الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

بعض الأفكار حول القيم الأخلاقية ، في شعر أبي القاسم الشابي

Share

انه لشرف عظيم ان ادعى الى المشاركة فى هذه الخمسينية لذكرى الشاعر التونسى المشهور ابى القاسم الشابى .

وبوصفى ممثل جامعة انجليزية لعله يجوز لى ان اذكر ان قسم الدراسات العربية في جامعة ليدز ادخل منذ فترة قصيرة بعض المواضيع التونسية الى مادة المقرر العربى ، أملا منا فى زيادة الالمــام بالأدب التونسى الحديث بيــن الطلاب الانجليـــز .

ومما لا يخفى انه لا تزال هناك مسافة طويلة أمامنا فى هـــذه السبيل ، لأن الجامعات الانجليزية التى تضم أقساما عربية تركز معظم اهتمامها على الأدب العربى فى المشرق وخصوصا الأدب المصرى .

ولكن بعض الترجمات الانجليزية من الادب التونسى بدأت تظهر في بريطانيا وأمريكا ، وخصوصا ترجمات لقصص قصيرة . ومن المأمول ان هــذه الحركة ستزداد وتتوسع فتشتمل على النتاج الروائى والمسرحى والشعرى فى تونس ، وبخاصة شعر أبى القاسم الشابى .

وهذا ليس لان الشابى هو الشاعر القومى للوطن التونسى فحسب ، ولكن لان الشابى شاعر ذو طابع عالمى أيضا : اذ لقصائده القدرة على الدخول الى قلوب أقوام لا يعرفون الا القليل عن المغرب العربى أو الأدب العربى على الاطلاق .

ويصح هذا مــن ناحية لان الشابى لا يضمن قصائده الكثير مــن العناصر المحلية او التفاصيل الدقيقة عن الامكنة والأوضاع فى وطنه ، ولكن من ناحية

اخرى أكثر أهمية يتناول الشابى القيم والمشاعر والاماني التى بامكان كل البشر ان يفهموها ويشاركوا فيها .

وبهذه أخلص آلى موضوع هذا البحث عن القيم الاخلاقية فى شعر الشابى ، اذ يبدو لى أنه من بين أهم عناصر شعر الشابى نظرنه الأخلاقية الى العالم التى تعكس دوما الصراع الاساسى في العالم بين الخير والشر ، وهو ما يسميه The Human Situation الفيلسوف الانجليزى في كتابه William McNeile Dixon ( الموقف الانسانى ) بــ (( التناقضات العظيمة )) ، ويقصد ( Mcneile Dixon ) بتلك التناقضات الخلاف العميق الذي يبدو أنه يتخلل جوهر الكون ككل .

فالعالم يحتوى على الرعب كما يحتوى على الجمال وفيه الاهـــوال الى جانب الروائع فهو فاتن ومفزع فى الوقت ذاته .

حب الحياة والنفور من الحياة هما الحالتان البارزتان للنفس البشريــة  . فتتأرجح الحياة بين هذين القطبين ، بين الرغبة فى ضروب النشاط المتنوعة فى هذا العالم وأمور الدنيا وبين الرغبة فى هدوء الوجود الابدى ، أو  كما يقول الشابى :

ينقضى العيش بين شوق ويأس            والمنى بين لوعــة وتـــــأس

هذا الخلاف هو ايقاع الطبيعة ، فالمناظرة اللانهائية التى هى الحياة بما فيها من اللقاء والفراق والحب والكراهية يوافق طبيعة الكون نفسه  .

فانه الى أية جهة ننظر نواجه التناقضات : الحــر والبــرد والحــى والجماد والصيف والشتاء والنهار والليل والجسد والروح والرجل والمــرأة والخيال والحقيقة والازل والابد ، تنشأ من الخلافات الملهاة والمأساة والمعقول واللامعقول والجد والهزل ، كما تنشأ منها المصائب والدواهى ، فكان الوجود قائمــا على التنافر والخصام ، والأمر الذي يحير الشابى كما يحير الفلاسفة والمفكرين ، والذى يتطلب الايضاح ، هو ما يسميه نيشة ( Friedrich Nietzsche ) الخصومة فى قلب العالم )) .

