الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

بقايا رجال

Share

( ٠٠٠٠ طق .. . طق . . طق . . . طق ٠٠٠ ) - " لم نصل بعد ؟ ! " - " لا . لم نقطع سوى 100 م من 370 م " - " أف ! أصابني الدوار ، وأخشى أن تزل قدمي فأهوى الى الحضيض " - " لا تخش شيئا . . فسوف لن تكون الاول ولا الاخير " - " عهدت السلم للصعود فى دنيا الناس . فاذا هي فى دنياكم تستعمل للنزول من الارض الاولى الى الارض السابعة " .

- " طريقهم غير طريقنا " - " لكن كيف تنزلون من هذه السلم وتصعدونها أربع مرات يوميا ؟ " - " وما العجب ؟ نحن تعودنا . وانت أيضا سوف تتعود . . . ها قل وصلنا " .

- " حمدا لله على السلامة ! . - " هه . . السلامة تركتها فوق . . إنها لا تدخل هذا المكان "

نظرت حولنا فاذا نحن فى ظلام دامس . ومد رفيقي يده الى مصباح " الكربون " فنزعه من على كتفه وأضاءه . وفعلت فعله ، ثم مشينا قليلا وسط الماء والوحل . رفيقى يسير بخطى ثابتة لمعرفته المكان . أما أنا فكنت أخطو فى تردد وخوف . وكان صديقى يصيح فى منبها بين الفينة والأخرى : " انتبه . . أمامك هوة ! لا تمر من هناك حتى لا تدفن حبا . . "

- " ما هذه الاشباح التى تبعث بنور ضعيف ؛ إنها تذكرني بحديث حدتى عن " العبابيث " . - " إنهم رجال - عفوا - بقايا رجال . واذا شئت الدقة . فقل :

كتل من اللحم البشرى الرخيص جدا ) × ) جرود أحذية مطاطية ( × ) خرق بالية ملوثة بالتراب الأحمر ) + مصابيح " كربون " مضاءة × كميات من البؤس

- " منظر مخيف !!! " - " هذه نظرتك الآن ، أما بعد قليل ، عندما تصبح بقية رجل فسوف يتغير رأيك . . " = " الله يعينكم " .

ورفعت بقايا الرجال الينا عيونا ذابلة ، غائرة ، كأنها علامة خطر تطل من خلف الشفق المظلم . وهمست : " يعيننا ويعينكم . . "

( آ .. آ ... آ .. آ ... آ .. آ ... آ .. ) مزقت هذه الصيحة مسمعي ، وقال رفيقي : " إنها اشارة لبداية العمل " فقلت له : إنها بداية مزعجة أما وجدوا غير هذه الصيحة يبدؤون بها ؟ ! "

- " حياتنا كلها صيحة كبيرة . وعندما تسمع مثل تلك الصيحة يطلقها " بقية رجل " من تحت الانقاض فسوف لن تراها مزعجة بعد . . كنت مثلك ثم تعودت ٠٠

وأشار صديقى الى أحد " البقايا " قائلا : " ها هو ) الكبران ( " وناداني الكبران - " ماذا تريد يا أنت ؟ " .

- " أبحث عن الخبز " - " آه . . أنت العامل الجديد ؛ خذ معولا واذهب مع هؤلاء "

نحيت عني ثيابى كالآخرين وتمنطقت بالخرقة الزرقاء سترا لعورتى . . أصبحت " شبحا " بقية رجل " بدأ الرجل في يذوب تاركا بقاياه . .

