عندما كانت مملكة قشتالة سنة 1364 منهمكة فى حروبها الاهلية وخصامها مع مملكة أرقون المجاورة لها وفى الوقت الذى بدأت فيه غرناطة تسترجع قواها بعد حروبها الداخلية والخارحية غادرت قافلة تلال (( سيرانيفادا )) قاصدة سهول الاندلس .
كانت هذه القافلة تشتمل على بعثة الملك محمد الخامس سلطان غرناطة وكانت قاصدة بطره الاول او (( القاسى )) لتشكره على مساعدته فى الحرب الاهلية التى انتهت منذ مدة وكذلك لابرام اتفاقية مع ملوك شمال افريقيا فى القارة المجاورة .
كان قائد هذه البعثة احد افذاذ القرن الرابع عشر المسيحى وهو عبد الرحمان بن خلدون التونسى
لقد اشتهر فى علم التاريخ كفيلسوف وعرف بوضعه الحجر الاساسى لعلم الاجتماع الذى نعرفه اليوم ففى هذه المهمة التى قصد منها المجاملة كان ابن خلدون يحمل على ملك قشتالة هدية تتركب من بدلة حريرية ومطايا سروجها مرصعة لان الملك ربما يبحث معه فى شان الخطط الدفاعية التى تحمى جانبه الجنوبى فى المعارك التى يواجهها .
وبالرغم من ان هذه المقابلة تتطلب الدراسة العميقة فان نصيبها من العناية كان اقل بكثير من المقابلة التى دارت فيما بعد بين تيمورلنك وابن خلدون بدمشق وذلك ربما يرجع سببه الى ان المؤرخين العرب لم يتحصلوا على المصادر الاسبانية ولان الكتاب الاسبان لم يكونوا مطلعين على التاليف العربية فى تاريخ العرب
ان المؤلفات التى سنذكرها فى هذا المقال تحتوى على تاريخ العالم لابن خلدون نفسه والذى سماه (( كتاب العبر )) وقد تحدث فيه عن الحالة الدولية وعن تاريخ حياته حيث وصف زيارتين قام بهما الى اسبانيا وعدة احداث شخصية اخرى وكذلك سنعتبر الكتاب الذى وصف فيه (( بيدرو لوبيز دى ايلا ))
ملك بطرة فى (( اسطورة الملك دون بدره )) الذى الف اول اساطيره المفصلة عن ملوك قشتالة ولكن الكتابين لا يحتويان على كل ما نحتاج اليه فى هذه الدراسة ، فكتاب العبر مثلا فيه المام كبير بتاريخ اسبانيا فى العصور الوسطى وعصر الكاتب نفسه اما كتاب (( التعريف )) فقد اعطانا بسطة ضافية عن حياة ابن خلدون ابتداء من ولادته بمدينة تونس سنة 732 ه 1332 م فقد زاول تعلمه بجامع الزيتونة وبما ان كثيرا من مدرسيه كانوا من اهل الاندلس فلربما اثروا فى نفسه ورغبوه فى زيارة ارض اجداده فيما بعد . ان اسرة ابن خلدون كانت عريقة فى النسب اصلها من حضرموت فى جنوب الجزيرة العربية ولكنها اقامت فى اشبيلية مدة خمسة قرون ، اما فرع الاسرة الذى نشا باسبانيا فقد انحدر عن اخوين يمنيين قريب وخالد وقد اعطى هذا الاخير الاسرة كنيتها وذلك بالاضافة الى اسمه خاتمة اسبانية بحتة .
وفى القرن الحادى عشر كان بنو خلدون وزراء بنى عباد باشبيلية ثم عندما احتل فردناند المدينة فى القرن الثالث عشر بارحوا وطنهم وقصدوا سبتة اولا بعد ان عبروا مضيق جبل طارق ثم (( هبو )) وعناية فى شرقى الجزائر واخيرا الى بلاط تونس حيث شغلوا مناصب سامية .
وعندما بلغ ابن خلدون العشرين من عمره عاد ادراجه قاصدا اولا بسكره حيث كان يقيم اخوه ثم تلمسان غربى الجزائر واخيرا مدينة فاس وهناك ادخله السلطان ابو عنان فى خدمته سنة 755 ه 1354 م ولكنه جفاه بعد سنة واضطر ابن خلدون الى قضاء بعض الوقت فى السجن زد على ذلك ان الحروب المشتعلة في شمال افريقيا واسبانيا جعلت الحياة لا تطاق فى ذلك العهد فبعد قضاء ثمانى سنين فى المغرب الاقصى قرر ابن خلدون زيارة مملكة غرناطة كان قد تعرف على ملكها بفاس . شرع ابن خلدون فى رحلته ونزل اولا بجبل طارق او جبل الفتح كما يسميه هو وكانت تملكه المغرب حينذاك ومن هناك راسل السلطان ابن الاحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب وبقى ينتظر جوابهما فرحب كلاهما بقدومه ودعواه الى زيارة مملكة غرناطة وهكذا تابع سيره ووصل الى عاصمتها فى اواخر ديسمبر 1362 وهناك استقبله الملك ببشاشة واسكنه قصر الحمراء .