فنتطلب الوئام والوفاق فنجد الشقاق والتنافر ، ففي الكون ككل يتصادم الجميع ، فيقـــاوم النمــو الانحـــلال وتعـــارض الحيــــاة المـــوت ويخــاصـــم المرء المرء . فلا يوجد الوئام والديمومة واتحاد القلوب والمثل التى نتوخاها فى اى مكان . فبامكاننا ان نقول : ان التنازع وتكاثر الهموم هما الوجود ذاته . ونادرا ما تغيب هذه الثنائية من شعر الشابى ، فهو يستخدم اشكالا عديدة من

المجاز للتعبير عنها . كما أشار محمد عبد الحى في كتابه (( التقليــد والتأثير الانجليزى والامريكى فى الشعر العربى الرومنطيكى ))  ( باللغة الانجليزية ) الى مثال بارز للاتجاه الثنائى لدى الشابى الذى ورد فى رسالة من الشاعر لمحمد الحليوى ، فمن ناحية يشير الشابى الى الظلام ، والاشباح والغيــلان واليأس والأودية والصيحات وأعماق البحر ، ومن الناحية الاخرى يشير الى النور والحق والجمال والأمل وقمم الجبال والموسيقى والفجر الخالد للحياة .

وفي الغالب يشير الشابى الى هذا الصراع في قلب الكون من خلال استعارات النور والظلام . ولا بدعة فى ذلك ، فهذا النوع من الاستعارة كان يستعمل منذ ايام زرادشت الحكيم . لكن من ميزات أسلوب الشابى أنه يطور هذه الاستعارة على نطاق واسع فى قصائده ، فيستعمل كلمات مثل الصباح والنجــوم والفجر ليدل على النور ، والليل والدياجير وأعماق البحر ليدل على الظلام .

وما هو أهم من هذا ان الشابى يعتبر النور عنصرا الاهيا حيــث يقـول فى (( يا ابن أمى )) :

الى النور ! فالنور عذب جميل        الى النور ! فالنور ظل الآله

ويتكلم الشاعر عن نفسه فى (( نشيد الجبار )) :

اذوب فى فجر الجمال السرمدى       وأرتوي من منهل الأضواء

هكذا تظهر صورة الكون الثنائى فى شعر الشابى ، ولكنه مـن الواضح ان الشاعر لا يرتاح تماما لهذه الصورة ، لاننا نجده فى أماكن أخرى وهو يتساءل عما إذا كان هناك مبدأ أقوى وراء هذا الصراع الدائم في العالم ، فيقــول فى قصيدته (( فى سكون الليل )) :

ما الذى خلفك يا ليل ! أو يل سلام ؟

ما الذى خلفك ؟ يا ليل ! انور ؟ أم ظلام ؟

على انه فى قصائد أخرى يعترف بأن هذا الموقف الثنائى فى العالــم شئ ضرورى لان النزاع هو الوجود . فيقول الشابى فى قصيدة  ((المساء الحزين)) :

ولولا  غيــوم  الشتــاء  الغضــــاب       لمــا نضـــد الروض تلــك الــورود

ولولا  ظــلام  الحيـــاة  العبــــوس        لمــا نســـج الصبــح تلــك البـــرود

وطبعا هذا هو رأى الفيلسوف اليونانى (( هيرا كليت )) الذي زعم أن الخلاف والضوضاء والتعدد والخصومات هى أمور حسنة ضرورية .

