سنوات طويلة وكل شهر تفرد الحمامة التونسية جناحيها الابيضين ... تشق الابعاد والمسافات لتحط على مكتبى ... حاملة رسالتها المغربية الى مشرقية فى العالم العربى وبين طياتها الندى والحب والثمر . ندى الآراء والخواطر ... حب المعرفة وبذور الفكر الحر الرصين ... ثمار الادب من شعر وقصة ... وقطاف الاقلام من مقالات ومراسلات وتعليقات .
يا لهذه الزاجلة الامينة . . لم تكن لتتأخر . . وفى موعدها الدقيق تصل . . ذلك لان القائمين على رعايتها ومن يطلقونها كل شهر كانوا حريصين على هذه الدقة . ملتزمين بأمانة الرسالة التى تحملها بين جوانحها .
والآن . . ألا تحمل لى فى هذه المناسبة الخاصة جدا .. العزيزة جدا . . بطاقة تحية ؟
انها رفة حب . وزهرة عطر .
والحمامة التى تحولت الى نجمة .. وغرفة الماء التى غدت نهرا . . تستحقان منا اكثر بكثير بعد ان استضأنا بالنور . . ونهلنا من المورد العذب .
هذه ذاكرتى . . وهذه اعداد من المجلة .
من زاكرتى اقطف اسماء الذين تعرفت اليهم دون ان اعرفهم .. ومن اعداد المجلة أرصد المواقف والمواقع والمنابر الحرة التى أتاحتها لمن كتبوا فيها .
الذين عرفتهم قيل أو دون أن أعرفهم هم كبار المثقفين والفكرين ليس فى تونس فقط بل فى العالم العربى . وهم ألمع الكتاب والشعراء .. وأجود النقاد والباحثين والدارسين . كنت أتتبع خيوط النور تشع من آرائهم . أولئك 361
المخلصون من الوطنيين الصادقين الذين قارعوا الاستعمار الاجنبى . . وحملوا لواء التحرر الوطنى .. ورفعوا على كواهلهم بناء تونس الحديثة ضمن الاطار العربى القومى . الذين أبهظتهم مهام جسيمة كمهام التعريب والتصدى لتغلغل الثقافة الاجنبية باسم الحضارة والتمدن وتحملوا مسؤولية ألف مشكلة أخرى ليس أولها اصدار الصحف والمجلات - وعلى رأسها " الفكر " - بالعربية . وليس آخرها قضية فلسطين محور صراع الوجود بين العرب والصهيونية .
أقول إننى عندما التقيت للمرة الاولى بالمفكر الكبير والاديب البارع الاستاذ محمد مزالى عام 1976 ( وكان رئيسا لاتحاد الكتاب التونسيين ووزيرا للتربية ) وبالاستاذ المثقف واللامع البشير بن سلامه ( وكان رئيس تحرير محلة " الفكر " ) شعرت اننى أعرفهم حقا .. أعرفهم من خلال مقالاتهم وافتتاحياتهم . . ومن خلال المقولة العامة الاساسية التى تنظم مجلة " الفكر " .
ففى اعتقادى أن رئاسة تحرير لمجلة أو اشرافا عليها لا بد أن يقتضى بالضرورة أساسا عاما ومنظورا فكريا من خلاله تمر المواد مهما كان تنوعها لتدعم هذا الاساس ولتحقق هذا المنظور . هذا لا يعنى بالطبع تدخلا مباشرا فيما يقدم على صفحات المجلة . . ولا تقييدا لحرية الكاتب أو الاديب . المهم فى نهاية الامر ان يتحقق الهدف البعيد للمجلة أو الغايات المثلى والمرجوة التى خلقت من أجلها .
ولقد كانت تجربة " الفكر " تجربة فريدة من نوعها فى عالم الصحافة العربية نظرا للظروف الصعبة التى أسست بها . . ونظرا للشروط التى طمح مؤسسها فى أن تكون لها منذ صدور العدد الاول . أما الظروف ... التاريخية والموضوعية فيتحدث عنها الاستاذ محمد مزالى فى أكثر من مناسبة .. وعلى صفحات المجلة بالذات بأنها كانت فوق الصعبة واكثر من الشائكة فالفترة هى تباشير الاستقلال ، والاستعمار ولو انسحب لابد سيترك ظلاله السوداء وآثاره الثقافية واللغوية . وبالنسبة للشروط فماذا نقول فى مشروع يقوم فقط على همم قلة من الشبان الطموحين المجازفين وهم لا يملكون لهذه المعركة سوى ايمانهم الراسخ .. واعتقادهم الامين بوجوب خدمة بلادهم ولغتهم ؟
وكان ان ولدت المجلة عام 55 وقد حددت لها مواقف وتركت لها حرية التنقل بين المواقع .