كانت غرناطة فى ذلك العهد احدى المملكات الخمس التى تتالف منها شبه الجزيرة الايبيرية ولقد اعطانا ابن بطوطه الذى ولد بطنجة وزار اسبانيا بعد رحلته الى القارة الاسيوية صورة واضحة لهذه المملكة .
لقد نزل ابن بطوطة كما فعل ابن خلدون بجبل طارق اثر وفاة الطاغية (( الفنس الحادى عشر )) بداء الوباء وكان قائما بحصار تلك الجهة ثم زار رنده ومالقه فى طريقه الى العاصمة . كانت الحرف مزدهرة فى تلك المملكة الصغيرة اذ ان اهل غرناطة مثل السويسريين فى عصرنا الحاضر كانوا فى حاجة الى تصدير البضائع حتى يعيشوا من ارباحها بين جبالهم . لقد ذكر ابن بطوطة فى كتابه العلماء الذين التقى بهم هناك لان كثيرا من الاجانب كانوا يقدمون اليها من بلدان نائية كاواسط آسيا ويمكثون هناك حتى اكسبوها صبغة دولية .
ويمكن القول ان اهل غرناطة كانوا فى ذلك العهد فى ازمة اقتصادية الا ان حالتهم تحسنت قليلا فيما بعد وكان محمد الخامس الغنى بالله بن الاحمر الذى كناه الغرب ابا عبد الله وسماه القشتاليون بوعبدل او المسن الحادى عشر من هذه الاسرة .
لقد حكم من سنة 1354 الى سنة 1391 حيث خلفه ابنه يوسف الثانى كان عهد محمد عهد قلاقل تخللته محاولات لاغتصاب الملك كما وقع فى زمن بطره الفاسى وبصفة عامة كان عهد استقرار نسبيا - فقد اعتنى بالبناء والتشييد فوسع قصر الحمراء فى مدة الاستراحة التى مكنته منها حروب قشتالة الاهلية وضعف المملكات الشمالية وكان صديقا حميما لبطره وقد استنجد احدهما بالآخر فى حروبهما الاهلية .
وفى سنة 1360 ثار على الغنى بالله ابن عمه واخرجه من عاصمته ولقب المؤرخون الاسبان هذا المعتدى بالقرمزى اشارة الى اللون الاحمر فى اسم الاسرة المغلوبة - ولكن هذا المغتصب سلم نفسه الى بطره فيما بعد وقد حكم عليه بالاعدام كما نجد ذلك فى كتاب (( ايلا )) ؟ ان المرينيين فى المغرب ساعدوا الملك على استرجاع ملكه وقد فر اليهم محمد وفى سنة 1361 رجع من افريقية واحتل غرناطة ثانية وفى السنة الموالية وصل ابن خلدون الى اسبانيا بعد ان كان ساهرا على الاسرة الملكية بفاس اثناء العمليات الحربية . كان وزير محمد الخامس لسان الدين بن الخطيب . فان هذه الشخصية الفذة كانت تقريبا آخر المفكرين العظماء من عرب اسبانيا وهى الجوهرة اللامعة في بلاط غررناطة . كان شعلة ذكاء وكانت احاديثه مملوءة صراحة وصدقا تشبه احاديث معاصره (( لوبيزدى ايلا )) والى الان يترنم الناس باشعاره فى المغرب الاقصى ومصر . وتشتم من اشعاره رائحة فلسفية نجدها عند الشاعر البريطانى برونيغ Browning
ويعتبر لسان الدين من اكبر الادباء الاسبان وذلك بالرغم من ان الدول الغربية قد نسيته واهملته دول الشرق ، وكانت تربطه بابن خلدون صلات عديدة وكان قد عرفه فى افريقيا وذلك بالرغم من ان الاثنين اختلفا فيما بعد كما سنتعرض لذلك فى هذا المقال ، وقد مات لسان الدين بن الخطيب شنقا فى سجنه بفاس سنة 1375 بعد ان اتهم بالزندقة وقد وصف ابن خلدون موت صديقه فى كتاب العبر وصفا رائعا .