والتقلبات ومعايشة الأحداث هما من جوهر الأشياء فى هذا العالم ، وهما ما يجعل التقدم والتطور ممكنين ، ونجد هذه الفكرة عند دروين ايضا . والى هذا المعنى أشار أبو القاسم فى قصيدته (( نظرة فى الحياة ))  :

ان  الحــيـــــاة  صـــــراع       فيها  الضعيف  يـــداس

حيث يحتاج الناس الى الخلافات والتقلبات لتطوير قدراتهــم وقواهــم . ويكتشف المرء نفسه فى النزاع . قال (( هيراكليت )) :

أخطأ (( هومر )) عندما قال ((  ليت الخلاف يختفى من بين الالهة والبشر . ولم يفهم انه يدعو الى تدمير العالم ، فلو استجيب دعاؤه لفنى كل شئ  .  لابد أن ندرك ان الحرب يمكن أن توجد فى كل مكان وكل حقبة ، وأن كل الأمور تنشأ وتفني بسبب النزاع )) .

وقال الشابى فى هذا المعنى :

ولــو  لا  شقــاء  الحيــاة  الأليــــم          لمــا  أدرك  الناس معنى السعــــود

ومـن  لم  تــرعه قطــوب الديــاجير      لــم   يغتبــط  بالصبـــاح  الجـديـــد

لعلنا لا نقدر بهجة الحياة الا من خلال الاشياء المضادة للحياة ، كمـــا قال أبو القاسم :

فمـا حبــب العيش الا الفنــــاء      ولا زانـــه غــير خــوف اللحـــود

على أن هناك رد فعل ثان يغلب عليه التشاؤم الا وهو رد فعل الرجل الذى يستشف الفناء واللاشئ من وراء ظواهر العالم المختلفة ويتمثــل هــذا الرأى ايضا فى شعر الشابى :

اتفنى ابتسامــات تلـك الجفــون ؟     ويخبــو توهــج  تلــك الخــــــدود ؟

وتــذوى وريدات  تلـك الشفـــاه ؟      وتهــوى الى الترب تلــك النهود ؟

ويذكرنا هذان البيتان بالقصيدة الصغيرة للشاعر الانجليزى آلان لويس : ( Alun Lewis ) هل كل هذه الآلام :                    ( Must )

سخرت مـــن أجل                         All this aching التـراب فحسب ؟                          Go to making                                                                Dust ?

وطبعا الاسئلة التى من هذا النوع تكون على وجهين ، وبإمكاننا عند ذاك أن نجيب عنها اما بالنفى واما بالاثبات ، ففي بعض الأحيان نجد الشابى وقد غلب عليه شعور التشاؤم والرفض ، وفي بعض الأحيان هو على عكس ذلك . ففى قصيدة (( بقايا الخريف )) على سبيل المثال يقول :

هــــو الكـــــون مهـــد الجمـــــــال      ولكــــن لكـــل جمـــــال خريــــــف !

ومما يؤكد تشاؤمه وصفه لتجربته هو فى الحياة :

وحضرت مائدة الحيـــاة فلم أجــد      الا شـــرابــــا آســنـــا مسمومــا

وعلى الرغم من ذلــك ينظر الشابى الى الحياة فى أحيان اخرى مــن الجانب الآخــر ، فكأنه ينظر الى لوحة الشطرنج ويرى الساحات البيضاء بدل الساحات السوداء ، فيعترف بأن هناك عذوبة فى قلب الحياة البشرية لا يمكن لأحد أن ينكرهــا .

ومما لا يخفى ان فلسفة التشاؤم لن تكون فلسفة مقنعة ، فحتى المغالون فى التشاؤم لا يرغبون ان تكون أعمارهم قصيرة . وهكذا فان غريزة ارادة الحياة تقاوم كل من يدعو الى الشقاء والتشاؤم مقاومة فعالة فقمع هذه الغريزة أصعب من قمع أية غريزة انسانية أخرى ، وفي هذا يقول الشابى فى (( الاعتراف )) :

واذا  التشــاؤم  بالحيــاة ورفضهــا      ضــرب مـن البهتــان والهذيــان

ان ابـــن آدم فى قــــــرارة نفســـه       عبــد الحيــاة الصــادق الايمــان

ومن الواضح فى كل هذه الأقوال أننا نواجــه كثيرا مــن المتناقضات فى فكر الشابى ، فمن المستحيل أن يؤمن المرء فى الوقت نفسه بالنصر النهائى للظلام والشر وبالنصر النهائى للنور والخير ، ومن المستحيل ان يشكو المرء من السم فى شراب الحياة وأن يقول سيان عندى فيه السرور والابتئاس .

