الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

بلاغه ...

Share

يوم آخر فاحل كحقل نهشه الجراد وأحرقته الشموس الحانقة ، يوم آخر راكد كمياه المستنقعات الضحلة ، ممل كسنين الفراغ العقيمة .

السيجارة الألف . الكأس المائة .. ووجهك الغامض المثير كعوالم الاساطير النائية ، وأنا هنا وسط أدغال الضياع الملم رماد عمرى فى كانون الشجن ، أضفر أيامى جدلية فاحمة الحزن لأطوق بها رأس الزمن .

ليلة أخرى كئيبة مملة تسحقنى وأنا أتمرغ على نار الذكرى . أتمزق كدمية من القماش المهترئ فى يد طفل عابث يريد أن يفتتها ليعرف ما بداخلها كقطى الاسود الصغير الذى قتلته فى يوم ما وبقيت أرنو الى أمعائه مشدوهة مذعورة كأننى اكتشف عالما مجهولا غريبا عنى . قيل لى يومها : إن آلاف الارواح الحاقدة التى تسكن جثة القط ستنتقم منى وستظل ، تطاردنى أبد الدهر .

الليل طويل حزين يتمطى برعب كخرافة مهولة تتمطى فى ذهن طفل خائف، وقد كان الليل جميلا ، مثيرا حينما كان يتمطى باغراء غادة حسناء فى عينيك السوداوين ، غامض الفتنة ، متمرد الاسى يغرقنى فى شلالاته البهيجة . فأبقى كفراشة نشوى تحوم حول نار مشتعلة يخفق قلبها طربا للظلال الحمر المتراقصة ، وترتعد نفسها خوفا من الاحتراق بنيرانها .

أبقى العاشقة الحزينة الهاربة من مغاور الشجن ، أتدحرج فى عتمة الليل لعذراء تائهة فى معبد ناء تبحث عن إلاه مجهول نذرت أن تذبح شبابها قربانا لرجولته الصاعقة .. تذوب بين أحضانه تنتشر نشوة مفجعة الشوق ، ولذة مدمرة اللهب تحيل الكون نيرانا فى مدفأة الضياع .

فأود أن أبكى .. أناديك .. أسأل الليل عنك . أنت يا رجلا يفجر فى قلبى ينابيع الشوق والحب والحنين . أنت يا بركان لذة محرقة الرغبة ، متوحشة العويل . يا إلاهى الشارد فى مدن بعيدة.. بعيدة.. تتسكع الملائكة فى حدائقها باسمة ، وتسبح عرائس البحر فى مياهها اللازوردية . أين أنت .. أين ؟

الثالثة صباحا .. وأنا والذكرى والليل الطويل أتلظى على نار أساى .. مواء قط أسود ، ذبحته فى يوم ما لأتلهى بأمعائه يصدح فى أذنى ، وزعيق آلاف الارواح الشريرة الباحثة عنى منذ سنين يلح فى تمزيق فكرى .. وأنا هاربة ، هاربة من مغاور الشجن ، حيث ترسب أنت فى أعماقها كبر كان ثائر الدفء والرغبة المسعورة التى تسحقنى لتتركنى لا شئ . حفنة تراب معجونة بين يدى فلاح فظ لا يبالى ، يفتتها بين يديه الخشنتين . ثم يلقى بها فى حقله الشاسع الغارق فى الشموس اللاذعة .

عيناك تترصدان خيالى المتعب . تخنقان مهجتى . أترنح ثملة بعبيرهما المسكر ، حديقة مكتظة الورود تعبق بألف عطر فواح الشذى ، قاتل العبير ، أترنح .. أذوب أذوب فى عوالم غريبة ، سحيقة ، المدى ضائعة كمركب تاه فى المحيط ، مات ربانه ، يبحث عن مرفأ دون أن يجد لمرساه طريقا . تخنقنى ذكرى ذات ليلة ، لم أشرب كأسا واحدة ، ولم أدخن سيجارة واحدة ، إنما كنت ثملة حد الجنون ، نشوى لحد الهوس ، أنهل من وجهك الذى يتنازع السحر من ضوء القمر النادب فى سماء كبيرة الخاطر ، وأشرب من عينيك المتخمتين بأشهى معانى الوجود ، وألذ أفراح الهوى . رأسى فوق صدرك ، وذراعاك تطوقان خصرى المرتعش كغزال خائف يرتعد شوقا ولهفة .