فبعد سنة ونصف من وصوله الى غرناطة كان من المتوقع ان يصبح ابن خلدون سفيرا لدى (( بطره بن الفنش )) وكانت انطباعاته عن غرناطة طريفة جدا . فقد ذكر رجل الدولة التونسى انه لاحظ عدة بناءات وقع تشييدها عندما كانت اسرته تقيم باشبيلية وقد مضى ما يقرب من قرن على احتلال فردناند الثالث لها سنة 1248 فقد ازدهرت اشبيلية تحت الحكم العربى لانها كانت قاعدتهم البحرية واهم ميناء فى الوادى الكبير للمعاملات التجارية ما البحر الابيض المتوسط وعلى اثر احتلال فردناند لها عرفت المدينة بعاصمة الجنوب واحيانا بعاصمة الجزيرة كلها .
وقد انتقل بطره ببلاطه اليها سنة 1360 وذلك لتكوين اسطول يمكنه من الهجوم على برشلونة عاصمة ارقون من البحر ولم يضع بطره وقته بل شرع فى اعادة بناء القصر Alcazar على النمط الذى وجده وبمساعدة العملة الذين وقع اسرهم ويسمون Mudejares المدجنين وهم عبيد المسيحيين من العرب والى يومنا هذا يمكن لزائر اشبيلية ان يرى واجهة القصر الجميلة وان يعجب بمسكن عشيقة بطره Dona Maria de Padllio ان الفن المعمارى الذى كثيرا ما نشاهده فى جنوب اسبانيا والمغرب الاقصى يرجع اصله الى المشرق فى العراق وفارس ، ولقد جعل بطره الكنيسة مكان المسجد وذلك مما اثر فى نفس الكاتب التونسى الابى .
ففى اى شئ كان يفكر ابن خلدون اثناء تفسحه فى حدائق القصر ؟ لاشك انه تجول على شاطئ الوادى الكبير الاندلسى عابرا جسوره الى تريانه حيث كان المعتمد بن عباد وعقليته يتجولان فى القرن الحادى عشر وحيث كان (( سيرفنتيس )) يقضى يومه صائما و (( كرمين )) تغنى وتعد سجائرها بنفسها لقد شعر ابن خلدون اذ ذاك بميل اشد من ميلنا اليوم الى هذه البنيان لقد زار حسب ترجمة حياته التى الفها بنفسه مسكن اجداده فى اشبيلية وقد كان يقطن فيها احد مساعدى بطره لقد طلب منه ان يبقى فى خدمة بطره فان قبل ذلك ارجعت اليه ديار اجداده . فقد قدم السفير الى ملك قشتالة طبيب
فلكى يهودى اسمه ابراهيم ابن الزرزار . وكانا قد تعرفا ببعضهما بعض فى بلاط ابى عنان ملك المغرب عندما فر هذا الطبيب الى فاس ايام الثورة الاخيرة ، فى غرناطة ثم دخل ابن الزرزار بعد ذلك فى خدمة ملك قشتالة . لقد تحدث الصديقان طويلا عن منفاهما وعن المتاعب التى يجدها الشخص فى تلك المملكات فان الحى اليهودى قد بقى على حاله عند زيارة ابن خلدون واستمر كذلك بسكانه الاصليين الى السنة المشؤومة 1492 بعد ان صدموا صدمة عنيفة سنة 1391 . اما ابن خلدون فانه ذكر انه رفض عرض بطره لمنحه اراضى اجداده فهل كان هذا الرفض مرتكزا على الحكم الذى اصدره ابن خلدون على بطره الذى اصبح ثائر الطبع اذ لا يمكن ان يميل ابن خلدون الى بطره فلا غرابة اذن انه لم يقبل العمل فى بلاطه ولكن مع ذلك لم يذكر كتاب العبر او كتاب التعريف عن طبع بطره سوى لقبه بالطاغية مع انه استعمل كلمة (( قاس )) لوصفه بعض الملوك الاخرين وينبغى لنا ان نقول ان كتاب العبر اعترف بفوضى الحروب الاهلية وبالمشاكل التى احدثها وجود ملوك ضعفاء فى قشتالة فى ذلك العهد .
فلندع الآن حكم ابن خلدون على بطره وشانه ولنحاول فهم (( دون بدرو )) القاسى او (( العادل )) كما كان يسميه اتباعه والحالة التى واجهها . فقد اصدر المنتصرون حكمهم على هذا الملك المعقد مثلما حدث لقرطاجنة او غيرها من الامم المهزومة فى التاريخ العالمى . ان المؤرخ اليسوعى Juan de Mariana فى كتابه تاريخ اسبانيا العام سماه (( الملك الشاب المجنون المحتال والجرىء )) وذكر ان النساء لم يسلمن منه وكان حكمه النهائى مستوحى من المثل القائل ان الله يعاقب هفوات الامراء وقد اشتهر بطره بالعدل مع بعض العنف الى ان بدا فى تنفيذ اغراضه الشخصية .
