" نكتب هذه الفذلكة من احد كتب المترجم له "
قال رحمه الله : ( لقد كان القرن السادس للميلاد باتفاق مؤرخى الشرق والغرب قرن ظلم وفساد . عما طبقات العباد وفشت امراضهما الروحية فى جميع البلاد تنازعت فيه السيادة على العالم دولتان عظيمتان : الفرس والرومان ، واشتعلت نار الحرب بينهما اعواما . اريقت فيها دماء غزيزة وبددت جزافا اموال كثيرة . انتهكت قوى الرعايا وتجرعوا كؤوسا ملؤها الاحن والرزايا . بلغ الزهو والإسراف والفخفخة والتفنن فى اللذات بكل ترف فى قصور السلاطين والامراء والقواد ورؤساء الاديان حدا لا يوصف . ثم وصل الشره فى هذه الطبقات الحد الاقصى فضاعفوا الضرائب وبالغوا فى فرض الاتاوات على الامم بما ثقل ظهورهم واتوا على ما فى ايديهم من ثمرات اعمالهم . بل انحصر سلطان
قويهم على اختطاف مابيد الضعيف . واجه فكر عاقلهم الى الاحتيال لسلب ما بيد الجاهل . فنتج عن ذلك فى تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة وفقد الامن على الارواح والاعراض والاموال .
غمرت مشيئة الرؤساء ارادة من دونهم حتى صاروا كاشباح اللاعب يديرها من وراء حجاب ففقدوا بذلك استقلالهم الشخصى حتى ظن افراد من الرعايا انهم لم يخلقوا الا لخدمة اولئك السادات وتوفير مايشاؤنه من تلك اللذات .
ضلت الرؤساء فى عقائدها واهوائها . وغلبتها على الحق والعدل قوة شهواتها . ومع شدة ظلمهم وقوة سلطانهم فقد كانوا فى حذر شديد من ان تتنبه الرعايا الى النور الالهى الذى يخالط - الفطر الانسانية فيمزق الحجب التى اسدلت على القلوب ويثور الجم الغفير من الرعايا على العدد القليل من اولياء الامور . لذلك الحذر لم يغفل الرؤساء ان ينشئوا سحبا من الاوهام والاباطيل والخرافات فيمطروا بها على عقول العامة ليغلظ الحجاب ويشتد الرين على القلوب . فيختنق بذلك نور الفطرة ويتم لأولئك الاشرار ما يريدونه من تسخير رعاياهم واستعبادهم . نعم قام بهذا الامر رؤساء الاديان . . الخ
هذه هي حالة اقوام القرن السادس للميلاد فى معارفهم وهكذا كان شأنهم فى معايشهم . عبيد اذلاء ليس لهم من ثمرة اعمالهم الا بقدر ما يقيم اودهم مسخرون فى الاعمال الشاقة تسخير العجماوات مع من يقنيها فاصبحوا حيارى فى جهالة عمياء لم يبق فى عقولهم من بقايا الحكمة الماضية والشرائع السابقة الا بعض شوارد آوت الى بعض الاذهان مقرونة بمقت الحاضر مع نقص العلم حتى كانت بعثة الرسول عليه افضل السلاة والسلام )
وهكذا يمضى صاحب الترجمة قد ما بروح يستشف القارئ من ورائها هذه الجوانب النفسية المشرقة التى حملت صاحبها الى ان يهاجر و الى ان يتحمل من جراء هذه الهجرة فراق اهله وولده بعد ان كرس حياته فى نشر التعليم فى الوقت الذى لم تكن فى مكة المشرفة غير مدرسة نظامية واحدة لاستاذه العلامة - الشيخ محمد حسين
الخياط رحمه الله : ذلك العالم الذى ارجو ان تتاح للصديق العامودي فرصة الكتابة عنه لان من العقوق والعقوق وحده . ان نجحد علما من اعلامنا .
