ان دراسة التاريخ شائكة لانها اصبحت لا تقتصر على جمع الاحداث ونقل الاخبار وسردها ، بل انها تعد فرعا من العلوم الانسانية يعتمد الظاهرة التاريخية ويتقيد بمنهاج مضبوط بفضله تجمع الوثائق وتحلل وتنقد لاستعادة الحوادث التاريخية كما كانت عليه فى الماضى فى اطار من الموضوعية والتجرد والنزاهة والامانة العلمية التى لا تترك سبيلا الى التأويل أو التمويه أو غمط الحقائق .
غير أن علم التاريخ اذا وقف عند اثبات الوقائع وتثبيتها فقط يكون قد اخل بوظيفته كعلم لان العلم لا يقتصر على ابراز الظواهر وامرارها على التجربة والتجريب لتصير قوانين لا يداخلها الشك بل هو يتعدى ذلك الى التطبيق فى مجال الحياة اليومية لينتفع به الناس ويتبدل حالهم من حسن الى احسن لان العلم للعلم ضرب من الزيف وباطل أكيد يفرض علينا ان نؤمن بأن العلم للحياة أو لا يكون
لهذا فان التاريخ لا يمكن أن يكون أيضا تفلسفا فى الاحداث والوقائع بل يجب ان يكون دافعا للمجتمع " الى أن يعي نفسه سياسيا " وان يتفطن الى " الروابط التى تشده بالماضى والحاضر وتهئ له المستقبل " . " فحال المجتمع اليوم منبثق من حاله بالامس وهو يشعر بثقل ما سيكون عليه غدا وان بصورة متوقعة " . فدارسة التاريخ بهذه الصورة تتعدى التفلسف فيه الى صنعه بالاعتبار به وجعله مادة دفع لحياة البشر لا اداة لتدمير العزائم وبث الفوضى وتخريب المجتمعات وخلق الاحن وزرع التطاحن
وتاريخ تونس لا يمكن ان يكون مجرد دراسة لدول تتعاقب وقبائل تتطاحن وامبراطوريات تقام وأخرى تنهار بل يجب ان يأخذ الدارس بعين الاعتبار أن تونس اليوم ، وهى واقع سياسي واقتصادى واجتماعى وثقافى له سماته الخاصة وقوته الحية ، وملامحه المضبوطة ، لم تصنع فى القرن الثالث عشر ميلادى مع الحفصيين ولا مع حمودة باشا ولا أحمد باي بل هى صنعت من أول يوم بنيت فيه الحضارة على أديم قرطاج كنواة لامة تنشد الحياة ودولة تنظم العمران وتزع بين البشر . فكل ما تم من أحداث على هذه الرقعة أدت الى صنع تونس اليوم واقامة الدولة الوطنية البينة الملامح الواضحة السمات .
فدراسة تونس تتلخص من هذه الوجهة فى ضبط المراجل التى أدت الى تكوين الدولة الوطنية فى هذه الفترة دون الفترات الاخرى وحصر الاسباب التى حالت دون ذلك فى الماضى البعيد والقريب
فكيف يمكن أن تتكون دولة وطنية على هذه الرقعة من الارض المغربية وقد تعاقبت عليها دول عديدة متباينة الحضارات والاجناس والحال ان افريقية ثم تونس لم تكن الا جزءا من مبراطوريات مختلفة ؟ ثم ما هى الدولة الوطنية وما هو مدلولها ولماذا لم تبرز للعيان الا فى الفترة الاخيرة ؟ أسئلة تستحق ان توضع لا محالة وتحتاج أجوبتها الى الخوض فى عدة اعتبارات لا مناص من اقتحامها .