وقد كان موضوع عدة اساطير ومدائح تبين شعور الشعب نحوه ، اما لهجة هذه الاساطير فكانت اما انتقادا للملك او اعجابا بكمال صفاته .
كان بطره يشبه والده الفنس الحادى عشر الذى قضى شبابه فى الخلاعة والمجون فقد ترك والده عدة لقطاء من Dona Leonor de Guzman فعقد بذلك حق وليه فى خلافته وشكل سياسته . كان لبطره خمسة اخوة اشدهم باسا (( هنرى كونت تستمارة )) الشاب .
كان بطره فى السنة الخامسة عشرة عند ما خلف اباه على العرش سنة 1350 وكان ابن خلدون يسمية الصغير او الطفل ، اما امه (( مارية البرتغالية ))
فقد اهملها الفنس وربما طبعت فى نفس ابنها روح الانتقام التى لزمته فيما بعد .
ففي سنة 1353 تزوج بطره من الاميرة الفرنسية (( بلانس )) Dona Blanca de Borbon كما يسميها المؤرخون الاسبان ولكن الملك تركها بعد ثلاثة ايام من زواجهما ورجع الى عشيقته Maria de Padilla ويذكر Mariana ان ماريا كانت جميلة ولكن لم يكن جمالها فتانا الى حد ان يقود الملك الى الحرام
وكان بطره يشبه اباه فى ميل النساء اليه ، فقد تزوج ارملة من اسرة نبيلة Dona Juana de Castro وهو مازال عاقدا على بلاننش لانها جميلة جدا ثم ما لبث ان تركها ايضا .
وقد اخبر بطره بعض اتباعه فى اشبيلية انه كان متزوجا من Dona Maria منذ البداية وان ابنهما Alfonso يجب ان يصبح اميرا لكن توفى الولد بعد ذلك ومسالة الخلافة بقيت معقدة مرة اخرى وقد وقف الاشراف عامة وقفة معادية لسلالة Padilla الا ان " ارغون " ناصرتهم .
كانت قشتالة حينذاك فى حالة حرب مع ارقون لان ملك هذه المقاطعة بطره الرابع كان يكره ملك قشتالة وقد تعاقد هذا الاخير مع (( نافار )) والانقليز ضد اخيه هنرى الذى كان يساعده ارقون والفرنسيون لان بطره عامل اميرتهم التى لم تصبح ملكة قشتالة معاملة سيئة وكانت غرناطة وقشتالة تتعاونان كما تدل على ذلك بعثة ابن خلدون والحلف الذى عقد مع أمراء افريقية
كان الانقليز اول الامر بجانب بطره الذى قصد جنوبى فرنسا باحثا عن ((الامير الاسود )) الذى كان يحكم (( اكيتان )) عوضا عن ابيه ادوارد الثالث فهؤلاء الحلفاء الانقليز فى نظر ابن خلدون هم الافرنج الذين لم يأتوا من فرنسا بتاتا ثم رجع الانقليز بعد ذلك الى الشمال لان بطره الذى بدا يياس شيئا فشيئا لم ينجز وعده معهم ولكن جون امير قانت تزوج من اكبر شقيقات بطره (( كونستانس )) وهكذا فكر فى الاستيلاء على عرش قشتالة بعد موت هنرى .
ثم تزوج جون الاول اكبر اخوات قانت التى كانت تحمل نفس الاسم وهكذا توحدت من جديد النزعات المختلفة فى الاسرة المالكة لقشتالة ويشير ابن خلدون الى هذا الحلف من نوع جديد عندما يذكر ان حفيد بطره طالب بالعرش (( على عادة العجم )) وقد بدا كثير من الانصار يخذلون بطره لانه لم يحافظ على منزلته ونتيجة لذلك فقد عرشه وحياته فى آن واحد .