1 المواقف : أما المواقف وهى ثابتة وأكيدة ، مبدئية وواضحة فكانت تتلخص فيما يلى :
1 - الموقف من خدمة القضية الوطنية كجزء من القضية العربية ككل ، أو ما عبر عنه ( بالتونسة ) وهو مقصد أساسى هام ونبيل منه تمد الجسور الى كل الاقطار العربية لتتجمع فى الساحة الاصلية ساحة العروبة .
2 - الموقف من العروبة وحدة ومصيرا وكيانا ومقومات بحيث تبدو كل الطروحات مهما تعددت . . وكل الاصوات مهما تنوعت قادرة على أن تصب فى الهدف الاساسى وهو وحدة العرب .
3 - الموقف من القضايا الفكرية والثقافية العالمية بحيث تفتح النوافذ على الآفاق .. فلا تبقى الثقافة العربية منغلقة على نفسها .. مجترة لذاتها بل متفاعلة أخذا وعطاء مع الحضارات والثقافات الاخرى فى الوقت الذى تحتفظ فيه بسماتها الاصيلة ومميزاتها الخاصة بها .
4 - الموقف من الانسان ككائن أسمى على الارض .. وما يستتبع ذلك من نظرات الى المفاهيم والمقولات الاساسية من روحية وانسانية وما يستدعى التواصل بين الشعوب لا على أساس عدائها بعضها لبعض بل على أساس حوارها الحضارى وتفاهمها الانسانى .
5 - الموقف من الدين .. وهو الاسلام غير منفصل عن العروبة مع نظرة شمولية وهى ان الاسلام سمة حضارية وطابع انسانى وليس تعصبا وتزمتا مع ترك مفتوحا للاديان والمعتقدات الاخرى ان تتعايش معه وان تتفاهم فى ظله وان تتساوق فى ايقاع انسانى سام ونبيل .
6 - الموقف من اللغة العربية تراثا وأصالة وتجديدا مستمرا يتوافق مع معطيات العصر ومع ما تكنزه هذه اللغة من ثراء يدفعها الى التجدد والحيوية باستمرار .
عن الناحية الاولى - أى عن تأسيس المجلة - يقول الاستاذ محمد مزالى : اسألنى فى الكثير من الاحيان عن السبب الذى جعل فى تونس كل مجلة لا تتجاوز السنتين أو الثلاث سنوات من حياتها وكنت أتألم أن كثيرا من التونسيين - وحتى المثقفين كانوا مقتنعين بأنه ليس بوسع تونس أن تستصدر مجلات جدية دائمة . كانوا ينتظرون النور من الغرب أو من الشرق وهكذا ظلوا قانعين بكونهم ( مستهلكين ) لا ( منتجين ) فأردت بحمية الاستاذ الشاب الذى كنته أن أتحدى الوضع وقلت فى نفسى : إنه بوسعى اذا كرست كل وسائلى وحركت همم بعض الزملاء الشبان أن اكسب الرهان 363
المتمثل فى اقامة الدليل للتونسيين والاجانب على ان مجلة ثقافية غير تجارية تحترم القارئ ولا تتملق اهواءه ولا تكون أسيرة الظرف ولا الغريزة بامكانها ليس فقط ان تبقى بل ان تتقدم أيضا ( * ) .
وهكذا ولدت مجلة " الفكر " .
والاستاذ مزالى ( فى العدد 4 جانفى 1977 ) يتمنى أن يعيد ذكرياته مع " الفكر " ( بنفس الافراح ونفس الاوجاع ونفس التحمسات ونفس البحث عن الحق والخير ونفس دواعى النتائج ) .
اذن ... فـــ " الفكر " تجربة صحفية ثقافية مع الصدق والحقيقة .
2 المواقع :
أ - موقعها من الحركة الوطنية التونسية والاستقلال فقد تواكبت مع تلك المرحلة التحررية التى تسلم فيها التونسيون مصير بلادهم واخذوا يعملون وفى كل المجالات وعلى كل الاصعدة آخذين بعين الاعتبار الصلة الوثيقة بين الثقافة والادب وبين التحرر والاستقلال مؤكدين على القيم الاصيله فى الحضارة العربية الاسلامية .