هذه الدولة الوطنية التى انتصبت فى هذه الرقعة من الارض الا وهي تونس والتي انتهى بها المطاف الى الانصهار فى الحضارة العربية الاسلامية تراوحت عليها منذ أول التاريخ أمم متباينة وحضارات متعاقبة أرادت كلها أن تطبعها بطابعها الخاص . فالمتتبع لسير تاريخ بلادنا يندهش لظاهرة تكاد تكون فريدة : وهي تبديل الوجهة الحضارية على الاقل خمس مرات . مع قرطاج الفينيقية البونيقية ثم الرومان وبعدهم الوندال الذين لم يلبثوا أن زحزحهم البيزنطيون ثم العرب الفاتحين وفي كل مرة ينصهر هؤلاء الاقوام فى البلاد ويشيعون حضاراتهم ويفرضون رؤياتهم الكونية ويحاولون جر أهل افريقية الى بوتقتهم ولكنهم لا يفلحون الا مرة واحدة فى التاريخ عندما قدم المسلمون وأشاعوا بين البربر دين الاخاء والمساواة والعدالة وغرسوا اللغة العربية كلغة تخاطب ولغة علم وأدب وفكر في هذه الربوع . ولعل السبب كما أكده بعض العلماء المعاصرين هو انحدار البربر من أصل عربي
وان هذا الانتصار ليثبته ما حل بهذه البلاد فى القرن السادس عشر من عوامل تنبئ فى العادة بتحول الوجهة الحضارية كما وقع سنة 880 قبل الميلاد مع قرطاج الفينيقية البونيقية وسنة 146 قبل الميلاد مع رومة وسنة439 مسيحى مع الوندال وسنة 534 مع بيزنطة ومع العرب المسلمين سنة 647 ميلادى . وفي كل مرة يفرض دين وتطغى لغة على سكان البلاد . ذلك أن الاسبان احتلوا تونس سنة 1535 ميلادى ( 942 ه . ) وبسطوا عليها ألويتهم فى حرب صليبية يقودها شارلكان ملكهم وما لبث أن حل الاتراك سنة 1575 . ليخلصوا البلاد لا محالة من الغازين ولكنهم وجهوا البلاد وجهة اخرى بحسب تقاليد دخيلة ولغة أخرى غير معروفة آنذاك : اللغة التركية
ولكن شعب هذه البلاد الذي انساق بعد أكثر من سبعة قرون من الاشعاع البونيقى الى حضارة رومة وبقى متأثرا بها ما يقرب من ثلاثة قرون لينزل تحت تأثير الوندال حوالى قرن ويعود الى البوتقة اللاطينية ويبقى أكثر من قرن في حبالها لم تزعزعه أحداث القرن السادس عشر ميلادي اذ وجد توازنه فى الحضارة العربية الاسلامية التى انصهر فيها طيلة ما يقرب من تسعمائة سنة وأجبر الاتراك الذين حكموا البلاد عن طريق الدولة الحسينية الى الانفصال ولو بصورة شكلية عن الباب العالي فراسله أحمد باي ( الباى العاشر ) سنة 1838 باللغة العربية لاول مرة بعد أكثر من 2٥ عاما من التعثر والتحسس وتصارع القوى لان أتراك تونس كما قال المؤرخ الفرنسى شارل اندرى جوليان :إنصهروا فى بوتقة واحدة مع التونسيين لانهم وجدوا أنفسهم إزاء حضارة ثابتة الاركان وأسسوا دولة يمكن نعتها بالوطنية ألا وهي الدولة الحسينية " وهل كانت حقيقة وطنية ؟ سنرى ذلك فيما بعد .
ولكن كيف يمكن أن تكون الدول التى سبقت الدولة الحسينية منذ الفتح الاسلامى وطنية ( الدول التى جاءت قبل الفتح الاسلامي غاصبة ) والحال أن معنى الدولة عند العرب المسلمين لم يكن يعنى البتة الا العائلة الحاكمة او المالكة والكلمة آتية من الاكادية دالو وهي التيه بدون غرض ومن السريانية دال أى تحرك . ولم تظهر كلمة الدولة الا مع بني العباس فى معنى الدور في الانتصار ثم أصبحت ابتداء من القرن الثالث تسند الى الوزراء كولى الدولة وعميد الدولة وغيره وهي اذن تفيد التداول والتعاقب بينما بالفرنسية تفيد كلمة :ETATالآتية من اللاطينية : STATUS الاستقرار والصمود .
