تكاد ظروف انتصاب الحماية الفرنسية على تونس لا تكتسي بالغموض البتة فى أذهان الناس : فالتونسيون والفرنسيون يتفقون على هذه الظروف والمؤرخون الذين كتبوا عنها سواء منهم الفرنسيون أو التونسيون يتفقون كذلك اجمالا في وصف حالة البلاد التونسية قبل انتصاب الحماية ومطامع الدول الاوربية فيها وتحليل الصراع الظاهر والخفى الذى كان يخوضه نواب هذه الدول ومن كان يحوم حولهم ويعينهم ويؤازرهم من طوائف التجار والانتفاعيين والمغامرين من مواطنيهم وغير مواطنيهم بل ومن التونسيين ايضا كما يتفق هؤلاء المؤرخون على تحليل الاسباب التى أدت الى انتصاب الحماية وعلى سرد الاحداث التى صحبته سواء فى ذلك الاحداث الديبلوماسبة أو العسكرية
ويظهر ذلك جليا في بحثين جامعيين يمكن اعتبارهما نموذجا لمؤلفات هؤلاء المؤرخين والاقتصار عليهما لكونهما يمثلان خلاصة كل ما هو معروف عن هذا الحدث الحاسم في تاريخ البلاد التونسية . وموضوع الاول منهما : " أصول الحماية الفرنسية على تونس " بقلم جان فانياج استاذ التاريخ بتونس سابقا وبجامعة باريس حاليا ) 1 ( . بينما اعتنى الثاني : " بانتصاب الحماية الفرنسية على تونس " وهو من تأليف على المحجوبي استاذ التاريخ بالجامعة التونسية ) 2 (
وتتلخص هذه الظروف أساسا فى تدهور الحالة الاقتصادية بالبلاد التونسية لسوء تصرف مسيريها مع توالى المجاعات والأوبيه والاضطرابات الداخلية إلى حد التجاء حكومة الباى الى الاقتراض المتكرر وعجزها نهائيا عن اداء ما عليها من ديون باهظة مما تسبب فى تدخل الدول الاوربية بدعوى حفظ حقوق مواطنيها الذين اقترضت منهم حكومة الباي . فأحدث الصادق باى بايعاز من فرنسا وايطاليا وانفلترا لجنة مالية دولية تتركب من تونسيين وأوربيين تعرف بالكومسيون " ترأسها الوزير خير الدين ردحا من الزمن . وقد صارت المتصرف الحقيقي في مالية البلاد مدة ربع قرن منذ تأسيسها سنة 1870
وعندما اضطر خير الدين - رغم جهوده ونجاح إنجازاته - الى التخلى عن الوزارة الكبرى أمام استفحال المعارضة لسياسته الاصلاحية خلفه مصطفى ابن اسماعيل فى ذلك المنصب : فتدهورت أحوال البلاد كلها المالية والسياسية معا .
والحق أن تأسيس اللجنة المالية الدولية - " الكومسيون " - كان بداية تقلص السيادة التونسية عن البلاد فتجسمت فيها المطامع الاوربية . واشتدت فى ذلك المزاحمة بين ايطاليا وفرنسا وقد انسحبت انفلترا من الميدان لفائدة فرنسا بعد اتفاق بين الدولتين . فلم يبق لفرنسا الا ان تجد سببا تبرر به احتلالها البلاد .
وفي يوم 24 أفريل سنة 1881 دخلت الجيوش الفرنسية الى التراب التونسي قادمة من الجزائر بدعوى معاقبة قبائل " خمير " وحفظ التراب الجزائري من تكرر غاراتها . فاحتل الجنرال لو جرو Le general Logerot مدينة الكاف يوم 26 أفريل واتجه نحو العاصمة التونسية بينما نزل فى غرة ماي فيلق فرنسي Division آخر ببنزرت قادما من مرسى تولون Toulon الحربي بعدما احتل مدينة طبرقة يوم 26 افريل . ومن بنزرت اتجه الجنرال بريار Breart نحو تونس وجاء الى قصر باردو فى خفارة من جيشه صحبة القنصل الفرنسي روسطان Roustan على الساعة الرابعة من مساء يوم 12 ماي 1881 وأمهل الباى الى الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم للتوقيع على المعاهدة التى عرضها عليه باسم الحكومة الفرنسية . وجمع الباى وزراءه
وبعد مداولات دامت ساعتين اثنتين فقط ! - امتثل الباى قائلا : إنه يمضى تحت الضغط .
تلك هي - باختصار الاسباب والاحداث التى ادت الى انتصاب الحماية كما هي معروفة الى حد الآن وكما ترويها كتب التاريخ الفرنسية والتونسية
والاخبار التى تعتمدها هذه الكتب وخلاصتها إذن أن الحكومة الفرنسية فرضت الحماية على الباى فرضا وان الباى لم ير بدا من إمضائها نظرا الى وجود القوات الفرنسية بكامل الشمال التونسى وحول قصره بباردو زيادة على تهديد روسطان مصطفى بن اسماعيل باعتقاله واعتقال الباى " كل بمفرده " إذا ما امتنع الباى من الامضاء .
