.... وفى ماسيلى من كلام سنحاول بسط بعض عناصر الظاهرة اللغوية من المشكلة بدون جمع ولا استيفاء بل بطريقة التقليل والتيسير . .
ان هذه الملاحظة التى صدرنا بها " بحثنا فى مشاكل الامكانيات اللغوية لتطوير العربية " ( 1 ) والتي لم نخطها رغبة فى ابداء تواضع مزيف ولكن سعبا في تبيان عدم كمالية بحثنا وصفته المحدودة - من شأنها فى نظرنا ان تجعلنا وحدها في حل من عتاب صاحب الرد على مقالنا ايانا بعدم استقراء مصادر البحث وموارده استقراء كاملا شاملا ٠٠
على أن ماجاء فى تعليق السيد محمد المختار السلامي فى هذا الباب يمثل مظهرا أولا من رده علينا مظهرا ايجابيا فى مجموعة والحق يقال ومكملا أحيانا لمقالنا تكميلا مفيدا ينم عن اجتهاد محمود وخبرة متفطنة ورغبة صادقة ومباركة في ايجاد الحلول لتطوير العربية نقبلها ونشكر صاحبها عليها
بيد أن شكرنا لصاحب الرد بخصوص هذا المظهر الايجابى ينبغى ألا يمنعنا في ظننا من ذكر بعض الملاحظات البسيطة نوردها هنا لاقصد احتدام النقاش اللغوي بيننا ولكن اتماما للفائدة واستقصاء للموضوع
فانه يبدو لنا ان الركون الى مدرسة الكوفة بعد نفاد امكانيات مدرسة البصرة وان مكن في ميدان اللغة كالهروب من المذهب المالكى و " الاتكاء على المذهب الحنفي فى ميدان القضاء من العثور على بعض الحلول المقبولة فى بعض الاحوال الفردية العارضة فانه لا يمكن بحال فى هذا المضمار أن يفى مثل ذلك الركون بحل المشكلة المقصودة حلا جوهريا وافيا فى عامة الاحوال ومجموعها
فالركون الى مدرسة الكوفة فى اشتقاق " شاخص " نسبة الى شخص قياسا على اشتقاقهم " تامر " و " لابن " نسبة الى " تمر " ( على ما فى صيغة " فاعل " من التباس مكروه بصيغة اسم الفاعل المعروفة المتداولة ) لا يمثل فى اعتقادنا الا وسيلة خاصة ربما صح استعمالها لاستخراج ترجمة مرضية الكلمة Personnalisme في حد ذاتها ولا يمكن أن يمثل وسيلة عامة - كما هو المرغوب - تستعمل استعمالا مطردا أو مطلقا لحل مجموع المشاكل الترجميه الناجمة عن مجموع الكلمات الاجنبية التى يثير نقلها الى العربية مشكلة
" ضيق استعمال وسيلة الاشتقاق احيانا " المثارة فى مقالنا السابق . . .