فقد خذله حتى المؤرخ الجدى (( بيدرو لوبييز دى أيالا )) الذى كان يدون حياته وقرر الا يسانده فى اعتماده على الانقليز . وبالعكس من ذلك فقد اتفق (( ايالا )) مع هنرى وكان يسميه (( الملك هنرى )) فى اسطورته ذاكرا تاريخين للمدة المشتركة بين الملك وخصمه . فان السنة التاسعة عشرة لبطره توافق السنة الثالثة لهنرى . وكان محمد متعاقدا مع بطره ضد اسرة (( ترستمارا )) وقد ساعد بطره على خصمه هنرى عندما بارح ابن خلدون اسبانيا ولم ترجع هذه المساعدة بالخطر على غرناطة بالرغم من ان يهود قشتالة قد نالهم غضب الفريق المنتصر الذى كلف (( دى غسكلان )) بمهمة ادارتهم . وكان كل من الملكين يحاول احتلال بعض جهات من حدود الآخر لان هجومات متكررة كانت تقع على طول الحدود للتحصل على العبيد والغنائم وقد استثمر محمد الخامس فرصة الاضطراب مدة هنرى الثانى ولكن بعد سنة 1375 تصالح هذا الاخير مع غرناطة
ان هذه المعارك تهمنا لانها اعطت لغرناطة راحة استثمرها اهلها الحكماء وقد اعتمد هنرى على بعض الاشراف الثائرين ورأى من الصالح ان يجازيهم على مساعدتهم . فقد اوقعت هذه الحروب الوحشية كما اوقع استيلاء الترستماره بعدها اضرارا فادحة باشراف قشتالة كما حدث ذلك لاشراف انقلترا في (( حروب الورود )) وقد تنفس محمد الصعداء خصوصا بعد ان هزم البرتغاليون قشتالة سنة 1385 وقد اسر (( لوبيز دى أيالا )) فى تلك الواقعة .
وكان هذا الاخير اهم كاتب معاصر باللسان القشتى اصبح وزيرا مدة بطره سنة 1359 وقد لعب دورا هاما فى اساطيره وقد عاش أيالا معاصرا لابن خلدون ( 1407-1332 ) وتوفى بعد المؤرخ التونسى بسنة واحدة . وكانت اساطيره منتظمة حاول الكاتب فيها ان يدرس طباع الشخصيات مفسرا سرتهم بصفة مدققة . فقد ذكر فى تأبين بطره ان هذا الاخير كان معتدلا فى اكله وشربه وكان فى آن واحد يجمع بين البراعة فى ساحة الوغى والهوى فى لهوه وقد قال المؤرخ :
((كان بطره بدينا شاحب اللون ازعر الشعر الثغ . وكان صيادا ماهرا شيمته الصبر والتجلد . وكان بشوشا يأكل ويشرب بتواضع وكان ينام قليلا ويعبد النساء وكان ايضا يهوى الحروب ويهتم بالبحث عن المال والحلى . ))
اما اسطورة الملك بطره فهى تبدأ بوقار هكذا : كيف وصل الملك الفنسو الى المعسكر الذى يشرف على جبل طارق ثم تتابع ذاكرة التواريخ حسب التقويم الاسبانى والعربى والعبرانى ولهذا يكون من الهين ان نتبع سر الحوادث التى في المصادر العربية . وقد علمنا ان بطره اقام بلاطه اولا فى مدينة
(( فلادويلد )) ثم كيف جمع وزير المال (( دون سامويل ليفى )) كنزا للملك وقد ذكر (( لوبيز دى ايالا )) ما يلى : كيف توفيت الملكة (( بلانكا دى بوربون )) زوجة الملك بطره .
وكانت الاميرة الفرنسية تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها وقد تحملت سجنها بتجلد كبير وقد ذكر ايضا وفاة Pedro Nunez de Guzman
Dona Maria de Padillo فى اشبيلية وقد ذكر بنات بطره Isabel , Costanza , Beatriz واحدة بعد واحدة
فالسنة الثالثة عشرة من ملك بطره مثلا تبدأ فى صفحة 336 فهذه السنة نوافق السنة 763 الهجرية حين وصل ابن خلدون الى اسبانيا . وفى صحيفة 364 ذكر السنة التى وصل فيها ابن خلدون الى اشبيلية ولكن (( أيالا )) لم يتحدث عن الزيارة نفسها . فأثناء هذه السنة ايضا وقعت الاتفاقية مع الملك ادورد والامير الاسود من غاليا وكذلك برز فيها نجم Mosen Beltràn الكتاب صحيفة 466 والذى يهمنا خصوصا رسالتان تسلمهما بطره من مستشار ملك غرناطة المسمى هناBenahatin صحيفة 483 وهكذا نجد فى الكتاب (( راسل الملك عربيا من غرناطه عالما كبيرا ، رجلا كان خصمه وكان يسكن قشتالة حينذاك وقد طلب منه رأيه فى بعض القضايا )) .