أنشأ اول ما انشأ مدرسة على الطراز الحديث واخذ على عاتقه النهوض بها بما بثه من اخلاق فاضلة وما بذره من بذرات صالحة ولما حدث الانقلاب العثمانى وتغير الوالى فى مكة وخلفه كاظم باشا انتخب من بين العلماء للتمثيل السياسى فى مجلس الدستور العثمانى ثم سافر و حين عودته من هناك شخص الى مكة مهبط راسه وسافر الى ارض العراق فانشا بالبحرين المدرسة المشهورة وكان يعاونه فى هذه المهمة الشيخ حافظ وهبة المصلح الاجتماعى .
وفى عام ١٣٣٥ سافر الى ارض الملايو اذ انشأ مدارس عدة لتعليم اللغة العربية والدين الاسلامى واسند اليه منصب رئيس القضاة بعد ان كان يشغله استاذه العلامة الخياط وقام بهذا المركز الدينى خير قيام واصبحت المحاكم هناك تحول اليه القضايا الاسلامية للبت فيها . وبجوار مدينة قدح التى يقيم بها فتح مدرسة دينية علمية دعا جميع العرب الى تعضيدها بعد حفل اقامه هناك وطلبت الادارة ابنه السيد احمد ليقوم بالادارة فاعتذر اولا . ثم اجاب فقام بها ابنه هذا عدة سنوات ثم امره بالتوجه لمكة لاسباب عائلية والمدرسة مازلت فى طريقها الى الامام . . هذه صورة فى اطار ضيق لحياة بطل فى صورة سائح من اولئك الحجازيين الافذاذ المؤلفين اصحاب التضحيات الكبيرة فى سبيل نشر الدعوة الاسلامية يحفزهم الى تذليل العقبات ما يحملونه فى طوايا انفسهم من مثل عليا . اليس من الايمان بهذه البطولة الفذة ان تنال من كتابنا بعض التقدير ، وبعض الاعجاب . ان لم يكن التقدير والاعجاب فى معناهما الشامل ؟ ! ان شابا من شبابنا المثقف كتب عن جهاد هذا السيد الجليل وسياحاته واعماله فى نهاية الجزء الثالث من " زبدة المجمل الصحيح المنقول من تاريخ حياة سيدنا الرسول " وهو احد مؤلفات المترجم كتابة مفصلة إذ قال : وفى سنة ١٣٣١ سافر الى كلب سيلان واسس بها المدرسة
الاسلامية ثم طاف بمدن الهند الكبيرة وعاد الى جزائر الهند الشرقية فاسس بها عدة مدارس دينية ولما هاجم الايطاليون طرابلس الغرب جمع الاعانات وارسلت عن يد الأمير الخطير عمر طوسون باشا . وفى عام ١٣٣٦ هـ سافر الى الهند فالعراق وفى عودته عرج على البحرين فاسس بها مدرسة جمع لها من الأموال نحو مائتى الف روبية وبنى لها عمارة عظيمة لا تزال قائمة الى الآن تخرج منها كثير من شباب العرب .
هذه ناحية من نواحى السيد عبد الله صدقه المكى مجلوة لقراء العربية استلهمناها من مطالعات وحوادث تدل على اهم صفاته المميزة . فقد عرف بصراحة الوجدان وبالشجاعة الأدبية وبسمو الفكر وكرم الأصل ، ولو قد قدرلى ان اسجل كل صغيرة وكبيرة من حياة هذا البطل المجاهد لفعلت . ولكنى - وقد اعترفت فى اول هذا المقال . بضعف المعلومات العامة عن اعماله . فاني اكتفى بهذا القدر الضئيل المناسب .
اما وفاته فقد كانت عام ١٣٦٣ هـ فى مدينة قاروت الجميلة الجذابة التى اختارها فى أخريات حياته . وملأها نشاطا وحيوية وثورة على التقاليد الاقليمية هناك . وانجب من أبنائها من يعدون من رجالات اليوم فى تلك المدينة وخلف أبناءا فى المدارس . سيرفعون اسمه عاليا فى سير الرجال العاملين