ونحن نسأل صاحب الرد بهذا الصدد أن يرشدنا اذا كان قد اهتدى بعد اليها الى كيفية ترجمة الكلمات الفرنسية الآتية حتى اعتمادا على وسائل اشتقاق مدرسة الكوفة : Humanite , Humanisme , Empire , Immaterialisme internationale ( nom feminin : اسم مؤنت Internationalisme , Etatisme . Universalits Universalisme
وكذلك النحت في نحو " عبشمى " و " مرقسي " ( 2 ) وان مكن اللغة الحديثة من وضع ( برعاجي ) و ( قروسطى ) de tour divoir ,moyen- ageux عن طريق الاذاعة - لا يفي بالحاجة اذ واجهنا مجموع الكلمات المركبة الزاخر المراد نقلها الى العربية فى حين ان استعمال الطريقة الغربية فى التركيب فى نحو (شفويو- اسنانى ) (لا شفيو- أسنانى كما يقول صاحب الرد ) و " كهربائيو - قلبية " جريا على قولنا " انقلو- سكسوني " و " هندو - اوروبى " . . يمثل عندنا امكانية ( لا اقتراحا كما يقول صاحب الرد ) من الامكانيات التى ربما ستؤول بالعربية الى التمكن من اتخاذ كلمات مركبة على هذا النحو بصفة تحل بها مجموع هذه المشكلة لا بعض حالاتها العارضة واحوالها الفردية . . ولسنا نريد باتخاذ هذه " الواو " المسكينة الدالة على التركيب أن تكون " اللغات جارية فى الاصول التركيبية على نسق واحد " اذ كان يمكن فى تلك الحال الاستغناء بواحدة منها عن الباقيات وانما أردنا استعارة هذه " الواو " من اللغات الاوربية كما استعار اجدادنا " آن " و " ية " من اللغات السامية
ونهاية القول فى هذا الباب انه رغم أهمية اتفاقنا كلنا على سعة امكانيات العربية من حيث المبدأ ورغم أهمية اتفاقنا على وجوب تعريب الاسلوب التفكيرى فى بلادنا من حيث الجوهر فانه من الاهم الا نقع فى الغلط فى الاتفاق على الطرق العملية والوسائل الفعلية التى من شانها وحدها أن تقودنا الى ايجاد الحلول الجوهرية الجذرية العامة لهذه المشكلة اللغوية الخطيرة
وعندنا أن البحث عن هذه الطرق بكيفية موضوعية مجردة ايجابية تعترف بالفضائل والنقائص وتكتشف الحسنات والسيئات اجدر وانفع واوفى من البحث والعثور عليها بكيفية التحيز الضيق والمدافعة المستميتة وابراز الفضائل والمحاسن وستر العوئق والعيوب أى بكيفية ما من شأنها فى نظرنا الا أن
تجعلنا دوما في حالة جريان وراء المشاكل نقتنصها واحدة بعد الاخرى ونحاول ايجاد حل لكل منها باستعمال طريقة خاصة بها نستقيها من بئر سعة العربية والجريان وراء المشاكل على هذا النحو احسن تعريف للتخلف فى الميدان الفكرى
ولئن كان المظهر الرئيسى الاول من رد السيد السلامي ايجابيا صادق اللهجة والمسعى كما بينا فان المظهر الثاني منه قد جاء فى رأينا سلبيا عفويا تغلب فيه التدفع على التبصر وأحلت بين سطوره روح المدافعة والتبرؤ محل الحجة والبرهان ...
فقد أخذ عنا السيد السلامي اختلاقنا لشبح المتشدقين الرجعيين الذين تحدثنا عنهم فى مقالنا وغاينا بكوننا لم نخلقهم الا لكى يسهل علينا قتلهم وعيرنا " بالقساوة " فى الحكم وتعجب من تلاؤم تلك " القساوة " التى نسبها الينا مع " هدوئنا فى البحث
ان الحق يفرض علينا أن نلاحظ ملاحظة قوية عتيدة أننا لم نخلق تلك الاقلية المسحوقة من المتشدقين الرجعيين كما قلنا فى مقالنا السابق وكما نصر على الاستمرار فى القول . لم نختلقها ولم نكونها لمقتضيات الموقف الذي كنا ندافع عنه اذ لدينا من النزاهة الفكرية والرصانة العلمية ما يصبح معه مثل هذا الاختلاق المزعوم - لو ارتكبناه فعلا - تأنيبا لضميرنا الفكرى وسلاحا يستعمله مناهضونا ضدنا كنا نشعر بوجوب الضن به عليهم