وليس هذا الا زيادة فى الدليل على ان الدولة فى بلادنا لا ترمز الى التمثيل الحقيقى للسكان بل اننا نجد فى هذه الدول التى ذكرتها ما يمكن أن ينعت
بصفات اخرى غير الوطنية فهى تارة دول غاصبة وطورا دولا متحالفة وأخرى قائمة على العصبية
فالدول الغاصبة هى مثل دول الرومان والبيزنطيين والوندال اذ هم أقوام جاءوا بعدد كبير واستقروا فى البلاد وسخروا الارض والعباد من اجل ابتزاز الخيرات ، ومن درس الفترة الرومانية فى بلادنا يعرف ما هو الاستغلال والاستعمار الذى هو شبيه باستعمار الفرنسيين لان هؤلاء حاولوا تطبيق ما
كان يقوم به الرومان فى ذلك الوقت . ودولة الوندال هى ايضا دولة غاصبة لانها استغلت الحكم لها وحدها ، ولم تقم بأي تعمير يذكر خلافا للرومان بل انها عرفت بالتخريب والتدمير وقس على ذلك حكم الاسبان الذين بقوا اكثر من خمسين سنة بتحريض من الحسن الحفصى وخيانة منه من اجل الابقاء على عرشه
أما الدولة الوحيدة التى يمكن ان نسميها متحالفة فهي دولة قرطاج . لانها لا يمكن أن تكون مستعمرة ( بكسر الميم ) اذ هي لم يعرف عنها أنها كانت تابعة لامبراطورية ما بل هى انصهرت مع سكان البلاد ولم تكون امبراطورية بالمعنى المعروف بل كانت هناك مدن مستقلة على السواحل تتعامل مع الاهالى وتضفى عليها من حضارتها حتى أن الاسماء الموجودة على كثير من القبور هي بربرية ولو انها مكتوبة بالبونيقية . لهذا فلا يمكن أن تعد دولة قرطاج استعمارية بل هى التى بذرت بذرة الحضارة بتكوينها فى ربوعنا أول دولة بأتم معنى الكلمة بنظام مؤسساتها المعقد والخاضع لقوانين مضبوطة حتى أخرجت رجالا عظاما فى السياسة وفي الحرب والفلاحة وغيرها من الميادين الاخرى وأشعت على كامل افريقيا الشمالية ناهيك أن ماسينيسا كان يقلد القرطاجيين فى حياته واتخذ اللغة البونيقية لغة رسمية . ولو أتيح لدولة قرطاج الاستمرار لامكن لها أن تزرع بذرة الدولة الوطنية التى ينصهر فيها جميع المتساكنين . ولكنها مثل غيرها من الدول ضربت أفرادها الانانية وحب الذات وطغت على القادرين فيها الرغبة فى الكسب والازورار عما ينقذ الوطن ويفيده وتقلصت الروح الوطنية . حتى أن حنبعل عندما وجد خزائن الدولة فارغة وأصدر قانونا جبائيا يفرض على الاثرياء تمويلها كادوا يسلمونه الى رومة . ولكن هذه الادواء ما لبثت ان عجلت بانقراض هذه الدولة التى كان يمكن لها أن تعد بحق الدولة الوحيدة التى عرفت في تلك الحقبة السحيقة كيف تصهر البربر فى بوتقتها
وهناك الدول التى تكونت بالاعتماد على العصبية سواء كانت بالنسب أو بالولاء فالعصبية بالنسب هى التى ترتكز على الاشتراك فى الدم والعصبية بالولاء هي التى ترتكز على الحماية مثل اعتماد الدولة الاغلبية على الدولة العباسية أو الدولة الصنهاجية على قبيلة صنهاجة وهكذا فان الدولة لا يمكن ان تقوم الا على عصبية ما وهذا ما أثبته ابن خلدون
أما صفة الوطنية فى التحاقها بكلمة الدولة فهي راجعة الى لفظة وطن ولها دلالات عديدة . فالوطن فى الاشعار الشعبية وفي النصوص الادبية والتاريخية هو عبارة عن الرقعة التى تعيش فيها قبيلة ما من ذلك مثلا الوطن القبلى ، ثم اتسع مدلول هذه الكلمة وأصبح يدل على القطر وأصبح لا يشعر فيه المواطن بأنه فى وطن الا من خلال المدينة أو القرية او الحومة التى يعيش فيها " وزيادة على ذلك فان " الوطن لا يفهم على انه أرض وسماء أو مجموعة من مواطنين تجتذب كلا منهم قيم وعقيدة وانما يعتبر الوطن وحده بأرضها وسمائها وبحارها ومواطنيها الموحدين عقيديا العاملين فى اتجاه واحد فى ظل عقيدة واحدة " فمن شروط الوطنية الاسلامية "