النور .. الناس .. والليل وأصداء موسيقى شيطانية تتزاحم حولنا . وأنا وأنت كنجمين ، غريبين قد هاما معا فى أفق مشرق وضيئ . لم أكن أدرى أنى كنت أعيش لحظات الحب والموت ، وأنى كنت أتسلق جبل النار الذى سأشوى على سفحه وأصلب فوق هضباته المغروسة بالصبار والحنظل . وغرقت .. غرقت فى معزوفة الحب والموت ، واجتاحنى تيارها . كنت أقبل عنقك الشهى ورقبة فتاكة تستلذ لى أن ألتهم العنق البض المغرى . ألتهم كل قطعة فيك . لا أترك شيئا من الجسم المنثنى بين يدى كغض يتأرجح طربا مع نسائم السحر في أزهى أيام الربيع . ودون أن أعى كان وشم شفاهى الحمر يرتسم فوق عنقك وفوق رقبة القميص الحريرى . كان وشما أحمر ملتهبا كدمائى المستعرة المصطخبة فى شرايينى . لم ألاحظ آثار جنونى المرتسمة فوق صفحة جلدك الناعم كما لم تنتبه أنت لوشم الشفتين الظامئتين فوق القميص الحريرى .

لكنى فى الغد قرأت اتهاما صريحا فى مقلتيك الغاضبتين ( وقد نبهك الاصدقاء وهم ساخرون الى الوشم الاحمر الملتهب ) قرأت الحكم باعدامى حكما صارما شرسا لا رجاء بعده .

قلت بصوت مشاكس النبرات كبحر ثائر يلفظ أمواجه : كان كل أملك أن تترك آثار الاحمر مرسوما فوق عنقى لتعرف هى والجميع أن هناك أخرى فى حياتى . ياك من أفعى تتركين آثارك فوق الرمال كأنك تتحدين الصحراء بذلك ،، تقولين جهرا ها أنا مررت فوق هذه الرمال الذهبية ، فاشهدوا آثارى .

ولا أسمع نهاية ما تقول ، يعمى الضباب عينى ، بينما تختلط الافكار بعقلى المتناثر وأضيع ، أضيع فى دوامة الصراع الابدى الذى دمرنى منذ عرفتك دائما هى ، أراها منتصبة أمامى كلعنة صارمة لا تنزاح عن كاهلى ، أرتطم بفظاعة مأساتها أينما رحت ، وأتعثر فى وحل مرارتها أينما حللت .

ولم تسمع ابتهال قلبى المعذب ، ولا أذابت جيد فؤادك لوعة تعاستى المتراكمة على قرن عمرى الشقى . عادت هى وهم يجذبونك نحوهم . يجذبون حبل ترددك لتعود تغوص فى بؤرتهم ، تبحث عن نفسك ولا تجدها ، تخدر عقلك بزيف مبادئ لا تصرح بها ولا تفهمها ..

لا أزال أترنح فى هودج يأسى والنار تندلع بصدرى . والعواء لا يخفت .. يفتتنى .. يمزقنى .. لماذا أقبل الحياة دونك صاغرة ذليلة ؟ لماذا ؟ لماذا أسير فى منعرجاتها الملتوية فى مسكنة طفل يتيم جائع يبحث عن ثديى أمه فتقدم له عروس البؤس نهدين مترعين يقطران برحيق حامض كالدفلى تنزل الى أعماقه فتجهضها . لماذا كتب على أن أحيا !! ولا أحيا أموت ولا أموت !! أن يسفك دمى على عتبة الدنا ولا أعيش لحظة واحدة مفاتن الدنا ولا أعى مباهجها !! أعيش دهرا أتعثر فى هوة ضياعى معصبة الافكار ، مغمضة العينين ، ثم فى يوم ما أفتحهما على لا شئ . أفتحهما لأرى عذابى ويتضخم كورم يأكل من عضدى لا أقدر على تحمله ولا أستطيع التخلص منه ، وحيرتى تتفاقم وتتفاقم حتى تغدو كسد منيع يحجب عنى طريق غدى .. وأحيا ولا أحيا !! وأموت ولا أموت !! أتيه فى دوامة الحياة التى لا أفهمها . أسير .. أسير ولا بد دوما أن أسير غير أنى أرفض الوجود الذى لا تبهره أنت بسناء طلعتك أرفض الشهد إن لم أعتصره من شفتيك المطبقين على أسرار الكون وأعاصير

الغرام .. أرفض الجنة التى لا تعبق أجواؤها بعبير رجولتك القاسى المسكر .. أرفض .. أرفض .. أرفض ..                                * * *

خيوط الفجر تتصارع مع غلائل الظلام . تكاد تنتصر عليها كانها تتحدى رغبتى الراسبة فى أعماقى المشتتة . أكره الفجر .. أكره النور .. أكره النهار . أصبحت كالخفاش لا يحيا الا ليلا . يخشى أن تصفعه أنوار النهار . وما العمر الا ليل قاتم بعدك . ليل بلا آخر . بلا قاع . بلا حدود .

