بعيدا عن قوم هاموا بلحن الضجيج وانشدوا فى خبط انشودة تيتمت يوم موت الحقيقة . . يوم انتحار الياس .
بعيدا عن الضجيج ، راكدا فى ديجور الوهم . تمر به المعابد تتلو نشيد الصمت . . .
وعندما سقط المساء البارد وقف على عتبة المعبد يطهر شفتيه بالنار المقدسة ويصيح فى كبت وحرمان : " يا قطعان الرهبان . . يا مرتلى تراتيل الجنازات ، لا تقيموا تماثيل العبث ، اقيموا تمثالا للحب . . . لا تصلوا صلاة البعد ، دعوا تسابيح الموت . . وصلوا صلاة الحقيقة . . يا قطعان الرهبان تعالوا نمزق الليل ونمضى . . تعالوا نفتش عن قناديل وشموع نذيبها نضئ الضجيج . . تضئ العدم . . تعالوا نسرع ، فالاله ينتظر تعالوا . . تعالوا ٠٠
ويدوى صوته الباكى فى ارجاء المعبد الخالى . . ويركع فى خشوع امام التماثيل الشامخة . . " لا تتركونى وحيدا فى ركن الهواجس . . الست واحدا منكم ؟ . . يا قطعان الرهبان يا من احرقتم البخور حبا واكراما لآلهة ميتة . . الست واحدا منكم ؟ ٠٠
ويظل ينوح متثاقلا ، خائرا على عتبة المعبد ، والسكون مخيم على ارجائه الواسعة . ويقف فحأة فى شبه جنون يمزق ثوبه صائحا : " دعونى أمزق ثوبى . . دعونى . . لا اريده . . دعونى ارمه فى تنور ملتهب دعونى . . لا أحبه . . لكن يده تشل ويخرج من المعبد مترنحا ، صائحا ، هائجا . . يمر به البشر تحت وطء الاقدام ، ترفسه فى اطمئنان . . ورايته لا يعير اهتماما لكل ما حوله ، يترنم بانشودة رددها على مسمع من الناس : دعوني امزق ثوبى . . دعونى . . لا أريده . . دعوني أحرقه . . دعونى
وصاح فيه ماسح الاحذية الجالس تحت قوس المدينة : " تعال امزقه وأخطه ثوبا لى ، فالصيف آت وأنا عاجز عن شراء ثوب جديد . . "
فيجيبه فى شبه ضحكة : " لا . . لست أهلا له . . لانى لعنت دارى يوم تحطم ، وخرجت حائرا . . كان على لزاما ان لا ادخل . . كان على لزاما ان لا ادخله . . لا . لست أهلا له . . ولن تستطيع تمزيقه . . عليك بالذهاب الى المعبد ، فثمة ثوب لك . . دعونى أمزق ثوبى . . فالاثم يعد جريمة . والبعد اثما . "
ويتوقف فجاة عن السير ليجلس بمقبرة المدينة ينظر فى صمت الى القبور البيضاء فوق أديم أسمر . . واشعل سيجارة فى شبه قلق وطفق يسبح فى النظر الى جموع البنايات الممتدة امامه . .
وفي الصباح كان الرهبان يحملون الى المعبد فى خشوع . جثة وجدت فى ارجاء المقبرة . . ليتلو عليها نشيد الوداع
1968/3/26