وهكذا فان مفهوم الوطنية هو امتداد لهذه القيم المتداخلة الغزيرة التى كان يصدع بها المصلحون فى أوائل هذا القرن وهذه القيم هى مستمدة من مفهوم الامة عند المسلمين
وليس من الغريب أن يقول أحد الدارسين : " ان فضل الحركات التحريرية هو انها كانت سببا فى بعث الوعى الوطني فى صورته العصرية . ويظهر أن البلاد التونسية ومصر هما الوحيدتان من بين البلدان العربية التى لهما شخصيات وطنية بينة المعالم "
ولكن ما هى الوطنية فى معناها العصرى ؟ وهى بالذات التى يطلق عليها كلمة القومية . هي كما حددها بعض علماء الاجتماع بالصورة التالية : " أن جوهر الوطنية هو الاعتقاد بأن مصالح صنف اجتماعي ما أى الوطن ، أهم من مصالح أى فرد وان الحكومة هي العنصر الاساسى للتعبير عن هذه المصالح ويردف قائلا : " ان المشكل هو أن الوطنية هي ديمقراطية أساسا وان ارادة الشعب ليست محافظة بالضرورة ولان اخص خصائص الوطني الحق هو أن يكون مستعدا للتضحية بكل شئ بما فى ذلك القيم التقليدية فى سبيل عزة الوطن ووحدته " .
ويتجلى من هذا أن الوطنية الحق هى التى تعتبر مصالح المجموعة اهم من مصالح الفرد أى المصالح التى لا يشترك فيها غيره وان الممثل لهذه المصالح المشتركة هو الحكومة . وهكذا فانه بالنسبة الينا كتونسيين فان مصالح المجموعة اتسعت من الفهم الضيق للقرية او المدينة او الحي او محط رجال العرش أو القبيلة الى الرقعة الجغرافية التى تسمى البلاد التونسية او تونس وان هذه الحكومة التى تمثل مصالح المجموعة كانت قبل الاستقلال الحزب الجديد ثم الحكومة الوطنية التى انبثقت عنه بعد الاستقلال
وبهذا تكون الحركة الوطنية أضفت في الواقع مفهوما عصريا للوطنية خاصة اذا اعتبرنا أن الوطن هو : " هذه المجموعة التى تكون واعية بالخصائص التى تميزها مهما كانت الاسباب والتي لا ترضى بحكم الاجانب وتطالب بدولة ذات سيادة خاصة بها " .
وهذا بالضبط ما لم يكن موجودا قبل الاستقلال اذ كان التونسيون يرضون فى آخر الامر بحكم الاجانب من ترك وغيرهم وان على مضض اذ كان فى تونس كما قال الاستاذ عبد الوهاب بوحديبة : " وطنية بدون وطن ( بمعنى الامة ) لان هذه لم تبرز قوية الا مع بعث الحزب الجديد سنة 1934 على يد " بورقيبة ولعل الاجدر أن نقول : كان هناك حب للوطن فقط ، لان الوطنية تقتضى وجود الامة ما فى ذلك شك .
لذا فان شعور التونسي اليوم مثله كمثل المصرى والجزائرى والمغربي قد ارتقى الى المرتبة التى تجعل منه يعى انه ينتمي بوطنه الصغير الى أمة بأتم معنى الكلمة فهو يذود عنها ويضحى من أجلها بكل شئ مثلما تم اثناء الحركة التحريرية فتحولت تلك الوطنية التى تقتصر على الحي والعرش والمدينة والقبيلة لتتسع الى الامة التونسية بأجمعها الى وطنية بالمفهوم العصري تضم البلاد التونسية مع تقلص الشعور الثاني الذي لم يبق من يمثله اذ كانت الخلافة هي الممثلة له ولكنه ظهر فى مظاهر أخرى لا أظنها تتضارب مع الشعور الاول ولا تنفيها .