ب - موقعها القومى بحيث رفضت منذ البدايات شعارات العروبة واعتبرت تونس جزءا من الوطن العربى وقضاياه وحافظت على الروح القومية شعارا وممارسة ففتحت أبوابها لكل الادباء والشعراء والمثقفين العرب ونشرت نتاجاتهم بل كانت جسر اتصال ووسيلة لشهرتهم أحيانا .
ج - موقعها من التراث فقد كان اهتمامها به باديا ملحوظا ولم تترك مجالا فيه عرض لبعض كنوز التراث أو دراسة له أو تعريفا به الا وسارعت الى نشره . هذا اضافة إلى النظرة الى التراث باعتباره الاساس لكل تقدم وازدهار دون نظرة اقليمية ضيقة او اعتبارات محلية بل جعله ككل ملكا للامة العربية بأسرها .
د - موقعها من الثقافة العالمية المعاصرة اعلاميا اذ أصبحت المرآة التى تعكس هذه الثقافة من جهة كما انها تعطى الصورة الافضل عن الثقافة العربية بالنسبة للاجانب وللغرب خاصة فاعتبرت بذلك وجها كما اعتبرت مرجعا ومصدرا فهيئت من خلالها وحولها اطروحات جامعية ورسائل دكتوراه .
ه - أما المواقف التى يتوجها الوضوح وتكشف عنها رؤية ثابتة للمجلة وخطة رصينة فهى تبدو :
1 - فى أبواب المجلة من : افتتاحيات ، دراسات ، مترجمات ، ابداع ( شعر وقصة وخواطر وكلمات ) مسرحيات ، قراءات فى الكتب ، بريد القراء ، الردود ، أصداء الفكر ، الكتب المهداة .
2 - فى الملفات الخاصة : على سبيل المثال :
ملف الادب الموريتانى : نوفمبر : 1977 الفارابى : فيفرى : 1976 الذكرى العشرون لاعلان الاستقلال : 1976
3 - فى نشر انتاج الادباء من المشرق والمغرب على حد سواء حتى أن بعض الاسماء عرفت فى أوطانها عن طريق مجلة " الفكر " . ولم استغرب أنا كمشرقية أو سورية ان اقرأ لشعراء أو كتاب من حلب أو حماة أو دمشق لاول مرة فى مجلة " الفكر " ولعل عراقيين مثلى أيضا ... وكذلك فى الجزائر أو الاردن أو المغرب .
4 - فى الاهتمام بالنقد والنقاد بشقيه القديم والحديث وتغطية الملتقيات النقدية ( كابن رشيق مثلا ) بابراز النظريات النقدية والابحاث التى تقدم . .
يقول الاستاذ البشير بن سلامه فى عدد افريل 1980 :
( اهتمت " الفكر " منذ تأسيسها عام 1955 بالنقد والنقاد واصدرت اعدادا وملفات خاصة بهذا الموضوع ولم تفوت أية فرصة للحديث عنه واثارته بكل حدة فى بعض الاحبان ان هى لم تشر له فى كل عدد ، وأكثر من هذا فانه ليس من التجوز إن قلنا : إن كل عدد يحمل فى طياته بأبوابه القارة وغير القارة وبمقالاته وبحوثه ودراساته جوانب متعددة من النقد الادبى ) .
٥ - فى تقديم التراث بأسلوب جديد يعتمد على دراسات علمية جادة وعلى أسماء باحثين جعلوا همهم هذا الكتاب أو ذاك من التراث أو موضوعا عرفوا به من خلال اختصاصاتهم أو كتبهم أو رسائلهم فى الدكتوراه وفى رأى لأديب سورى من خلال مقابلة فى عدد ديسمبر 1977 يقول :
( الصحافة التونسية جادة تعالج أعمق المشكلات الثقافية الراهنة كما تهتم بالبؤر الضوئية فى التراث العربى والاسلامى من خلال أساليب محدثة وفن متطور ) . 13 365
وهو يعنى فيما يعنى من هذه الصحافة مجلة " الفكر " بالطبع لا سيما وان اللقاء منشور فيها والاديب نفسه قدم انتاجه من خلالها .
6 - فى الانفتاح على الآداب الاجنبية من خلال الدراسات لكتاب أجانب وترجمتها أو عرضها ومناقشتها أو لكتب أجنبية أو الردود على طروحات وفكرين ومثقفين عالميين ( كما فى عرض الاستاذ مزالى لآراء روجيه غارودى ) .
7 - فى القاء الاضواء على النتاجات الحديثة وأدب الشباب وتشجيعها وابراز المواهب فيها مما يشكل عامل تشجيع لا سيما وان أصحابها يمتلؤون بالفخر وهم يجدون اسماءهم فى مجلة كـــ " الفكر " رصينة ومعروفة ولها قراؤها على امتداد الساحة العربية .
وفى أعداد كثيرة من المجلة طرحت قضايا أدب الشباب ...
ونتذكر مقالات للاستاذ محمد مزالى والاستاذ البشير بن سلامه كما فى افتتاحية الاستاذ بن سلامة عن أدب الطليعة جوان 1978 وكما فى سلسلة المترجمات من شعر ( رامبو ) التى تحمل مضمونين بأن معا : الاهتمام بالمترجم أولا ... واعطاء النموذج للقراء الشباب فى شعر كان فى زمانه طليعيا ... بل ثورة على القديم .
8 - فى تقديم الدراسات المبتكرة والجديدة على اعداد متتالية مما يتيح للقارئ أن يستكمل بحثا ابتدأه ... كما يتيح للمؤلف أن يلم بموضوعه من كل جوانبه .
وهذه الدراسات تتناول أحيانا قواعد اللغة أو ابحاث العروض او موضوعات تاريخية تراثية .
وهناك نقاط ضوء صغيرة ... لكنها ذات مدلولات كبيرة تترك حولها هالات من النور :
1 - بعض المصطلحات والتعابير والتسميات التى أطلقتها مجلة " الفكر " وأصبحت شائعة ومتداولة . مثلا : تسمية جديدة للشعر الحديث فى ( القصائد المتحررة من التفعيلة ) . وهذه التسمية تحمل فى مضمونها رأيا نقديا كاملا فى الشعر الحديث ( عدد فيفرى 1979 ) .
2 - الاهتمام بشكل بعض النصوص ( الشعرية أو التراثية ) مما يجعلها مهيأة بشكل كامل للطالب أو الدارس ومعبرة عن الدقة والامانة الادبيتين . 366 14
3 - ابراز الاقلام النسائية والتأكيد عمليا - على حضور المرأة فى الساحة الادبية خصوصا التونسية وتشجيع الافلام التى كانت واعدة فى السبعينات ثم أصبحت ناجحة ومعروفة فى منتصف الثمانينات .
وأخيرا لا بد من ملاحظة ... ان اوردتها فى آخر القائمة فليس معناه اننى أقلل من شأنها ... على العكس . أنا أجدها ذات امتياز خاص وهى ان مجلة " الفكر " . . وبكل فخر .. من أندر المجلات التى يصعب ان تجد فيها الاخطاء اللغوية . . فهى كالثوب المحكم . . لا رتق فيه ولا فتق . . نسيج متماسك .. سداه أصحاب المادة الثقافية ولحمته الاشراف الواعى الدقيق من المسؤولين عن المجلة . وهل يغيب عن الذهن أن فى هذا احتراما وأى احترام للغة العربية . وممارسة هى ابرع ممارسة لجعل السيادة لهذه اللغة فى الصحافة منزهة عن الخطأ والتشويه .
واستتباعا لذلك لا نغفل القول عن الفهارس والهوامش ولوائح الاسماء والموضوعات بين أعداد وأخرى مما يسهل على الباحث أو الدارس الرجوع الى الموضوعات واسماء أصحابها فتغدو المجلة مصدرا موفقا . . وتاريخا متداولا لمرتكزات الحركة الادبية والثقافية واسماء أصحابها أو اعلامها .
إنها ملاحظات ... أستبعد فيها روح المجاملات . أراها مقصرة فى حق هذه النخلة السامقة من بستان الفكر ... لكننى - كما قلت فى العنوان - اعتبرتها بطاقة تحية لا اكثر لمحلة عزيزة على قلوبنا جميعا فى عيدها الثلاثين شمعة بيضاء شاحبة بين الاضواء الباهرة التى تسلط على المجلة فى هذه المناسبة الرقيقة . . . الا أن الشمعة . . وان أضافت خيطا واحدا الى حزمة النور تخفق وهى سعيدة ... وان هى ذابت تكون أسعد .
