الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

بطولة ...

Share

كنا ثلاثة فى الخندق ، سليمان ، عزوز ، وانا . وكنا ساكتين سكوتا لم تحمل اثقل منه فى حياتى . سكوت به تيقظ وحذر ، وخوف وترقب ، ما امر الترقب ، اى ترقب ، حتى ترقب الخطر

كنا نرتدى بذلة القتال الدكناء ، وقد طلينا وجوهنا وخوذاتنا بالسواد حتى لا تلمع فى بصيص النجوم التى ترتعش ارتعاش المحموم في السماء السوداء وكأنها تساير دقات قلوبنا .

كان الخندق رطبا ، حفرناه بسواعدنا منذ قليل . وكانت الاوامر المسلمة لنا حادة وبسيطة ( لن يمر العدو ، وان فعل فعلى جثثنا ) . ووقع اختيار قائد الفوج على التفصيل السابع ، فصيلنا ، لتشكيل دوريات الاستطلاع ، ووقع اختيار آمر الفصيل على ثلاثتنا للقيام بالدورية الاولى ، وتسلمنا اوامره منذ ساعتين فقط فقال : " عليكم ان تتقدموا الى الامام ما امكنكم التقدم ، نحن نعرف موقع العدو بالضبط ، فعليكم اكتشافه والعودة بسرعة ، وتحذروا فانا لا اريد ابطالا قتلى ، بل جنودا حذرين اشداء ، ستعلمون بالخروج في الابان ، حفظتم . ثم تبادلنا التحية وانصرف فى خطوات عسكرية ثابتة الوقع وتبادلنا النظر فقال عزوز " ام . . حصلنا نصيبنا من الاول ! . . " ثم ضرب اخمص رشاشه بكفيه ضربة صماء وانحدر الى الخندق . ونظرت الى سليمان فاذا به شارد ، وسألته " هل انت خائف " قال : " لا ، ولكنى افكر " قلت : " فيم ؟ " فقال : " امى وعنزتى وبيتنا . . " ثم زفر وامال رأسه يمنة ويسرة كالانسان القلق وانحدر الى الخندق رآصا هيكله الكبير فيه رصا ، وتبعته بدورى ، وجعلنا نترقب ساكتين وجعلت افكر فينا ، فينا نحن الثلاثة . .

عزوز ، طويل القامة ، نحيلها ، ذو عينين براقتين ، واسعتين تشعرانك من أول نظرة بالاطمئنان اليه ، انفه مستقيم جدا ، كالسكين يشرف على شارب اسود مهمل ، كشارب الهولندى . وكنا نستغل شاربه لمداعبته ومعاكسته وكثيرا ما نجره منه عند النوم ، ولكنه لا يغضب ابدا ، بل يضحك حتى ولو تألم هو صاحب نكتة لا تنضب ، يجدها بسهولة تامة ، وفي اية مناسبة ، له نكت عن الاكل ، والعمل ، والنوم ، والضباط ، والزملاء والسلاح . . . وقد حاولت عدة مرات استدراجه بالحديث الى معرفة ماضيه ، ولكنه كان يلزم التكتم ، وكل ما اعرف عنه هو تاريخ ميلاده وبلده ( باجة ) ، وهو اول من آنست اليه عند انخراطي في الجيش كمتطوع منذ سنتين بعد آن فقدت كل ما كنت اعيش من اجله ، فقدت ثروة والدى ، واهملت دراستى ، وفقدتها هى . . بعد ان تزوجت من غيرى . وكانت بى نقمة على نفسى وعلى الناس

وفررت من مجتمع ينقض شئ ، النظام ، والتوحيد ، والضبط ، فيسبب له ذلك الشقاء والمتاعب . واردت ان افرض على نفسي حياة اخرى كلها تراتيب ونشاط . كثيرا ما كنت اطيل النظر امام المرايا الى عضلاتي التى كونتها الرياضة وفتلتها ، والى جسمى الذى استقام وصلب بعد لين وميوعة احببت حياتى الجديدة بشغف وفتنت بها ، واحدت فنونها فبرزت . وصار لي اصدقاء في مجتمعى الجديد الذى على الرغم من خشونة اكله وملبسه وحركاته واعماله ، ارق بكثير من مجتمعى الاول واسلم طوية و . . " صالح كم بقي من الوقت على الذهاب ؟ " قلت : " وهل ادرى ؟ " . كان السائل سليمان ، ونظرت اليه . كنا نسميه ( الدلفين ) لضخامة جسمه ، هو جدى الى اقصى الحدود لا يحبذ الفذلكة ولا يتحمل المضايقة ، وذلك ما جعله كثير الشجار مع الزملاء وحتى الضباط فى بعض الاحايين . حكى لى حكايات جميلة عن امه وعنزه الحبيبة ، امه تعمل فى حقله وتربى عنزه التى اشتراها قبل انخراطه بيوم واحد فى الجيش ، وكان عزوز يداعبه قائلا : " ستجدها بحول الله قد بلغت من الكبر عتيا عند رجوعك اليها هاته العنز الحبيبة " . .

" انتبه . " والتفتنا . قال العريف ( الجنود رقم 1205 و 502 و 614 . . الذهاب على الساعة 0132 ) ، ثم انصرف . ونظرت الى ساعتى انا رئيس الدورية ، انها 129 . وقلت : " امامنا ثلاث دقائق ، سأخرج انا الاول واتبعاني واحد بعد كل دقيقة " . . .