فمن كان هذا العربى الذى بعث اليه بهاتين الرسالتين ؟ فان الرسالتين قد حررتا فى مدة لم تتجاوز السنتين . فالاولى كتبت سنة 1367 اى ثلاث سنوات بعد ان زار ابن خلدون الملك والثانية سنة 1369 قبيل اغتيال الملك فقد ذكر (( لوبيز دى أيالا )) ان رسالتى Benahatin وجدتا عند بطره بعد المبارزة التى وقعت فى مدينة Montiel فقد ذكر ((دى أيالا )) ان Benahatin كان فيلسوفا ومستشارا خاصا لملك غرناطة الذى كان يتمتع بثقة بطره . فقد كان على كل حال يستطيع ان يبدى رايه فى بطره ويفهم طبعه فمن الممكن ان يكون هنا Benhatin صديقنا ابن الخطيب ولو ان هذه الفكرة لا تستند على برهان قاطع .
لقد طلب الملك هذه النصيحة بعد ان هزم اخاه فى واقعة Najera سنة 1367 فلم يعثر على رسالة بطره الى Benhatin فى هذه الاسطورة ولكن من النصيحة نفسها يمكن ان نعرف مصدرها . فالجواب كان طويلا ومحتويا على (( آراء حكيمة صائبة )) كما أشار الى ذلك (( دى أيالا )) فى صحيفة 484 ولكن النصيحة يمكن ان تلخص كما يلى : (( يجب على كل ملك الا يعامل شعبه بالاستخفاف وألا يكون يخيلا فى منح العطايا والا يطيع رغباته الشخصية والا يحتقر رجال القانون والا يكون قاسيا ))
فقد فهم الكتاب من ذلك بعض الاحوال ان السياسية فى قشتالة ونصح بطره ان يحاول اصلاح ما فسد من جراء الحرب الاهلية فى البلاد وختم (( بنحاطين )) رسالته الطويلة قائلا انه سيعطى ارشاده النزيه الى كل من طلبه منه وذكر انه لن يخبر احد سوى ملك غرناطة عما ذكره الى بطره وقد طلب من هذا الاخير الا يؤاخذه عن صراحته . وقد اخبر " دى أيالا " ان بطر لم يمتثل لنصائح (( بنحاطين )) التى لم تكن كلها اطراء له ثم فى صحيفة 537 تبدا رسالة اخرى من خادمك وصديقك بنحاطين الفيلسوف الشاب فى خدمة ملك غرناطة وبعد سنتين لما سمع ان بطره كان هاجما على طليطلة بعث (( بنحاطين )) برسالته الثانية قص فيها اسطورة الملك آرثر وهى كما يلى : (( سيولد فى الغرب بين الجبال والبحر طائر اسود له من الشغف ما جعله يريد ان يبتلع (( قوت )) وذهب العالم كله ثم يضيعه ولكن لن يموت من جراء هذه النكبة ))
ثم يستطرد قائلا ان جناحيه سيذهبان وريشه يخف تحت تأثير الشمس ويشرع فى الذهاب من باب الى باب ولا احد يريد قبوله واخيرا يسقط فى الغابة او Selva ويموت مرتين مرة فوق الارض ومرة اخرى امام ربه . ويتابع (( بنحاطين )) قوله مبينا ان بطره نفسه يسير سيرة تطابق هذا التنبؤ مشيرا بذلك الى موت الملك بسلفه Selva وهو اسم يطلقه عرب اسبانيا على Montiel
فبعد قراءة هاتين الرسالتين يشعر الانسان ان (( بنحاطين )) هو ولا شك ابن الخطيب وقد فهم طبع بطره فهما تاما .
ان الرسالة الاولى قد ترجمت من اللغة العربية ترجمة مدققة وهى تبدا بجملة (( الحمد لله رب العالمين ))
وكان المرشد اجرا فى الرسالة الثانية حيث يذكر سرقات الملك ويطلب منه ان يتبع نصائح مستشاريه الحكماء لان محمد الخامس ووزيره كانا يشهدان سقوط بطره بكل تخوف وكان لسان الدين بن الخطيب ينصح ملك قشتالة بكامل الحرية كما كان يفعل مع ملكه ولو سمع بطره كلامه لكانت عاقبته احسن .