غير أننا نشك فى صحة هذه الرواية وفي هذا السرد للاحداث وفى هذا الضغط المزعوم على الصادق باي - على الاقل فى صورته هذه التى يرويه عليها المؤرخون - . وأساس شكنا فى هذه الصورة للاحداث وللضغط الذي يدعيه الباي أمران :
أولهما : هو أن موقف الصادق باى - كما يرويه المؤرخون - غريب لا يقبله العقل إذ كيف له أن يدعى الضغط عليه يوم 12 ماي بينما لم يحاول أية محاولة جدية لاجتناب ذلك الضغط المتوقع منذ دخول الجيوش الفرنسية الى التراب التونسى يوم 24 أفريل ؟ فماذا فعل فى هذه المدة أى فى عشرين يوما تقريبا ؟
فلئن كان الرجاء ضئيلا مستبعدا فى نجدة من تركيا حامية البلاد الرسمية فما باله لم يحكم الدول الاوربية ولم يشهدها على هذا الاعتداء ولم يستغل منافستها فى هذه القضية وخاصة منها ايطاليا لعرقلة مشروعها بصورة قانونية ؟ بل ما باله لم ينتهز فرصة تردد الحكومة الفرنسية ذاتها ومعارضة الرأى العام الفرنسى وجل جرائد فرنسا لهذا المشروع ومن المعلوم أن فرنسا إذذاك - حكومة وشعبا - لم تزل تعاني تبعة هزيمتها فى حرب 0187 ضد المانيا وتشفق الاشفاق الكبير من كل تبذير قليل أو كثير فى المال والرجال مما تسبب فى نفور يكاد يكون عاما من مغامرة استعمارية جديدة ؟ ومعلوم ايضا أن دعاة التدخل المسلح الفرنسى فى تونس إنما هى فئة قليلة نسبيا يمثلها فى تونس القنصل روسطان وفي الجزائر الكردينال لافيجرى مع بعض العناصر العسكرية بالجزائر والرأسمالية Le Cardinal Lavigerie فى فرنسا
إن بسط هذا الموضوع قد يطول بنا وهو ليس من غرضنا . فلنتركه للمؤرخين اذا هم أرادوا مراجعة نظريتهم بالتعمق فى تحليل موقف الصادق
باي وقعوده عن كل محاولة جدية قبل أن يدعى يوم 12 ماي انه إنما امضي لأنه لا مناص من الامضاء . ولئن ثبت ذلك الضغط - ولا داعى للشك في وجوده صوريا - فسؤالنا هو : كيف يشكو الباى من الضغط بينما كان يتوقعه ولم يحاول التوقى منه ؟ وبعبارة أوضح ألم يكن كل ذلك - أى هذا الضغط وهذا التشكى من الضغط - مجرد مسرحية غايتها تبرير موقف الباي أمام الرأى العام التونسي وغير التونسي وأمام التاريخ ؛
ذلك ما لعله يتضح تمام الوضوح عندما نعتبر الامر الثاني الذي قلنا إنه من أساس شكنا فى صحة رواية المؤرخين لأحداث يوم 12 ماي 1881 وللضغط المزعوم على الصادق باى . وهذا الامر الثاني هو أن الصادق باى عند دخول الجيوش الفرنسية الى التراب التونسى يوم 24 أفريل 1881 أوفد الى باي الامحال وولى عهده على باى الموجود إذ ذاك بمنطقة جبال خمير " مبعوثا ليقنعه بأن يوافق على المعاهدة التى ستعرض على الباي .
وقد نجحت مساعى هذا المبعوث نجاحا تاما رغم خطورتها وصعوبتها نظرا الى موقف قبائل " خمير " وعلى باى وعسكره المعادى للفرنسيين إذ ذاك : فقد قفل على باى بعد هذه الوفادة راجعا بعسكره الى العاصمة ووقف موقف الذل والصغار أمام الجنرال الفرنسى لوجرو Logerot فى مقابلتهما يوم 29 أفريل بسوق الاربعاء ) جندوبة اليوم ( وامتثل منذ صبيحة اليوم التالي 30 أفريل الى أمر الجنرال الفرنسى بمغادرة المنطقة حالا . وشهد المعارك التى دارت في ذلك اليوم بقرية " بن بشير " بين قبائل تونسية والجيوش الفرنسية دون التدخل بعسكره . وهذا التغير فى سلوك على باي وموقفه من الفرنسيين كان نتيجة التوصيات التى أتته من الصادق باي . فقد أرسل الباى الى عماله في البلاد يوصيهم بألا يتعرضوا بالقوة الى دخول الفرنسيين . وكان امتثالهم لهذه التوصيات يكتسي غالبا صبغة المسرحية التى مثلها الصادق باي يوم 21 ماي إذ أنهم كلما قدمت عليهم الجيوش الفرنسية طلبوا من قائدها شهادة بأنهم إنما سمحوا له بالدخول مكرهين
قد يكون الداعى الى إصدار الصادق باى هذه الاوامر وهذه التوصيات حرصه على حقن الدماء لعلمه انه لا يقوى على التعرض للجيوش الفرنسية . لكن التوصيات التى أرسل بها الى على باى لم تقتصر على عدم المقاومة المسلحة إنما هى توصيات له بقبول المعاهدة التى ستعرضها الحكومة الفرنسية على
امضاء الباي . والذي يؤكد صحة هذه التوصية الخاصة بقبول المعاهدة سلفا هو أن على باي أرسل منذ يوم 10 ماى قبل وصوله الى تونس رسالة الى القنصل الفرنسي روسطان يخبره بأنه يوافق على المعاهدة سلفا . وفي ذلك دليل على انه كان يعلم أن معاهدة ستعرض على الباى وفي ذلك ايضا امتثال الى أوامر الباي بالموافقة على هذه المعاهدة
فالصادق باي كان مستعدا منذ شهر أفريل لقبول المعاهدة التى يعلم أنها ستعرض عليه والتي أوصى ولى عهده بقبولها سلفا والتي ادعى يوم 12 ماى 1881 انه اضطر الى التوقيع عليها تحت الضغط
أما عن هذه المأمورية من الصادق باي الى ولى العهد باى الامحال على باي فقد وجدنا خبرها الصريح في وثيقة فرنسية سنتعرف بها ونعلن عن اسم مبعوث الباى المكلف بهذه المأمورية فى بحث أنجزناه وهو جاهز للنشر