والدليل على ذلك هو أن هذه الوطنية التى أصبحت لها محتوى مرتبط بالامة التونسية قد مالت شيئا ما الى التضحية ببعض القيم التقليدية التى هى فى الواقع ليست من مقومات الشخصية التونسية العربية الاسلامية بل هي دخلت على القيم الاسلامية وحجرتها مثل الفروق الموجودة بين موقف الاسلام من المرأة وبعد ذلك موقف بعض المسلمين منها والمجتمع الاسلامى بصورة
عامة وكذلك الفرق بين النظرة الاقتصادية فى تطورها فى أول الامر وحركيتها وجمودها وانحطاطها فيما بعد
غير أن الوطنية بالمفهوم العصرى كما ظهر مع الحركات التحريرية وتبلور تبلورا كانت لها بذور قديمة حتى أنه يمكن القول : ان الاسلام ساعد الوطنيات على البروز وأبقى على الامم ولم يمسخها رغم شعورها بالانتماء الى الامة الواحدة أى الامة الاسلامية وتطور هذا الى مفاهيم أخرى هى القومية تارة والوحدة أخرى وغيرها . فيمكن القول . ان هناك ثنائية قديمة لم تبرح الشعوب العربية وهي الآن في سبيل التطور الى نوع من الاخوة لا يتنافى مع الوطنية .
ومن يستقرئ التاريخ يجد أن بذرة الوطنية موجودة من القديم وان الذي فهم المغرب العربي فهما حقيقيا وتصور سير التاريخ على الاساس الصحيح هو ابن خلدون الذي عاش مع القبائل البربرية والعربية وعرفها ورأى رأى العين قيام الدول وانهيارها ولا بأس أن يتوقف القارىء لتاريخ ابن خلدون أمام أسطر قليلة يصف فيها هذا العالم الواعي تحرك التاريخ بالنسبة لهذه الدول أى انه يصف في واقع الامر الغاية التى كان يصبو اليها أهالى هذه البلاد من أول التاريخ يقول عندما يتحدث عن الخوارج فى المغرب وغيرهم : " وركدت ريح الخوارج من البربر في افريقية وتداعت بدعتهم الى الاضمحلال وأخمدت شوكة البربر واستكانوا للغلب وأطاعوا الدين . فضرب الاسلام بجرانه وألقت الدولة العربية على البربر بكلكلها وتقلد الاغلب التميمي أمر افريقية والمغرب من قبل الرشيد فاضطلع بأمر هذه الولاية وكانت لهم بافريقية والمغرب الدولة التى ذكرناها من قبل يعنى الاغالبة الى أن انقرض امر العرب بافريقية على يد زيادة الله عاقبتهم الفار الى المشرق امام كتابة سنة 296 . وخرجت كتامة على بني الاغلب بدعوة - العبيديين - ثم يزيد فيقول : " واستقل كتامة الامر من يومئذ ثم بعدهم من برابرة المغرب وذهب ريح العرب ودولتهم من المغرب وافريقية فلم يكن لهم بعد دولة الى هذا العهد ، أى عهد الحفصيين وصار الملك للبربر وقبائلهم يتداولونه طائفة بعد اخرى وجيلا بعد آخر تارة يدعون الى الامويين الخلفاء وأخرى الى الهاشميين من بني العباس وبني الحسن ثم استقلوا بالدعوة لانفسهم اخر الامر " . وهذا لم يكن فى ذهن ابن خلدون ليتنافى مع انتساب هذه الدول الى الحضيرة الاسلامية وانما هو شعور بنوع من الوطنية سيحتد ويبرز شيئا فشيئا ويتبلور فيما بعد حول هذه الكلمة التى نطق بها ابن خلدون وهي الاستقلال . ولهذا فان الدول التى تكونت فى المغرب العربى انما تكونت بروح وطنية ولكنها ليست الوطنية التى نفهمها اليوم وحددتها سابقا
ولهذا فان الدولة الوطنية بأتم معنى الكلمة لم تتكون الا فى عصرنا ولكن بذورها كانت موجودة من قديم وتشكلت في صور عديدة ولكنها كانت توقا وأملا لم يتحقق الا بعد المحن العديدة