- " كيف سيكون العمل يا ترى ؟ " - " بسيط جدا . إنه مجرد مقابلة مع الموت لمدة 8 ساعات - يا أخي . . " - " واذا انتصرت ألا أستحق شهرة أبطال الملاكمة ؟ " - " لا ٠٠ " - " ولم ؟ وقد انتصرت على عزرائيل وما أدراك ؟ " - " لأن الملاكم عندما يلعب لصالح جمعية ما فهو يلعب مقابل أكداس من الدولارات أما أنت فتلعب لصالح الدولة مقابل " مليمات " . . "

- " معك حق . . كنت مغرورا . . بدأ العمل . الحرارة أشد من الشديدة . . أخذ العرق ينهال من جسدى فيمتزج بالتراب الاحمر

" انشط . . تحرك . . تسترح هكذا بكل وقاحة ؟ ثلاثة أيام كافية لتستريح . هيا أترك العمل . . . "

وتعلق المغضوب عليه برداء " الكبران " يطلب الرحمة والغفران : " ثلاثة ايام بطالا ! يا رسول الله وأولادى العشرة من أين يأكلون ؟ أنا مؤمن مثلك ارحمني . . "

" الرحمة فى بحيرة حمزة " .

وانساب المطرود يغادر المكان جارا قدميه وكأنه يحمل عبئا ثقيلا ، بل إنه يحمل جوع 12 بطنا لمدة ثلاثة أيام

رفعت " بقايا الرجال " عيونها نحو " الكبران " عيونا تشتعل فيها الثورة كالنار تحت الرماد . هل تكشف العاصفة الرماد عن الجمر ؟ إن البطالة شبح مخيف تخشاه حتى العاصفة . ونكست الاشباح رؤوسها وعادت الى العمل يظهر أنها تعودت تلك المشاهد

- " صديقى . . تعبت كثيرا ، والعرق يقلقني فمتى ستكون الاستراحة ؟ . . "

- " اسمع . . ها هى اشارة الاستراحة . . هيا بنا نقضم خبزنا . . "

رميت المعول من يدى وجلست على كومة من التراب بجانب صديقى . وأخرجت - كالآخرين - قطعة الخبز الجاف من مخلاتي وبدأنا . نقضم طعامنا وأشار رفيقى الى أحد العملة وهو منطو على نفسه فى ركن من أركان المنجم كقطة تطلب الدفء . وقال لى : " مسكين إنه لا يملك قوت يومه . ومنذ ثلاثة أيام لم يأت معه بطعام . أما صغاره فلست أعرف كيف يعيشون . بل بالاحرى كيف لا يموتون ! "

ونادى رفيقي وألح عليه أن يشاركنا خبزنا . زاعما انه رآه لما أسقط منه خبزه فى الوحل . وكان صديقى كاذبا فى زعمه . وإنما خشى أن يجرح شعور " بقية الرجل " اذ أن لهؤلاء بقايا من مشاعر أيضا .

وكان الدم ينزف من إصبع الخدام بالعرق والتراب الاحمر والخبز الجاف ثم يأخذ طريقه الى جوفه الخاوى . وكان فكه يتحرك فى يسر لشدة ما تعود من راحة .

وبعد نصف ساعة عدنا إلى العمل

" أى ... ى " صيحة حادة . اقشعر لها بدني وخفق قلبي . وهرولت " البقايا " نحو مكان الصيحة وهرولت معها فرأيت جزءا من اللحم البشرى مغموسا فى كومة من الوحل والحجارة . . رأس !!! نعم انه رأس بشرى مغموس - كالبصلة - فى الوحل ، ويد تبحث عن شئ تتشبت به ، وشرعت المعاول فى الكشف عن بقية " بقية الرجل " الموؤودة .

" لم يعد يتحرك " ولا يتنفس " مات ! " لا حول ولا قوة إلا بالله !

لقد اصبح ذلك المسكين فى لحظة معجونا من لحم مهروس } عظام محطمة ( × ) وحل ( × ] حصى : أصبح كمعجون " الكفتة " .

نظرت من حولى فاذا الوجوه بعضها شديد الشحوب فيها معان ومعان وبعضها الآخر قد ألف معاشرة عزرائيل . ووجوه أخرى قد امتزجت عليها قطرات العرق بالتراب الاحمر وسيلة من الدموع

أما أنا فرميت المعول من يدى وذهبت فلبست ثيابي . وسألنى الكبران : " إلى أين ؟ " فأجبته : " إلى دنيا الناس "

- " لماذا ؟ " - " لأننى أريد أن أعود رجلا كما كنت لا بقية من رجل " ثم تشبثت بالسلم وصعدت

( ا . ه . )

اشترك في نشرتنا البريدية