ورفعت رأسى قليلا ، احسست بريح لينة تمر على وجنتى المحمومتين وتراقصت امامي اشباح سوداء لا كنه لها ، انها اولى مهماتى الاستطلاعية وشعرت برعدة خفيفة ، وتحسست ذراعى العاريتين ، ثم زحزحت جسمى الخندق بحذر ، وزحفت خارجه على ركبتى ومرفقى حاملا بندقيتى الرشاشة افقيا بين يدى واحسست بألم حاد فى بطني وصدرى من الزحف . كم زحفت من متر ؟ لا ادرى واحسست بلهاث ورائى ، فاذا به سليمان ، ووصل ، ثم وصل عزوز وتمددنا قليلا لنستريح . ونظرت سليمان ، واشفقت ، انه ابدن ثلاثتنا وشممت في الظلام رائحة عرقه تطغي على رائحة الارض التى الصقنا بها وجوهنا ، وتبادلنا الكلام همسا ، " عزوز ، اذهب انت الى اليمين ، حاذر جهدك صفر ان كل شئ على ما يرام ، سأسير فى الوسط ، وانت يا سليمان سر الى اليسار ، ستكون المسافة الفاصلة بيننا 150 مترا تقريبا ، وبعد ساعتين ارجعا الى هاته النقطة ، نفذ ! "

وركض صديقاى بحذر ، كل فى اتجاهه كشبحين ينطلقان فى الظلام ورفعت رأسى ، ونظرت امامى ، سكون قاتل ، وظلام مرعب ونظرت ورائى نفس السكون والظلام ، اعرف ان معسكرنا لا يبعد عنى الا دقائق معدودة ، ولكنى احسست اني تائه ، ضال ، التهمنى بحر مظلم من السكون المقلق ، وقفت محدودب الظهر ، متصلب الاعصاب برهة ثم انطلقت

الى الامام وكلى حذر ويقظة ، وقد قبضت بيدى العصبيتين على بندقيتى التى بدأ العرق يبلل اخمصها وسوارها الجلدى كنت اهرول واقف ثم اعاود السير . . وسمعت صفيرا عن يميني ثم عن شمالى ، وصفرت بدورى صفيرا خافتا ، لم يخيل الى انه صدر عني . آه ! لماذا انا رئيس الدورية ؛ انا لا اصلك لهذا ، سليمان اقدر ، واكثر تمرينا ، احس اني مضطرب ، خايف ، عصبى وسرت ، كلى آذان وتحفز ، وعثرت فسقطت على وجهى ثم نهضت ، هناك مادة لزجة تسيل ، انها دم بلا شك ..... ربي ! لو كان هناك قمر ؟ . . وضحكت من نفسي ، القمر عدو الجندى فى المهمات الاستطلاعية اليس ذلك ما قاله الضابط اثناء التدريب ؟ فمالى نسته ؟ . . . .

وسمعت طلقات نارية عن شمالى ، متتابعة ، حادة ، انه عزوز ما فى ذلك شك ، غيرت اتجاهي ، وجعلت اعدو الى الشمال ، واسقط الى الارض ؟ انهض لاجرى مرة اخرى...... واخيرا رأيت الرصاص يتطاير كالشهب من من ناحيتين ، وانبطحت ، وجعلت اطلق الرصاص ، وازحف الى الامام بحذر وكان الرصاص يتساقط يسرة ويمنة ، امامي وخلفي ولكنى كنت اتقدم زاحفا ، لست بخائف ، ولست بمتشجع كذلك لقد نسيت كل شئ نسيت نفسي والظلام ، وعزوز وسليمان ، والاوامر اني ازحف دائما ، ورأيت امامي اشباحا تجرى ، فوجهت فوهة بندقيتى اليها وجعلت اطلق النار بدون شعور ، وكلما فرغ خزان وضعت آخر بحركة آلية ، تماما كما تعلمت سمعت اصواتا ورائى ، وصدى اقدام يتردد فى الظلام ، واوامر لا اقدر على تذكرها بالضبط ولكنى جعلت اضحك واقهقه ، علها الهيستيريا التى تصيب الجندى في بعض المعارك وخاصة الاولى كما درست ! . . . احسست بالم حدد في ذراعي اليسرى ، رمانى الى الوراء ، واطار البندقية بين يدى فى الظلام ومددت يدى اليمنى لأتحسس ذراعي لقد خلته انفصل عن بقيت جسمى وقبل ان تصل بدى اليه لمست حرما آخر في جيب دراعتى ، واخرجته ، لقد كان قذيفة ، يا . . . ونهضت بمشقة وجريت امامى والرصاص يتهاطل ثم رميت القذيفة بكل جهدى الباقى الى الامام وانبطحت فى مكانى بسرعة ، ودوى انفجار كبير . . وصعد لهيب احمر اغبر الى عنان السماء . . وضحكت مرة اخرى تأخرا امامي ، فاذا بسيارات تلتهمها النيران وخيام وجنود يجرون لاطفائها ، وزحفت الى الوراء ، وكأني اقتلع نفسي اقتلاعا ، ان ذراعى يؤلمنى كثيرا كنت اصبح بدون صوت وابكى بدون دموع  وسمعت الاصوات مرة اخرى ، ثم سقطت في هوة عميقة من الظلام انا لا احب هاته الظلمة عزوز ، سليمان ، الى ، ولكن . .

ورجعت الى وعيى على صوت يقول " كانت بطولة ، عظيمة منهم ، خسارة لم ينج الا صالح . . " لقد كان الملازم يتحدث الى قائد الكتيبة . ماتنا الاثنان واحسست بدمعة حارة تكتسح عينى ، فأدرت وجهى لابكى وحدى سرا . .

اشترك في نشرتنا البريدية