لا يمكن للفحر أن يبزغ وأنت بعيد . لا يمكن للشمس أن تتهادى فوق بسط السماء ، تختال فى شعاع شعرها الذهبى وأنت لست قربى . ولا حياة بعدك . لا نور .. ولا ضياء ، الا الظلام يلفنى بين أكفانه السوداء فاشعر أنى استريح بعد رحلة مضنية ، أنهكت قواى وامتصت رحيق الحياة منى ولم تترك شيئا فى هيكلى الممزق .

سأبقى غريبة .. وحيدة كصدفة مثقوبة ملقاة فى قعر بئر عميقة عميقة ، اجتر مرارة أيامى الحزينة وأملأ دمعا قشور صدفتى المهترئة .

أنزل الأسرة على النوافذ المتفتحة على سماء متحدية ، منتصرة بفجرها الذى يصارع غلائل الليل . يعود الظلام يسود معبدى الصغير ، تطالعنى صورتك فى بروازها الذهبى اللامع تونو الى باستكانة ساخرة ،، شغور مرعب يدمر نفسى المفتتة . أنهار على البساط وأنا أحس أن آلاف الارواح الخبيثة تتسكع فى الغرفة مزمجرة حاقدة ، راكضة خلفى تحاول أن تخنقنى انتقاما لقط صغير أسود قتلته فى يوم ما ، وتلهيت بأمعائه بغير سبب .

أشعل سيجارة . طعمها متوحش النكهة كشفتيك لما كنت أعتصرهما بين شفتى الظامئتين دوما لقبلاتك النهمة التى تصفعنى بخدرها فاسقط صريعة كطفلة صعقها تيار كهربائى مفاجئ ليوديها قتيلة ...

الكتب .. الاوراق .. الصور مكدسة فى كل جانب فى فوضى عجيبة وخيالك يركض حولها ، بركض فى أجواد الغرفة المعتمة . خلال النافذة المغلقة على خيوط فجر مشاكس يريد أن يبزغ رغما عن مقاومة الليل ورغما عن صدى نحيب ملتاع يزحف بين الكتب ، والاوراق التى خططتها من أجلك ، أذبت فيها عصارة مهجتى وقطرات عمرى التائه فى منابع وجهك المشرق الشارد .

وأنا أملأ الدنيا أشعارا ، أكتب وأكتب وأعصر قلبى مدادا لأخط به حكاية حبنا الخالدة عبر الزمن ، الحائرة منذ الازل فى دموع ليل سرمدى لا ينتظر صبحا أبدا ، يظل خيالك يركض أمام مقلتى اللتين أجهدهما السهر ، فى أعماقى التى فتتها أعاصير الهزيمة . يركض يركض وأنا لاهثة خلفك أريد أن أبكى أن أضحك أرقص كما رقصت ذات ليلة بين ذراعيك رقصة الحب والموت وأذوب مع اللحن وجدا وحنينا .

ظلال حمر قاتمة ترقص من أعين الجمجمة المرصوفة فوق الحائط ، أبا جورة لعينة ترعبنى وتغرينى فى لحظة واحدة ، أشعر أن آلاف الارواح الحاقدة تنحشر فيها . أرمقها بذهول . صوت الموت فيها ينادينى . خيوط الفناء الهائمة حولها تزحف نحوى ، تحاول أن تغللنى ، حشرجة تصطخب بصدرى الموجع ، لا أستطيع أن أصرخ . لا اقدر أن أبكى . أوراقى المبعثرة ترمقنى . أشعارى الساخرة من فجيعتى تصفعنى .

أحلامى المكدسة فى الركن تتمطى مولولة ، عشرات الأفاعى الكسيحة تتلوى فى رحم الغرفة المظلمة .. فحيحها يخنقنى . أستسلم لتمردها المفاجئ . أجسامها اللزجة تتزحلق فوق جسدى المصلوب ، تاكل من لحمى المحموم .

الظلال الحمر يذوى بريقها ، رقصة الموت تخفت موسيقاها الجنائزية ، وأنا أرتعد . يعود وجهك يخرق كثافة الظلام . عيناك تسطعان ثانية . لؤلؤتان تلمعان فى إصبع بطل أسطورى مثير الشمائل . أعانق طيفك الراكض فى دروب أجفانى . أحاول أن أنام وأنت معى كبركان ثائر الدفء ، أحترق ، أحترق وسط جمره المستعرف ولا أمل إحتراقا .