ولئن كان صاحب الرد " لم يسمع اى داعية نادى بهذه المقالة ولم يبصر كتابة تفيد هذا المعنى " فليس فى الامر أية غرابة اذ ذلك راجع الى سبب بسيط وهو فعلا عدم وجود مثل تلك المقالة وهذه الكتابة الا أن عدم وجودها لا ينتج عنه حتما عدم وجود امكانية اخرى للدفاع عن نفس الفكرة بصفة غير مباشرة بل هذه الامكانية موجودة وهى تتمثل حسب رأينا وبما أننا فى ميدان اللغة في عادة بعض اهل الثقافة عندنا وخصوصا ( 3 ) في اجواء خريجي الجامعة الزيتونية القديمة فى استعمال لغة عربية فصحى عتيقة البناء قديمة الصيغة تغلب عليها الصنعة والتأنق ويسيطر عليها التكلف والتشدق ويؤثر أصحابها فيها غريب اللفظ وملتوى التعبيرات على بسيط الكلام وواضح التراكيب وذلك سواء فى مقالاتهم الملقاة على مسامع العموم اثناء المحاضرات
أو الاذاعات او المكتوبة على متون الكتب وصفحات المجلات وبقطع النظر عن المواضيع المتناولة بالبحث
ولا أظن السيد السلامى ينازعنا فى وجود هذه الطائفة من أهل العلم والثقافة ولا أظنه ينكر أن فى استعمال مثل هذه اللغة وترويجها في الحديث والكتابة به ما من شأنه أن يؤثر على ناشئتنا وأن يبقى مغروزة فيهم تلك الفكرة الساذجة الفاسدة والتى مفادها أن لا عربية أصيلة نبيلة مرضية الا عربية القرون الخالية وان لامعنى صحيح قوى الا ما صيغ صياغة لفظ الجاحظ أو أبى حيان التوحيدى وأن كل ما عدا ذلك فهو ضرب من اللغو وصنف من أصناف الهذيان
ولا أظنه الآن ينازعنا فى أن ما ذكرناه هو وسيلة غير مباشرة ولكن فعالة بقدر فعالية الصفات المباشرة فى الدفاع عن التشدق والتكلف وأخيرا فاننا نعتقد أن من فكر قليلا رأى معنا أن صاحب الرد على مقالنا لم ينتقص من قيمته لما اخذ علينا " قسوتنا " فى الحكم وتعجب من " التئامها " مع " هدوءنا " فى البحث اذ أن هذه " القساوة " التى يتكلم عنها والتي لم تتعد فى كلامنا مجرد " اتخاذ موقف " مناهض لنزعة تلك الشرذمة من " المتشدقين الرجعيين هى فى الحقيقة ظاهرة نسأل الله أن تتوفر فى مقالات كتابنا ومحاضراتهم لما فى ذلك من ترك " الهدوء " العلمى المزعوم والذى كثيرا ما يتخد ذريعه للنفاق والزور ومن قبول فكرة اتخاذ المواقف والادلاء بالاراء الشخصية صريحة مصراحة وان تضاربت مع اراء البعض او حتى الاغلبية . .
وبودنا أن نذكر السيد السلامى أن " الموضوعية الجامعية " المزعومة و " الهدوء " العلمى المنافق و " الحياد الفكرى " البارد الذى يريد بعضهم أن يتجلى " به رجال العلم لم يكن من شيم رجال الرأى وأصحاب الفكر من العرب فى القديم فى مساجلاتهم وكتبهم ولم يكن عادة أصحاب المذاهب والنحل فى تضاربهم ومناقشاتهم الفكرية المحتدمة ولم يكن عادة الغزالى " حجة الاسلام " مثلا صاحب الرد على الفلاسفة المسلمين اذ " القساوة " من اشهر وأفضل صفاته فى تطاحنة معهم
فكيف تدعون اليوم الى مثل هذا " الهدوء " العقيم وتلك " الموضوعية " المزيفة فى بلاد كبلادنا يريد مجموع سكانها بناء صرح الديموقراطية الخلاقة فيها وقدح زند تحاكك الافكار المنير بها حتى يتضح الحق ويختفى الباطل ويفوز بالحق ذووه . .

