اسخط على ان شئت ) ٩ ( ، وارض عني ان بدالك ، فسخطك ورضاك سيان اليوم عندى . . اذ انك العهد نكثت . وعلى غى سريت .
عهدتك فى باريس - حيث كانت تجمعنا محاضرات جامعة السربون ، ومطاعم
الطلبة بالحى اللاتينى ، ومقهى لاشوب باريزيان " بشارع " دى زيكول " - صادق العزم ، طيب السريرة ، ولم تكن عن الحزم بعيدا ، ولا عن طريق الجد متنكبا -
وكنت اصطفيتك لى صديقا ابث اليه سرى - على كثرة الصديق - ايمانا من بان " رجلا يساوى الف رجل ورجلا لا يساوى رجلا ،
وكنت تبث الى ثورة نفسك - وتحدثني بما يجيش فى اعماق قلبك ، وكنا نتذاكر فى شان بلادنا - حاضرها ومستقبلها ، ونرنو الى مغربنا وكنا اذا جاءنا صوت البشير نطرب ونحس بالامل الهزاز يسرى فى شراييننا ، واذا جاءنا صوت النعى نحزن ونعطف ونرثى ، ويزيد عزمنا ثباتا على العمل يوم نفرغ من الدرس فى الجامعة ونرجع من بلاد المهجر الى الوطن الحبيب
عهدتك يومئذ تسلق المشعوذين بلسان حديد وتقول : " لعمري ان اكثرهم بالشباب ليسخرون ، لا يثقفون ولكن بالتثقيف يتشاغلون : زيف وكذب وعمل لعب ، ظاهرهم نسك وباطنهم فتك ، جدهم هزل ووقارهم بطالة . .
وكنت يومئذ اجتهد فى ان اثنيك عن ارسال اللسان وعن الموجدة والحفيظة ، وأدعوك الى التثبت واطالة الفكرة . . . وقدمت الى عهدا - لا يقارنه امكان النقض ، قلت ، - على ان الرجوع الى الوطن سيكون بداية العمل
ونجحت ، وبعد الهجرة رجعت ، ونعمت لك الحياة وابتسمت - ورضيت ونسيت . وطال عهدى بك ، كان الجماعة لا تكون الا فى المهجر ، والفرقة مما يلزم فى الموطن ، وضننت عنى بأخبارك ، حتى جاءنى كتابك امس
تلقيته - حبب الله اليك الانصاف - فالفيتك لنشاطى منكرا ، وبى معرضا ، وعلى لائما غضبا ، والفيت شيئا الا يكن حقدا فهو من الحقد غير بعيد .
تلومني - عفا الله عنك وطيب نفسك - لانى نشطت لبعض الاعمال الثقافية واعربت عن ايمانى بمستقبل الثقافة فى تونس وعن امكان تجديد الثقافة فى تونس وبعث الفكر الحر ، وغضبت لقولى " انه لابد من ان الليل الى الضياء لانه لابد مما ليس منه بد
عبتنى بقول هذا ، وبايمانى ذاك ، ووصمت الفكر فى بلادنا بالعقم ، ووقضيت على كل نشاط بالخيبة ، وكشفت القناع عن نفسك المتأذية من عمل غيرك
جمع كتابك اسباب التعادى - ولا سبب - وحصل علل التضاغن - ولا علة - ما لك ؟ ! اضحيت ركينا غير عجول ، هزيلا غير متحرك ، منصوبا غير مرفوع ، لا تصلح الا للجر . . .
سألتنى - ابعد الله عنك حيرة السؤال - عن علة نشاطى هذا وعن اثماره العاجل والاجل ، فلبست الحق بالباطل . ولو كنت فطنت لتنكرك لمبادئك ولنكثك لعهدك ، واستبداد حب الذات بك ، ولفضيلة العمل ورذيلة الكسل كان ذلك ازين لك فى العاجل واجدى لوطننا فى الآجل
وقد قال ابو القاسم الشابى قولا - ان نظرت فيه فقد كفيتني مؤونة اقناعك ولا اخالك الا فاهما للمتن وللشرح - وهو قوله
" ادا ما طمحت الى غاية ركبت المنى ، ونسيت الحذر "
" ولم اتجنب وعور الشعاب ولا كبة اللهب المستعر
ومن لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر "
