الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

بلال ...

Share

فرغ من استقبال الحرفاء ومن معالجة الملفات ، نظر الى ساعته اليدوية ، لم تحن الساعة السادسة مساء وفد اعتاد انتظارها فالمواعيد مفتوحة مع الزبائن حتى اللحظة الاخيرة منها . أرست عيناه على الرائد الرسمى للجمهورية التونسية . . تناوله ليطالع القوانين والتراتيب والبيوعات العدلية وليطلع على الحركة الاقتصادية بالبلاد من خلال الاعلانات الوجوبية عند تأسيس الشركات . توقف عند قائمة الذين دخلوا أخيرا تحت سلطان الجنسية التونسية والذين خرجوا عنها ؛ هذا جزائرى الاصل ولد بالكاف أيام حركة التحرير ، والآخر أبواه من المغرب الاقصى ومسقط رأسه بتونس العاصمة . . . وثالث . . . ورابع . . . قرروا ان يضعوا حدا لتناقضهم ما دامت دار الاسلام واحدة ودار العروبة من الخليج الى المحيط . . . استوقفه اسم أوربى قرأه وأعاد قراءته »  ر ـــ ماريانى « عادت به الذاكر الى طفولته يوم كان عمره لا يزيد عن تسع أو عشر سنوات وكان يقطن وما يزال بحي ( فرانس فيل ) الاوربى وكانت فرنسا قد بارحت البلاد رسميا الا ان بعض الرعايا ما يزالون بها لتصفية املاكهم أو لمزيد الابتزاز . التفت الى مساعده وأخذ يحدثه عن ر ـــ ماريانى فقال :

» كان عم أحمد وهو ( وارفلي )  أسود اللون يعمل عند آل ابن الشيخ أحمد تلك العائلة الارستقراطية القادمة من عنابة الجزائرية فرحا بالاستقلال فلم يجد من وسيلة للتعبير عن فرحه الا بالصياح مذكرا الناس بواجباتهم الدينية من صلاة وصوم وزكاة . . .

تبدأ رحلة عم أحمد كل يوم من (فرانس فيل )  لتنتهى عند المدرسة الصادقية وقد أمسك بكل واحدة من يديه ( المختار )  و ( فيصل ) وتتجدد الرحلة عند الاياب . . .  لم يعجب ذلك المشهد ر ـــ ماريانى ، ربما أوحى له بالتحدي أو ربما أراد رد الثأر فمنذ أسابيع جاءت شاحنة رجال المطافىء

وصعد الجنود الى أعلى صومعة الكنيسة وقطعوا الصليب . . . نزل ر ـــ ماريانى من دراجته وأخذ قطعتين من حجر مستدير كالاسطوانة ثم عاد الى الدراجة وألقى بالحجرتين بكل حقد على عمد أحمد ورغم انه خاب فى اصابته فانى قد صحت فى وجهه . . .  . . . نظر لى تحرك بعجلتيه نحوي وصفعنى بمجمع يده صفعة لم أعرف مثلها لا من قبل ولامن بعد . . .  لم يكفه ذلك فاستنجد ضدي بجون كلود ابن البارازان ضابط الجرمة الذى قتل زوجته وادعى انه كان بصدد تنظيف مسدسه فصدقوه وأخلو سبيله وبعد بضعة أسابيع تزوج بشقيقة ر ـــ ماريانى . . . .   . . . صحت ه ماذا تريد يا ابن القاتل السفاح ؟ فركلني برجليه فيما كان ر ـــ ماريانى يضربني بالعصا فى كل مكان . . . وما هى الا لحظات حتى قامت حرب صليبيه جدي لم تشهدها بلدة ( فرانس فيل ) من قبل. . .  . . . وكاد مسيو باربارا مدير المدينة الفرنسية ان يطرد التلامذة التونسيين الذين نصروني ولم اكن من بينهم من حسن حظى ـــ ففى عرف عائلتى لا تعليم الا فى مدرسه - خير الدين بنهج التريبونال بالمدينة العتيقة . والا لكان قرر طردى بدون رجعة . . .  . . .

ظللنا نتبادل الحقد والكراهية ، هم يتفاخرون علينا راجاتهم التى أصبحت نارية بعد مدة لتعوضها السيارات على مشارف سن العشرين عاما ، ونحن نتحداهم بأن الارض التونسية ، كل الارض قد عادت لنا . .  . ولعل أكبر فرصة اعادت الحقد الى السطح قدوم عائلة المهندس راوول الى تونس فى نطاق التعاون الفني هذه المرة وقد كانت له بنتان دونيز وكولات فاتفقت ، صديق الطفولة والمراهقة عبد المجيد وهو زميلهما فى القسم بمدرسه مسبول بارا ان تكون الشقراء من نصيبى لانى اسمر اللون وان تكون ذات الشعر الأسود له لانه أشقر . . .  ولم ندر كيف انقلبتا ضدنا ثم فهمنا ان ر ـــ ماريانى كلود وقد أصبحا صديقين لشقيقيهما قد استغلا تلك العلاقة ونجحا فى حبنا الاول ولم يكونا يحبان لا ( دونيز ) ولا ( كولات ) اذ لكل منهما صلة منذ الطفولة ولكن حقدهما علينا ما يزال قويا . . .  . . . « .

استعرض المحامى تلك الوقائع بكل مرارة وأضاف قائلا لمساعده . » القانون سلاح ذو حدين ، هو رائع عندما تحترمه كل الاطراف والجهات فكم يطيب العيش فى دولة القانون ! لكنه سطحى بالمقابل ، انه سطحى مثلا عندما يشترط توفر جملة من المقاييس المادية ليمنح قيمة عظمى كالجنسية . . . ر ـــ ماريانى صفعنى بالامس لانني لمته على ضرب ( عم أحمد ) المنادي الى الصلاة والصوم وهو اليوم مواطن تونسى مثلى ؟ ! ؟ ر ـــ ماريانى تونسى ؟ ! !

ما أسهلها ! المسألة رهينة اعداد ملف قانونى يستجيب لشروط ومقاييس معينة .

عاد المحام الى الحي وأعلم اترابه بابر ـــ اندهش بعضهم وقال آخر ان فرنسيي الشمال الافريقي منبوذون فى بلادهم مبجلون عندنا لذلك خير  ر ـــ مارياني تبديل جنسيته لكن ساه وهو طالب بمدرسة الطيران المدنى قد أتى بأحسن تفسير لتجنس ر - ميانى فهذا الأخير أيضا طالب بمدرسة الطيران وقد طالبوه بدفع مقابل قاعات التحليق لانه غير تونسى فكان من مصلحته ان يتجنس تفاديا للمصاريف الباهظة فزاد غيظ المحامى لان السبب لم يكن معنويا وروحيا وتفاقما نقمته على منطق القانون . وكلما مر ر ـــ ماريانى وسلم عليه ـــ عربية الفصحى ـــ تظاهر بعدم رؤيته لانه يرى فى سلامه تهكما وتحديا .

قبل المولد النبوى مارط ببضعة أيام قصد المحامى مخزن بيع المواد الغذائية لاشتراء لوازم » عصبه مولد المختار « فاذا ب ( ر - مارياني ) هو أيضا يشترى اللوز والجز والبندق ثم يضع القرطاس تلو القرطاس فى العربه الصغيرة التى كانت تحمل طفلا صغيرا لا يزيد عمره عن بضعة أشهر . اندهش المحامى وتغلب على حقده الدفين وسأل ر - ماريانى عما إذا كان يقصد بذلك اعانة نادمته أو عائلة معمة فأجابه بانه قد اعتنق دين الاسلام وان ذلك يقت منه اقامة كل الشعائر والاعياد والتقاليد . . . لم يزد المحامى كلمة أن وكأنه لم يصدق قول ر - ماريانى . . .  . . . وعلى تعدد مشاكله ومشاغله لمح اسلام ر - ماريانى قضية تقض مضجعه . . . ر - مارانى صفعه له دافع عن عم أحمد ( وارفلى ) آل ابن الشيخ أحمد يصبح مثله تونسيا ثم سلما . . ترى كيف أصبحت علاقة ر - مارانى بوالده العجوز الطاعن فى السن الكومندان ماريانى صاحب الصولات والجولات يوم الاستعمار لقد كان يسكن فيلا قرب قصر غالية صاحبة كل الارض المقام عليها الشق الغربى من ( فرانس فيل ) ويوم بدأ التونسيون يحلون محل الاوربيين شيئا فشيئا سرح فى حديقته الغابية كلبا فى قامة حمار ووضع على المنزل لافتة كتب عليها بالعربية ( كلب مخطر ـــ حذار ) فضمن لنفسه تواصل الهيبة والوقار ثم قرر الكومندان مريانى أن لا يغادر الفيلا بالمرة وكأنه لا يقدر أن يواجه منقلب الاشياء وغاب عن الانظار كما لو أنه قد غادر تونس نهائيا مع

بنتيه حتى شاهدناه مرة فى سيارة تراكسيون وقد بلغت لحيته البيضاء سرته وقد يكون لم يحلقها منذ يوم الاستقلال وكان ابنه ( ر ) يقود السيارة التى يحلو له دائما تغيير لونها فمن برتقالى الى بني الى أسود . . .   . . . ثم جاء ابناء عياد تاجر المواد الغذائية الذى قفل محله يوم لم تبق بالحي الا ثلاث عائلات أوربية بما فيها عائلة ( ماريانى ) وقالوا : إن الرئيس الفرنسى جيسكار ديستان الموجود فى زيارة رسمية بتونس سيستقبل الكومندان مريانى باعتباره عميد من تبقى من الفرنسيين فى تونس . . قال المحامى : » أبوه عميد العنيدين من المعمرين الاستعماريين وهو تونسى ، لا أصدق ، لا أصدق ، لكنه أسلم . . . استغفر الله « ثم سأل أحد ابناء عياد عما اذا كانت زوجة ر - مارانى تونسية مسلمة ؟ ولما تأكد له ذلك قرر أن إسلام ( ر - مارانى ) باطل مثل إسلام استاذه ( ف - د - ه ) ذلك الهولندى الاختصاصى فى النحو الفرنسى الذي قال له ولزملائه فى القسم بالمدرسة لثانوية : » إن مفتيكم ساذج لقد منحني شهادة فى اعتناق الاسلام بمجرد ان تظاهرت له بذلك فتمكنت من الزواج ممن أحب ولم تكن لا أنا ولا زوجتى لا مسلمين ولا حتى غير مسلمين « وكان يقول دائما : » أحسن ما فى بلادكم زوجتى والشمس والبحر وسجائر آرتي « وكان يدخن منها أكثر من علبتين فى اليوم . . .  كان المحامى يكره أستاذه الهولندى الذى تشاجر معه ذات يوم لما قال الاستاذ :  » انكم تسيئون استعمال النقط والفواصل ونقط التعجب والسؤال . . .الخ . . . ولكم عذر تراثى وهو : أن قرآنكم لا يعرف النقط والفواصل . . .« فأجابه وقد كان عمره ستة عشر عاما : » لا يا استاذ ان القرآن لا يحتاج لنقط وفواصل لانه يتكون من سور وهناك علم مستقل بذاته هو علم القراءات وانت تجهله يا استاذ « فسأله الاستاذ : » من قال لك ذلك ؟ « فأجابه : » إن والدى شيخ مقرىء وقد حاول ان يجعل مني مقرئا فقشل ثم يا أستاذ ان العرب كانوا يجهلون الترقيم الموسيقى على الطريقة التى حددها الاوربيون لكن ذلك لم يمنعهم من ان تكون لهم موسيقى « ومنذ ذلك الحبن لم تتعد اعداده فى مواد الفرنسية منطقة المعدل بعد ان كان فى رأس الكوكبة .