لقد فر Henri of trastamara بعد هزيمته فى Nejera ليؤلف (( فريقا ابيض )) او لفيفا اجنبيا فى فرنسا تحت قيادة Bernard du guesclin او
Beltrin claquin فى الاناشيد الاسبانية والذى صار قائدا للجيوش الفرنسية تحت سلطة شارل الخامس . لقد ذكر لنا ابن خلدون ان الحرب
اندلعت بين بطره واخيه (( الكونت )) وقد اغتال هذا الاخير بطره فى نهاية الامر سنة 1370/772 واستولى كملك على بنى الفنس وهكذا بعد مرور خمس سنين من المحادثة التى اجراها مع ابن خلدون واثر اتصاله بانباء من غرناطة لقى بطره حتفه بمنتييل Montiel فوق السهل الجنوبى لمدينة قشتالة الجديدة حيث سيحوم فيها بعد طيف دون كيخوته Don quichotte ان المبارزة التى وقعت بين الاخوين كانت من ابرز الاحداث فى تاريخ الملكية ولا غرابة ان تولد عنها اساطير عديدة (( fratricido El )) من اسطورة الملك دون بدر تقص علينا كيف تدخل Du guesclin فى الوقت المناسب ليتمكن هنرى من اغتيال اخيه مبررا سلوكه بهذه الكلمات المختصرة
(( بهذا العمل اخدم مولاى فانى لا اخلع ملكا ولا اولى ملكا )) كما ان انشودة اخرى كانت اشد وقعا عندما ذكر فيها (( ان ما يتبادلان لايمت بصلة الى الحب الاخوى ))
اما (( El Fratricido )) فانه يذكر ان بطرة يكسب اقسى قلب يحمله صدر مسيحى ولابد ان هذا الحادث المؤلم كان من الاسباب التى دعت ابن خلدون الى الانعزال عن السياسة والاشتغال بالبحث والتاليف العلمى لانه يعرف حق المعرفة ان الرحمة تجاه العرب معناها (( نسكن ديارهم ونجعلهم خدما لنا )) وقد قرر التونسى الا يختار هذا الوضع حتى فى مسكن اجداده باشبيلية اذ لم يكن ابن خلدون مدجنا بل كان مفكرا مستقلا لم يرض بان ينشأ احفاده مسيحيين . انى لا اعتقد ان بطره الح عليه فى البقاء بقشتالة ولكن المؤرخ التونسى الذى بدا يضجر من هذه الحالة فكر فى الانتقال الى بلاط آخر فى مدينة تتمتع فيها اسرته بسمعة حسنة .
وقد رفض فيما بعد قبول دعوة تيمورلنك بسمرقند مثلما فعل مع بطره وافتخر بذلك . ومع ذلك فبالرغم من ان ابن خلدون كان فى غربته يبحث عن عمل فانه مع ذلك تنبا بالاخطار التى تحدق بمملكتى بطره ومحمد الخامس وكان موقفه يدل دلالة واضحة على توقعه الماساة التى ستحل باسبانيا الاسلامية وشبه الجزيرة كلها فيما بعد حيث سيتغلب التعصب الدينى ولن تستطيع الثروة التى سيجنيها المكتشفون الاسبان من العالم الجديد تجنبها
وهكذا لم يقبل ابن خلدون عرض بطره وقد منح مطية وبعض الزاد لسفر العودة كما انه حمل هدية الى الملك محمد تتركب من بغلة رفيعة وسرجها
المرصع بالذهب الخالص . وعندما وصل الى بلاط غرناطة اهداه الملك قرية Elvira مقرا له وهى عتيقة يرجع عهدها الى عصر الرومان وقد لحقت به اسرته هناك ولكن بما ان ابن الخطيب لم يكن راضيا على الصداقة المتينة التى ربطت بين الملك والمؤرخ الذى كان يعلمه ادارة رعيته وجد ابن خلدون نفسه مضطرا الى مغادرة الاندلس من جديد والذهاب الى (( بجاية )) حيث عمل مع الامراء الحفصيين .
ولكن ابن خلدون لم يقدر على نسيان الفردوس المفقود كما كان يسمى العرب اسبانيا فقد عاد بعد عشر سنوات اى سنة 1374 الموافق لسنة 766 هجرية بعد اغتيال ابى سليم في المغرب الاقصى بيد ان ابن خلدون الذى قارب الخمسين من عمره اصبح يضجر من السياسة ومكائدها وصرح انه يريد الدراسة فقط . فقد رحب به محمد الخامس واستقبله بجبل طارق ابو عبد الله بن زمرق احد تلامذة لسان الدين الخطيب والذى خلف استاذه كوزير اكبر ( ولم يكن له مع ذلك المنزلة الادبية التى كانت لاستاذه رغم انه كان شاعرا ايضا الف قصائد عديدة تصور حياة مدينة غرناطة فى ذلك العهد ) وقد تابع ابن خلدون سيره الى تلمسان بالجزائر حيث لحقت به اسرته مرة اخرى ، وذلك لان المرينيين خافوا من ذكائه وعبقريته .
