لا اعلم فى التاريخ ولا فى العصر الحاضر ، من جاب بقاع الارض باستمرار ، وتقص بالغ ، برا وبحرا وجويا مثل الاستاذ محمد عبد الحميد مراداد المكى السعودى . لقد فاق ابن بطوطة وماجلان وغيرهما فى هذا الميدان .
استمرت رحلاته في شتى اقطار الدنيا ما يربو على ثلاثين عاما .
وبين يدى الآن ( رزمة ) من رسائله التى بعث بها في البريد الى رئيس تحرير هذه المجلة ، من مختلف مدن العالم في آسية وافريقية وأوروبة . وعلى ظروفها طوابع المدن والاقطار التى بعث بتلك الرسائل منها ، من كل المدن والاقطار العالمية التى تجول فيها باحثا مستطلعـــــــا مستكشفا .
ولو كنت من (( هواة الطوابع )) لكانت ثروة طيبة هذه الطوابع العالمية التى وضعها الاستاذ على ظروف رسائله الي ، وكان آخر رسالة جامعة لاسماء ، الأقطار التى زارها قد وردت منه ، الي ، من تونس بتاريخ ١٨-٨-١٩٧١ وبها ( مجمل شامل ) لأماكن رحلاته الاخيرة .. وهى رحلات لا يستطيع القيام بها الا من
اوتى حظا كبيرا من التجلد والعزيمة .. والتصميم .. وها نحن نزف تلك الرسالة الجامعة القيمة مع ثلاث رسائل لا تقل عنها أهمية لقرائنا الكرام ، ليقدروا قدر هذا الرحالة السعودى العالم الأديب الذى جاب انحاء العالم على نفقته الخاصة ، فأولى بلادنا شرفا ومجدا وفخرا خالدا .. جديرا بأن نشيد به في صحافتنا وأدبنا وتاريخنا .. ولا بد ان الاستاذ محمد عبد الحميد مرداد سيفيض انهار معلوماته النادرة عن
مشاهداته وملاحظاته في سفر ضخم نرجو ان يصدر في طباعة انيقة وبصور واضحة حتى يأخذ مكانه تحت الشمس وان ننس من آثاره فلن ننسى انه أول رحالة سعودى اكتشف المعالم الخفية القصية في مدائن صالح ، اذ تجول في أغوارها البعيدة على جمل .. قبل بضعة وثلاثين عاما . ودون مشاهداته وملاحظاته ودراساته في كتابه القيم ( مدائن صالح ) الذى نرجو ان يصدر فى طباعته الثانية آنق وأجمل ..
وان ننس لا ننس انه من أوائل كتاب (( المنهل )) .. كتب في المنهل بسنته الاولى ١٣٥٥ ه - ١٩٣٧ م عن رحلته في مدائن صالح .
وقد اخترنا من رسائله العديدة أربع الرسائل التى تراها بعد هذه المقدمة متسلسلة مرتبة بحسب تواريخها وأماكن وجوده فى رحلاته حين سطرها .
وكان اختيارنا لها لما فيها من متعة وفائدة للقراء على ما نراه ..
الفناء الطيبة الهواء التى بها الطيور المترنمة والذباب الغرد والتى غدرانها صحائف وغمامها ينقط وريحها يكثب وأريجها يضوع صباحا منه النرجس والياسمين ومساء الورود والرياحين . ولقد دهشت بجامعاتها ومساجدها ومدارسها الكثيرة وآثارها الخطيرة فما أجملها من بلاد وأعزهامن وطن كريم - وقد تم الوصول اليها بعد جولات عظيمة بأرض الجزائر والصحراء الكبرى وموريتانيا والمغرب العربى والاسبانى وجبل طارق الذى نظمت به ثلاث رحلات ممتعة اولاها بالسفح حيث المصانع ومعامل تحلية الماء وسحق الاسمدة والكنائس والحدائق وثانيها بمقصورة القائد البطل طارق بن زياد التى بها البرج الحربى العظيم المغروس فى سطحه العلم البريطانى حاليا وثالثها فى القمة حيث الهواء الطلق والمساكن الصغيرة الجميلة وقد تم التسلق على هذا الجبل الشامخ ، بوساطة المصعد الكهربائى ( بلاد ) الذى يسع ١٦ سائحا بأمتعتهم .
وقبل زيارة الجبل الخالد زرت الاندلس الرطيب الذى من ضمن بلدانه قرطبة التى بها الجامع الشهير ثم غرناطة التى بها ( قصر الحمراء ) العظيم الذى سجلت فيه ذكرياتى ، وصورت جميع أروقته وحدائقه وسواريه ونقوشه . كما أن السياح الامريكيين أخذوا لى فيه عدة مناظر سأعرضها فيما بعد ان شاء الله - وقبلا كنت بجزيرة صقلية الجزيرة الاسلامية قديما والمسيحية حديثا وقد تجولت في جميع مدنها القديمة والحديثة وتسلقت جبل النار ( البركان ) الذى يدعى ( أتنه ) ويقذف بالحمم والهلاك . ثم قمت بجولات ممتعة فى ايطاليا واليونان وتركيا وألمانيا ولكسمبرج وبلجيكا وفرنسا وهولندا وسويسرا والدانيمارك الذى قفزت منه الى جزيرة ايسلند وجرينلند ، وقد تم تنظيم رحلاتها بوساطة الشركة السياحية الدانماركية التى سهلت لنا التجوال فى أرض الاسكيمو وأرتنا مصانع الجمبرى ما تخرجه البحار من حيتان ولحوم طرية ثم زرنا مناطق الاسكيمو المتمدنين ويقال لهم ( الدولا ) ثم التوحشين ويقال لهم ( الرولا ) ثم امتطينا طائرات الهليكوبتر ( الحوامة ) حيث شاهدنا جبل الثلج الذى يبلغ ارتفاعه ١٧٦ مترا والجبل الخطير الذى لا يمكن تسلقه ابدا وقد حلقنا بالهليكوبتر على جزيرة ريسكو بالشمال الغربى لجرينلند ثم مناطق ( يعقوب شافنا ) كل ذلك بجزيرة جرينلند العظيمة ثم هبطنا على الدانمارك وطرنا منه الى النرويج والسويد حيث الشمس لا تغرب والليل الذى لا يعرف كما قد سهل لنا سعادة السفير السعودى بالسويد الاستاذ ناصر المنقور سبل التنقلات البحرية والنهرية والجوية وأمدنا بالكثير من الفضل والهبات السخية الحاتمية التى قلما يجود بها انسان في هذا الزمان والسلام عليكم ورحمة الله .