غدا !!! ترانى أستطيع أن أحيا ذاك الغد العنيد كالزائر الثقيل ما أن يرحل حتى يعود أشد ثقلا وسأما .

لو توقف الزمن ، لو انتحرت الحياة ولفظت أنفاسها كلحظات الوصول التى ذوت وهبت عليها رياح النوى منذ زمن بيننا . يموت الكل كما ماتت البسمة بين شفتيك وكما فنت نشوة اللقاء الذى كان يجمعنا فى غاباته الشاسعة . هل حقا يمكن لى أن أواجه الكون وأنت لست بجانبى ؟ هل حقا إنطفأت منارتى وكتب لسفينتى التائهة فى بحار حبك أن تظل ضائعة بلا أمل أن تجد مرساتها فى يوم ما ؟ هل كتب على أن أظل أبد الدهر دمعة حائرة فى مقلة الزمن : آهة حزينة فى قلب ليل سرمدى ... لوعة كسيرة فى سمفونية مات موحى أنغامها دون أن يكمل مقطعها الاخير ، فبقيت نغمة مفككة .. باكية تبحث عن نهايتها

المفقودة . ما أنا ؟ ماذا أكون بعدك ، قيثارة مزقت أوتارها ، عبثت بها أيدى فنان مغرور ، لا مبال صدفة مهشمة فقدت نصفها فى بحر مجهول عميق الاغوار فيقيت فوق الرمال تتمرغ باحثة عن نصفها الثانى ، عن كيانها الذى شرخ الى نصفين ... ماذا أكون بعدك ؟ وما الحياة دونك ؟

غدا يسطع الفجر رغما عنى وتشرق الشمس رغما عنى ويخرج الناس الى لشوارع كسرابات نحل منتشرة فى الحقول تبحث عن عش عسل تخرج رغما عنى . ويموت أناس ، ويستقبل الحياة أناس رغما عنى .. ويبكون .. ويضحون .. ويتناسلون .. ويتشاجرون رغما عنى . لا بد للحياة أن تسير رغما عنى . لا أستطيع أن أشل خطاها مهما فعلت . لا يمكن إلى أن أوقف دورة الزمن اللاهثة ، لا بد أن أبقى أتدحرج فى سراديب الحياة رغما عنى . أفكارى لم تستطع أن تشل غير حياتى ، وجنونى وعربدة أحلامى لم يوقظ الا فى عرقلة خطاى المتعثرة فى دروب الاسى القاتمة . الكون يحيا دونك ، لكننى أنا لن أحيا بعدك أبدا . لن ألثم نور الفجر الفضى وأنت بعيد .. لن أعصب رأسى بخيوط الشمس الذهبية وأنت ناء فى مدنك الضبابية التى لا أعرف لها طريقا .

غدا لا بد أن أجتر مأساتى ثانية .. أجتر عمرا ضائعا . أتعذب وأتمزق فى كل لحظة أمام شبح مصيرى المرعب .. ولا أنسى أبدا .. اذ لا يمكن أنساك أبدا . كؤوسى المائة التى شربتها بعدك لم تغرق أفكارى فى يمها الحالك . سجائرى الالف التى دخنتها وأنا أداعب صورتك الراكنة فى زوايا معبدى المهجور لم تطفأ زوابع روحى . غدا سيلتف بى الجميع . ينظرون الى جسمى المتعب . يسخرون من أفكارى المشتتة ، يطلبون منى أن أحيا ، يحاولون هتك قداسة معبدى المظلم الذى أقسمت أن لا تدخله شمس بعدك ولا قمر ، وسيتسلون بمأساتى وفجيعتى .

رغما عنى أفكر فى الغد وأنا أعرف أنه لا غد بعدك . دفنت غدى مذ أردت لى أن أدفن حبك فى قلبى . ودفنت عمرى حين ألقيت بى فى أدغال الاسى والألم وقلت بتحد شرس : إنى راحل .. فلم أعرف بعدها للغد طريقا .. ولم أع من يومها للحياة حقيقة .

أسمع أنين الشارع يستيقظ بعد ساعات سباته . يعود يضج بفحيحه المعتاد . النور بدأ يتسلل رغما عنى عبر النوافذ المغلقة . الجمجمة ترمقنى

بسخرية مرعبة ، تتحدانى نظراتها الملتهبة كنار أوقدت فى غابة كثيفة الاشجار لترقص على ضوء شررها قافلة من الزنوج .. أوراقى المبعثرة . وأقلامى ، وسجائرى وكتبى ترمقنى باستنكار خبيث . تصفعنى بازدراء . تتحدانى أن أعيش ولو لحظات فى غد أنت لست فيه .

