انماء ذكائنا وادراك مسؤولياتنا المستقبلة .. تجاه الارض التى بعثنا عليها ... ))

وتلتقى هذه الذكريات بالذكريات التى قدمها لنا محمد مزالى فى سيرته الذاتية وهى السيرة التى حيتها صحية - لوماتان دى بارى - بهذه الكلمات ((لقد اجاد محمد مزالى التعامل مع كسافيى أوليس متقبلا الحوار بصراحة ووضوح صارمين .. وآل هذا الحوار الطويل الذى غمره محمد مزالى بشغفه 862                                         126

وذلاقة لسانه الدافئة الى استعراض سيرته الشخصية .. وهى سيرة شخصية خالصة من كل العقبات المتواجدة حتما فى مثل هذا الحال .. وبفضل تلك السيرة تمكنا من التعرض للعديد من المشاكل المشتركة بين البلدان السائرة فى طريق النمو .. من خلال كبريات مراحل الرجل الذى اكتشفنا فيه محدثا وقاصا رائعا)) .

ويا لها من اشادة أيضا بالرجل تلك التى قدمها الاكاديمى موريس دروون - فى مجلة - العالمين - والتى تنال المغرب والعالم العربى من خلال محمد مزالى .. وهذه فقرة مما كتبه (( قال لى الرئيس بومبيدو ذات يوم .. كلما سرت فى الحياة .. ازددت يقينا ان رجال الادب هم انسب الناس للحكم ..

(( قال لى ذلك قبل أيام من وفاته فى اخر لقاء لى معه )) .

(( وقرأت مؤخرا كتاب السيد محمد مزالى وزير تونس الاول والذي اسماه ((حديث الفعل)) فذكرنى بما كان قاله لى الرئيس بومبيدو اذ انه كان احسن تجسيد لما كان قاله لى الرئيس الفرنسى الراحل )) .

ومما يلفت النظر بشكل خاص فى شهادة هذا الاكاديمى الكبير قوله "ان السيد محمد مزالى كان اديبا وسيبقي كذلك ولقد أعد فكره لكى يسيطر على كل مشكلة ، وطريقة تفكيره تتكيف مع كل وضعية ما دامت الامة هى همه الدائم لانها تمثل الشرط الاول لكل عمل جماهيرى ولان الانسان هو غاية هذا العمل )) .

ولقد اكتشفنا بالفعل فى محمد مزالى قاصا عجيبا على امتداد الفقرات التسع التى تكون كتابه وخاصة فى ((حبات الامل)) حيث تحدث عن طفولته المتواضعه فى ظل أسوار المنستير .. هذه المدينة البحر اوسطية التى تهدهدها النسمات البحرية بلا تعب ولا ملل .

منذ ذلك العهد المبكر بدأ الطفل يتعلم الحياة .. وبدأت صلته بالمدرسة وبالعمل الحضارى وبالشعور بالبؤس الذى كان يخيم قبل الحرب العالمية الثانية .

بازاء كل هذا .. كانت تلك الفترة هى التى بدأ فيها الطفل .. والشاب فيما بعد يتأثر بالزعيم بورقيبة ..

كتب مزالى عن تلك المرحلة يقول : (( كنت فى ذلك الوقت متعلقا بالرجل اكثر من تعلقى بالفكرة ومنذ مراهقتى كان بورقيبة بالنسبة لى مثال المجاهد الذى لا يكل .. ونموذج الوطنى الصادق الغيور والخطيب البارع المفوه .. ))

و ((حبات الامل)) هى أيضا الذكريات المرتبطة بالدراسة الثانوية فى الصادقية واللقاء مع الاستاذ الكبير محمود المسعدى .. وهى كذلك سهرات ومهرجانات باب سويقة .. والحماس للرياضة ..

يقول محمد مزالى : ((اهتممت كثيرا باللعب ذاته أكثر من اهتمامى بالرهان .. بالخصال المعنوية وطريقة تعامل اللاعبين الانيقة اكثر من اهتمامى بقدراتهم الجسدية أو النتائج الغنية .. لقد كنت أحس رغم صغر سنى ان المقابلات الرياضية يجب ان تطبع الشبان بالروح ((الفريقية)) وبالولاء واحترام قانون اللعب)) .

اشترك في نشرتنا البريدية