وهناك بدا دور العالم فى حياة ابن خلدون فقد بقى هناك ليعيش مع بنى عريف فى قصرهم بتوزغوت وهى تبعد بضع اميال جنوب فرندة القرية المعروفة الآن فوق ربى الاطلس حيث كان يشاهد البدو قادمين من الصحراء وقضى اربع سنوات بقلعة ابن سلامة حيث شرع فى تدوين تاريخ حياته واتمام مقدمته المشهورة لكتاب العبر ، وبعد هذه السنوات الاربع وربع قرن فى الغربة رجع ابن خلدون الى تونس بسبب مرض اصابه ولاصلاح تاليفه فى مكتبات مسقط راسه 1379/780 واخيرا اقلع الى الاسكندرية سنة 1382/784 ورحلته هذه الى الشرق اقصته نهائيا عن شمال افريقيا
وكان هذا العهد طريفا فيه من المكائد والدسائس ما يماثل ما وقع فى شمال افريقيا واروبا الغربية فى ذلك القرن وقد تالم ابن خلدون من ذلك تالما شديدا وقد اظهر اهتمامه بهذه الظروف ما كتبه عنها فى كتاب العبر بعد مغادرته لاسبانيا وكان ابن خلدون يعرف تاريخ الاسرة المالكة الاسبانية معرفة جيدة بيد انه اختصر ذكرها فى تاريخه للعالم وتاريخ حياته وان اردنا ان نعرف قيمة الحياة الاسبانية اخلاقيا فى ذلك العهد فيجدر بنا ان
نرجع الى الرسالتين اللتين بعث بهما الوزير الغرناطى الى بطره القاسى فهاتان الرسالتان تبينان اهتمام غرناطه بشؤون قشتالة وخصوصا تاثرها بعنف الملك المتزايد .
وكانت غرناطة تعطف على بطره ومع ذلك فحتى الوزير ابن الخطيب نفسه وجده ملكا قاسيا .
ان هذه الدراسة الوجيزة لاسبانيا فى اواسط القرن الرابع عشر تبين لنا ان اخبار تاريخ هذه البلاد فى القرون الوسطى اتتنا من مصدر واحد . فحتى احسن المؤرخين مثل Altamira و Ballesteros وعبد الله عنان قد اهملوا عدة نواحى . ان تاريخ مملكة غرناطة الكامل مثلا لم يدون بعد ويجب الاعتماد فى كتابته على كل المصادر مهما كان نوعها .
فالجزآن السابع والثامن لعبد الله عنان يصفان هذا العهد ويذكران سفر ابن خلدون الى اشبيلية كسفير الا ان المؤرخ المصرى لم يستعمل كثيرا من المصادر الاسبانية وحتى ولو استعملها فانه اخذها عن التراجم فقط . فهو يرسم الاسماء الاسبانية بنطق فرنسى وزيادة عن ذلك فان ابن خلدون لم يدخل الحياة الاسبانية كما قدم ذلك Altamira او Balesteros وبالرغم من ان Don Rafael Altamira ذكر مذهب ابن خلدون فى التاريخ فى مقاله Homenage a Francisco codero الا انه لم يذكر كتاب العبر او التعريف فى تقديم تاريخ اسبانيا ، فان الكتاب الاول لم يترجم بعد حتى يستعمله هذان المؤرخان وقد اهمل المؤرخا ن الاسبانيان المعلومات التى نجدها فى تاريخ حياته والتى نشرت فى Le Journal Asiatique سنة 1844 ، ومما يثير الدهشة ان Bellesteros y Berrata يستشهد بابن خلدون فى تفاسيره ولكنه لم يسمح لهذا العالم ان يكون مشاركا فعالا فى الحوادث التى وصفها .
ان للكاتب Pons - Boignes احسن تاليف اسبانى فى هذا الصدد . اما Menendez Padial فقد فضل ترجمة كتاب Levi - Provençal من الفرنسية الى الاسبانية على الاعتماد على اى مصدر اسبانى فى تاريخ اسبانيا فى عصرها الاسلامى - وهذا يعنى ان تاريخ غرناطه وتاثيره فى مجموع تاريخ اسبانيا لكون غير تام بدون مشاركة عربى او على الاقل مستشرق ، فانا نجد نقصا فادحا من حيث التنسيق فى المصدرين العربى والاوروبى ولكن بما ان التاريخ يجب ان يؤخذ من كل المصادر فان هذه الكتب يجب ان تقرا كلها لاخذ صورة تقريبية لذلك العهد .