لن أقدر أن أمنع الحياة من الدخول الى وكرى الوثير حيث نذرت أن أظل العمر أصلى لحبك الجبار المتغلغل فى كيانى وأحرق أيامى بخورا لطيفك الشارد. رغما عنى لا بد أن أرحل وقد كان لا بد أن أرحل من يوم أن قرأت فى صفحة عينيك المثيرتين : خلقت لتعيش بلا غد . عمرك ساعات . أنت كسمكة مرجانة تسبح فى مياه بحر مسحور القاع ، تفقد الحياة إن خرجت من مياهه . ستموتين بعد أن أرحل عنك . لا غد لك بعدى ، وأنا أعرف هذه الحقيقة لكنى رغما عن ذلك سأرحل نحو جزرى الضبابية التى لن تصلى اليها أبدا . لا بد أن تموتى بعدى . لا بد . هذا قدرك يا فتاتى . لا أحد يستطيع الهروب من قدره..

فأود للمرة الاولى فى حياتى أن أصرخ فيك . أتحداك . أزلزل صخرة حبك التى تهد قلبى الصغير . أصفعك بتمردى ، أنت يا إلاهى الماكر الذى حكم على بالضياع والموت والعذاب الابدى . يا من كتبت ببسمة شاردة مصيرى المرعب على صفحة الدنا ، وخططت بدم شبابى مسيرة أيامى ، فلم أعد أقدر عنها حيادا .

أود أن أحطم صنمى .. أهجر معبدى . أحطم الجمجمة الهازئة من شوقى وحيرتى ، أحطم ، وأحطم .. وأحطم .. لكننى لا أفعل شيئا ، بل لا أملك الا أن أحبك .. وأحبك .. وأحبك ..

الصبح يغزو عتمة الغرفة . الملم اليأس عن أهدابى . أجمع أشتات حزنى المبعثرة حولى . صوتك القوى المتبرم كصوت كاهن ملول يهتف برعية ساذجة . يحثنى على الرحيل . أجمع أصنامى . أجمع كتبى ، وأشعارى وصورى ، لأهرب من المدينة المستيقظة على فحيح الحياة الذى لا يخفت ولا يموت .

أسير .. أسير فى الشوارع النصف خالية المتخبطة فى أحشاء الظلمة المحتضرة . أدخل الى المقبرة فى خطى متعثرة الامل . عرفت دربى . وجدت

منارتى . ووجدت مكانى . هناك مستقر الارواح التائهة التى كتب عليها أن تعيشى بلا غد .. بلا عمر ، بلا مصير مفجع يفتتها .. بلا غرام بائس يسحقها.. بلا عينين مثيرتين تدفعانها الى الرحيل .. هناك سأدفن حيرتى وحبى ، ولوعة أيامى الحزينة .

أجد فأسا . آخذه بيد مرتعشة . أبدأ أحفر .. أحفر . مدينة الضياع تكاد تهوى على رأسى . يلاحقنى ضجيجها وأنا قد هربت منها . هربت من غدها المنغمس فى مستنقع اليأس والتشرد . هربت من يومها المشحون بالبؤس والشقاء .

لا غد لى . مات أمسى وانتحر حاضرى مذ قالت لى عيناك أنه لا غد لى . حارس المقبرة ينتحب أمامى متسائلا . كتلة من الرعب والدهشه . أبتسم وأنا أرمقه من خلال أغشية الاسى المتراصة فوق أعينى .

إنى أحفر قبرى ألا ترى . كتب فى عينى حبيبى أن لا يكون لى غد . لا بد أن أرحل قبل أن تبزغ الشمس . حكم حبيبى أن لا أرى النور أبدا لذا قد نذرت عمرى لاله الظلام .. إنه قدرى ، هل يمكن أن أهرب من مصيرى ؟ يولى الحارس هاربا . أرى خطاه المرسومة فوق العشب الندى كخطى كلب خائف من سرب ذئاب تطارده .

أبتسم بقرف ثم أعود أحفر . الهوة تتسع .. تتسع أكثر فأكثر ، أرمى كتبى ، وأشعارى المشبوبة غزلا بعينيك اللتين قرأت فيهما نهايتى المرعبة فى ليلة حزينة ، حزينة .

أرتمى فوق سريرى المترب . أغمض عينى المجهدتين . ألمح طيفك يبتسم لى . لاول مرة يبتسم لى . أقترب منك .. أصل اليك .. تضمنى ابتسامتك . أعانقك وطيف ظلال مثيرة تغمرنى .

وجدت غدى . وجدت حاضرى .. وجدتك أنت . أخيرا أتيت .

اشترك في نشرتنا البريدية