فعندما نقول : ان الدولة الوطنية لم تتكون فهو صحيح لان الدول - غير الغاصبة - التى قامت انشئت على العصبية وهذا لا يمنع من أن نعتز بها لانها صنعت الحضارة بأيدى أبناء هذه البلاد واقامت المدن والاساطيل وأشاعت الحضارة بأيديهم ولكنها اقيمت هذه كلها على العصبية ولهذا كانت دولا بأتم معنى الكلمة أى تتغير وتتبذل وتدل على العائلة الحاكمة او المالكة اكثر مما تدل على الدول لان " الدولة العصرية نظم قبل أن تكون أفرادا والدولة المتخلفة أفراد قبل ان تكون نظما . وفي الدولة المتخلفة تقف التبعة عند حدود الاسرة وفي الدولة المتقدمة تتجاوز التبعة هذه الحدود لتمثل الامة بأكملها وفخر المواطن فى الدولة العصرية ان يطيع القانون لانه هو واضعه وفخر المواطن في الدولة المتخلفة أن يعصى القانون ، إذا سلم من العقاب لان القانون موضوع له من سلطة خارجية " . ولهذا فان الدولة الوطنية العصرية على أرض تونس هي تلك التى انبثقت من الصراع الطويل الذي ذكرته وأشار اليه ابن خلدون ولكنها تلك التى انبعثت من عزيمة كل التونسيين أثناء الكفاح التحريرى لا فرق بين أهل الارياف والمدن والقرى والمداشر والعروش والقبائل
وبعد هذا ما هي الاسباب التى حالت دون تكوين هذه الدولة الوطنية ؟ لعل ذلك يرجع الى أن فكرة الوطنية كما قلت آنفا هي فكرة جديدة لان الظروف لم تسمح بظهورها ولعل اختلاط المفاهيم والثنائية المتغلغلة فى النفوس كانت سببا فى ذلك . ولكن رغم هذا فان دولا لها بصيص من الوطنية تكونت على هذه الارض مثل الدولة القرطاجية والصنهاجية والحفصية والحسينية ولم تسعفها الظروف لتكون وطنية بأتم معنى الكلمة . ولعل هذا يرجع الى خطورة الموقع الجغرافي
وخطورة الموقع الجغرافي آتية من أن سكان هذه البلاد - بما فى ذلك بلدان المغرب - لم يتمكنوا الاحقاب تلو الاحقاب من تكوين حضارة خاصة بهم لانه كلما قامت دولة شبه وطنية داهمتها أقوام من الخارج يحملون معهم لغتهم ودينهم وتقاليدهم وهذا العدوان من شأنه أن يعطل سير الحضارة الاصيلة مهما كانت درجتها . وهذا بالضبط ما وقع مثلا لتونس في العصر الحديث عندما بدأت نهضتها على يد خير الدين ولكن الاحتلال الفرنسى والنظام
الاستعمارى أوقفا هذه الانطلاقة ووجهاها وجهة اخرى . فتغيير الوجهة الحضارية كما ذكرته سابقا كان سببا فى منع سكان البلاد من أن يكونوا لانفسهم لغة مكتوبة وحضارة تجمع بينهم . وتزيل الفوارق مثلما هو الشأن فى الجزيرة العربية أو مصر أو فارس لامتناع هذه البلدان عن أن تكون فريسة سهلة للغاصبين . ولكن سكان البلاد وجدوا فى آخر الامر فى الاسلام والحضارة العربية الاسلامية ما مكنهم من أن يحاولوا انشاء دول وطنية
ولكن رغم هذا فان هذه المحاولات باءت بالفشل لاسباب عديدة أهمها : - أن ماهية الدولة ليست بالمعنى الكامل الذي يجعلها تراعي جميع المصالح بل هي قائمة على العصبية أى على جزء من السكان بحيث أن دور الدولة يتقلص وينحصر فى أقلية سرعان ما تستتأثر بكل شئ فتنقلب الدولة في وظيفتها الى سيد له جميع الحقوق على غيره من دون أن يقوم بواجباته اللهم الا ما يوطد أركان حكمه