اختلط كرهه لاستاذه ( ف - د - ه ) بحقده على ر ـــ ماريانى فقرر ان اسلام هذا الاخير باطل بطلان اسلام الاول الذى صرح به علانية ثم قال لمن حوله بكل تشنج وتوتر :  » أنا أفهم بل أدرك بحسى ان كان اسلام البالاران موريس بيجار عن طريق الرقص الصوفى المولوى وأنا أدرك أيضا معنى

اسلام روجى غارودى الذى كان بفضل الفن الاسلامى من منمنمات ورقش وحتى المسنديات لان الرحلة فى أعماق الباطن واحدة فى تجريديتها لكنى لا استطيع أن أفهم اسلاما من أجل امرأة تنكح .

ذات يوم ساقت الاقدار للمحامى كهلا فرنسا ولد بتونس ودرس فى كلية العلوم  وقد كان يعمل بمخابر معهد ( باستور ) وقد اعتنق دين الاسلام هو أيضا تحدث معه قليلا فاطمأن له لانه علم من خلال الحوار ان اسلامه لم يكن لتجنب احكام قانون تأميم الاراضى الفلاحية ولا ليصون عماراته ولا ليتزوج تونسية ولدت مسلمة فهو فرنسى الى حد ساعة الالتقاء به ولا يملك لا عقارات فلاحية ولا حضرية وهو غير متزوج لا بتونسية ولا بغير تونسية ولا بمسلمة ولا بغير مسلمة رغم تقدم سنه وهو ينوي الزواج على كل حال متى ظفر بذات الدين فقد أعاد عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : . . .  . . .  . . .  فاظفر بذات الدين تربت يداك « . . .  . . .  المحامى الفرصة تمر ليسأله عما اذا كان عدد الفرنسيين المولودين بتونس الذين اسلموا كبيرا . فأحابه : بانهم قليلون وأكد له معرفتهم فردا فردا . فسأله عن ر ـــ مارياني وعن ظروف سلامه ؟ فقال له : انه صديق حميم أصبح أخا فى الله وفى الاسلام وانه هو المتسبب باذن الله فى هدايته مؤكدا ان اسلام ر ـــ ماريانى لم يكن من أحل امرأة ينكحها بل ان زواجه جاء فيما بعد ليظفر بذات الدين وقد تريت يداه فعلا .

كانت كلمات الكهل تنفذ الى قلب المحامى دون ان يحيط بها الشك وقد انتابه شعور بالاثم فى حق ر ـــ ماريانى لم يبارحه الا عندما استطاع تبريره ـــ آليا ـــ بضرورة الشك المنهجى فالشك طريق الى اليقين . بعد صمت طويل روى المحامى قصة طفولته مع ر ـــ ماراني للكهل الفرنسى وقد ركزها على ( عم أحمد ) الوارفلي ففوجئ بأن الكهل يعرفها وقد أضاف له على لسان ر ـــ ماريانى ان هذه الوقائع بقدر ما كانت تلهب النار فى صدره فانها اصبحت تثلجه حتى انه أصبح يطلق على ( عم أحمد ) اسم ( بلال ) لانه كان كمؤذن الرسول فى نضال يضربه بالحجارة وهو لا يتوقف عن النداء للصلاة والصوم والزكاة ولا يعبأ حتى بالبحث عمن ضربه ، ان ر ـــ ماريانى بنوي ان يكون ثواب حجته الثانية ل ( عم أحمد ) وارفلى آل الشيخ أحمد أو لبلال كما أصبح يسميه .

اشترك في نشرتنا البريدية