ولكن هذه التناقضات تنشأ من مقدرة الشاعر عــلى رؤية العالم والحيـــاة الانسانية من كل أوجهها فلا يتوخى أن يحل كل مشاكل الفلسفة ولكنه يحاول تسليط الضوء عليها ومساعدة القارئ ليفهم المسائل وان لم يتوقع ان يصل الى حلهـــا .

فما أسس الفكر الاخلاقى لهذه التناقضات عند الشابى ؟ وما هو مصدر آرائه حول وجود قائم على التنافر والخصام ؟

اتخذ الفيلسوف (( ديكارت )) الكلمة المشهورة (( أنا أفكر اذن أنا موجود )) . ولكن الأجيال اللاحقة لم ترتض هذه القاعدة الفكرية ولذلك اقترح بعضهم قاعدة ثانية ، الا وهي (( أنا أتألم اذن فأنا موجود (( ، وينعكس هذا الموقف فى قصيدة (( نشيد الجبار )) :

سأعــيـــش رغم الـــداء  والاعـــداء            كالنســــر فـــوق القمــة الشمـــــاء

أرنو الى الشمس المضيئة . .  هازئا        بالسحـب ، والامطار ، والأنــواء .

وأصيـــخ للصـــوت  الالاهى الـــذى          يحيـــى بقلبـــى ميـــت الأصـــــــــداء

فأمام تنافرات العالم والغازه يرى الشابى أننا لابد أن نتخذ الحرية والحب كقيم أخلاقية وان اشتملت على المعاناة والبلاء والعذاب .

ان عدم مقدرتنا على حل ألغاز الكون لا يبرر ذهولنا وعجزنا فلا بد أن نجتهد فى سبيل الحياة والخير ، فلنبـتدئ بالعمـــل ، وهــذا ما يعبر عنه (( جوتــه )) ( Goethe )    في كلمته المشهورة (( فلنعمل أولا ))      ( Im Anfang war die Tat ) وينبغى أن يكون هذا العمل مشبعا بروح الحرية والحــب ، وبروح المغامـــرة والمقامرة اللتان تنظران الى المستقبل لا الى الماضى ، فلا يجوز لنــا ، ولا يجوز لشعب من الشعوب ، أن يدع ماضيه يسيطر على حاضره :

والشقى الشقى فى الأرض شعب       يومـه ميــت وماضيـــــــه حــى

فليست بطولة الفارس بدرعه ورمحه اللذان يخوض بهما الحروب والمعارك من أجل الحق فقط ، وانما هي اضافة الى ذلك بطولة الحياة اليومية ، التى تقبل تحدى الجانب المظلم للعيش ، فتحاول مقاتلته والتغلب عليه .

ان الشابى يحسب أن المثل الأعلى للانسان هــو الجهاد والخلــق والابداع ، فاذا خلت حياة الانسان من الكفاح والعمل ، فهي وموته سواء .

وعلى كل حال يحض الشابى الانسان على ان يعمل بالعاطفة ، فكما قـــال (( هيجل )) (( لا ينفذ أى عمل كبير فى هذا العالم بدون العاطفة )) . ولا يقدم الشابى لنا أجوبة نهائية لغوامض الكــون وعيش الانســان بيــن التناقضات العظيمة ، ولكنه يضع بين ايدينا الأبعاد المختلفة لألغاز الكون هذه .

اشترك في نشرتنا البريدية