انتهت البحوث الأثرية مجمعة على أن الفن الساساني من أعظم الروافد التى غذت الفن الاسلامى فى نشأته الاولى ، وسريت فى عروقه وهو يمتد على رقعة الامبراطورية الاسلامية الشاسعة .
واذا كان هذا الفن العريق الذي أزهر فى ربوع الاكاسرة قد وهبته روح فارس كل ما أبدعه فنانوها المرهفون ، فقد أعادت الحضارة الاسلامية الدافقة صوغه ومزجه مع ما انصهر فيها من فنون حضارات أخرى ، ثم أخرجته من حدوده القديمة ونشرته فى مجال أوسع وأبقى .
لقد كانت الفنون الايرانية ذات خصائص واضحة ومتميزة فى مختلف عصورها الاسلامية وغير الاسلامية ، وإن المختصين لم يفتأوا يثيرون القضايا المتنوعة حول هذا الفن وأثره ، بعد أن توفرت الدراسات المخبرية الدقيقة والحفريات العلمية والمقارنات الواسعة على إثراء بحوثهم المحددة في جميع جوانب الفنون الايرانية وعصورها .
لذلك سيكون إسهامنا بهذا البحث الموجز محاولة الكشف عن عنصرين معماريين من فارس انتقلا الى أساليب العمارة فى إفريقية ، وعن طرق هذا الانتقال .
يستوقف الباحث فى تاريخ العمارة بافريقية (تونس) عنصر جديد خلفه لنا العصر الاسلامى المبكر فى رباط المنستير الذى أقامه القائد العباسى هرثمة بن اعين سنه 180 ه . / 796 م . هو عنصر الأقبية على العقود voutes sur arcades . فقد قسم مسجد الرباط الى بلاطات متعامدة على جدار القبله ، تغطيها أقبية طولية محمولة على عقود جانبية أقل ارتفاعا منها . وهذا الحل المعمارى الموفق والمتطور لتغطية مساحة واسعة بالحجارة ، يبدو كظاهرة نادرة
لم نجد لها - فى ما نعلم - شبيها فى آثارنا القديمة . اين نشأ إذن هذا الحل المعمارى ، وكيف وجد طريقة الى افريقية ؟ إن سبيلنا لمحاولة الإجابة هي أن نستقصى النماذج الباقية ، وهى :
- طاق إيوان بالكرخ (1) - من العصر الساسانى . (عرض القبو 1.60 - عرض العقد الحامل 1.48 م - قطاع القبو نصف دائري ) .
- قصر الحرانه ( 2 ) : تتردد نسبته بين العصر الساسانى والعصر الأموى . ( عرض القبو 1.19 م -1.44 م- عرض العقد الحامل 0.80 م - قبو نصف دائرى ).
- صهريج حرم القدس ( 3 ) .
- قصير عمرة ( 4 ) : أموى ، تاريخه بين سنتى 92 -96 ه . / 711 - 715 م ( عرض القبو 2.48 م - عرض العقد الحامل 0.70 م - قبو نصف دائري ) .
- حمام السراح ( 5 ) : أموى . ( عرض القبو 2.25 م ، 2.90 م - عرض لعقد الحامل 0.55 م - قبو مدبب ) .
- قصر الاخيضر ( 6 ) : عباسى 159 ه . / 775 م . ( ؟) (عرض القبو 1.70 م - عرض العقد الحامل 1.30 م - قبو نصف دائري ) .
- صهريج الرملة بفلسطين : عباسى 172 ه / 788 م . ( عرض القبو 3.82 م - عرض العقد الحامل 0.76 م - قبو مديب ) .
- مسجد رباط هرثمة بالمنستير : ( عرض القبو 2.50 م - 3.50 م - عرض العقد الحامل 0.58 م ) .
ويوضح لنا الاحصاء أن هذا العنصر المعمارى ساسانى ظهر فى طاق ايوان وفي عمائر فارسية أخرى ، وانتقل الى العمارة الاسلامية بواسطة قصر الحرانة ، وهو أول مبنى ظهر فيه ببلاد الشام . وتشير الأمثلة أيضا الى التحول الذى تطور إليه هذا العنصر ؛ فقد كان فى مرحلته الساسانية قبوا طوليا voutes en berceau متقطعا ، وقد غطى ما بين العقود بقبو يقارب عرضه عرض العقد الحامل له ، بحيث يشترك العقد نفسه فى تقاسم التغطية مع القبو (طاق الايوان والاخيضر المشبع بالتأثير الساسانسي) على حين أصبح القبو فى الطور الاسلامى هو العنصر الوظيفى فى التغطية ، وتقوم العقود الحاملة له كعناصر مساعدة ( يلاحظ الفرق بين عرض الأقبية وعرض العقود فى النماذج الأموية والعباسية ) .
وهكذا سلك هذا العنصر المعمارى طريقه الى افريقية مع القائد العباسي هرثمة ، وربما كان معروفا منذ العصر الأموى ، إذ يذكر البلاذرى(8) أن القصور التى أقامها حسان بن النعمان عند تراجعه أمام الكاهنة حوالى سنة 80 ه / 699 م . كانت سقوفها آزاجا .
وكشفت أعمال الترميم التى أجراها المعهد القومى للآثار فى رباط المنستير منذ سنة 1957 - مصادفة - عن شرفات ( Merlons ) مسننة تتكون من ثلاث طبقات زواياها حادة تشابه فى تكوينها النموذج الموجود فى قصر الخليفة هشام بن عبد الملك بأريحا مع اختلافهما فى عدد الطبقات .
لقد ظهر هذا العنصر فى حضارات الشرق القديم على هيئات مختلفة متولدة من بعضها ، فهناك أشكال متدرجة قائمة الزوايا ؛ وأشكال مسننة حادة الزوايا مصمتة ، وأخرى ذات فتحة فى وسطها . ويرى " بريـجس "(9) (Briggs) أن أصلها من العراق القديم وهو ما يؤكده " كامرر "(10) (Kammerer ) وقد انتهى بنا التتبع الى احصاء واسع نقتصر منه هنا على النماذج التالية :
- شرفات قصر برسوبوليس(11) ( Porsopolis ) من العصر الأخمينى ، قائمة الزوايا نصبت على جانبى درج المدخل .
- طبق فضى(12) من العصر الساسانى مثل عليه بالحفر البارز حصن فوقه جنود مسلحون يردون غارة لكتيبة من الفرسان ، وشرفات الحصن مسننة ذات ثلاث طبقات بها فتحة رأسية فى الوسط ، قد تكون للرماية .
- أمثلة ساسانية قائمة الزوايا كانت على طاق إيوان (13) . - أمثلة قائمة الزوايا على مداخل طاق بستان (14) . - مثال زخرفى قائم الزوايا على تاج داريوس (15) . - شرفات قائمة الزوايا على معبد عمريت بسورية (16) .
- أمثلة على المقابر النبطية بالبتراء والمدائن والحجر ، بعضها زخرفى قائم الزوايا من ثلاث طبقات ، وبعضها يتوج الأضرحة (17) .
وقد حافظ الأمويون والعباسيون على هذا العنصر فى شكليه الوظيفى والزخرفى ، وعدلوا من نسبه وأبعاده والتزموا الزوايا الحادة التى أضفت علية مظهر الحركة والرشاقة عوضا عن الزوايا القائمة التى تتلاءم مع وقار المعابد والمقابر . وعبروا به الى افريقية والاندلس . ونقتصر هنا على ذكر بعض الأمثلة الاسلامية المبكرة ، وهي : - شرفات قصر الخليفة الوليد بن عبد الملك ، بجبل أسيس (18) .