- أن الثنائية التى ذكرتها وانعدام الحدود بين الوطنية والانتماء وعدم وضوح معنى الامة فى الاذهان فى تأرجحه بين الدين والوطن كل هذا كان سببا فى عدم ظهور الدولة الوطنية وانهيار الدول التى أنشئت فى أولها على نوع من الوطنية ( الاستقلال بالدعوة الى النفس كما ذكره ابن خلدون ) وهذه الثنائية نجدها حتى في العصر الحديث عند فيلسوف كاقبال عندما يقول " لا ريب أن الوطنية لها مكانها وأثرها فى حياة الانسان الاخلاقية ولكن العبرة فى الحقيقة بايمان الانسان وثقافته وسننه التاريخية هذه فى رأيى الامور التى نستحق أن يعيش لها الانسان ويموت من أجلها لا بقعة الارض التى اتصلت بها روح الانسان اتفاقا " . وهو على حق لا محالة فى الجزء الاول من نظريته ولكنه غير محق فى الجزء الثاني وهو بهذا يواصل نفس الغموض الذي عرفته الدول الاسلامية في الماضي . ولعل الكوارث ألمت بباكستان متأتية فى معظمها من هذا التفكير الذى يقر ايجاد دولة باكبتان ويتحمس لها ثم يضعفها بمثل هذا الجزم . وهو يؤول بالضبط الى عدم وجود أمة قادرة على الدفاع عن كيان الدولة فيقع التفاوت بين هذه وتلك فاما ان تكون الامة اكبر من الدولة او أن تكون اصغر منها ( وجود العصبية ) .
- توسع الدول المجاورة والكيد للدولة المعنية مما يطيح بالدولتين والامثلة عديدة منها ما سعى اليه مسينيسا من القضاء على قرطاج للتوسع ولكن الواقع اثبت أن رومة أطاحت بالدولتين وجعلت افريقيا الشمالية تحت نير استعمارها قرونا وقرونا
- ان الثالوث الذى كان يكون سكان البلاد لم يكن في وقت من الاوقات متفاعلا وهو الحضر والبدو الرحل والفلاحون ( ما يسميه ابن خلدون بسكان الضواحي :( L' arriere - pays )وهو الذى انشأ التناحر بين هذه الفئات واستفحلت من أجله أنواع القبلية والعروشية والعنصرية
- أن ما ينشأ عن الطبقة الحاكمة من ظلم وجور وأنانية وتكالب على الكسب وتقلص للروح الوطنية كان سببا لا فى تدعيم أسس نوع من الدولة الوطنية بل فى انهيارها . ولنذكر هنا دولة قرطاج التى ظهرت هذه العيوب فى طبقتها الحاكمة حتى أن حنبعل عندما وجد خزائن الدولة فارغة سن قانونا جبائيا لجمع الاموال ومحاولة مقاومة رومة ولكن هذه الطبقة الحاكمة بأمرها تآمرت عليه وقررت تسليمه الى عدوته رومة . وكانت النهاية أن سقط السقف على الجميع زد على ذلك أن هذا المجتمع كان يتصف بعدوان البعض على البعض الآخر وتكاثر الحسد والحقد بين الافراد علاوة على تفشى الجهل والفقر والمرض في فئات عديدة مما يعطل تواصل الحضارة ( ما يعبر عنه ابن خلدون بانقطاع السند) وهو يتمثل فى تنكر الاجيال بعضها لبعض وعدم الاعتراف بالقيم وينشأ عن ذلك تقلص العمران اذ " الدولة والعمران كما يقول ابن خلدون امران متلازمان وتنهار الدولة او تسير على نحو لا يتماشى مع روح الدولة الوطنية
هذه هي العوامل التى حالت دون قيام الدولة الوطنية فى بلادنا وقد امكن فى فترة الكفاح الوطني ازالة العراقيل لنشوء الدولة الوطنية بأتم معنى الكلمة وتحققت فى عهد الاستقلال كل الاسباب التى تجعل أسس هذه الدولة مكينة وما على الاجيال الحاضرة واللاحقة الا ان تأخذ بعين الاعتبار السلبيات التى ذكرناها حتى تتجنب الكوارث التى لحقت بالبلاد فى العصور الماضية وتكون فى مستوى المسؤولية التى قلدها اياها ومكنها منها الشهداء الذين سقطوا من أجل أن تحيا تونس أمة قادرة على الدفاع عن كيان دولتها %

