الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

بلا عنوان

Share

كانت الشمس محرقة فى ذلك الصباح ، وكانت وطأتها قاسية على من اجتمعوا فى قاعة الاستقبال ينتظرون قدوم الطبيب . وجلست امرأة بدينة على مقعد من تلك المقاعد الحمراء القديمة وبالقرب منها ابنها وابنتها . وفي الناحية الاخرى من القاعة استراح رجل غريب عنهم .

وشرعت الآم تتحدث مع ولديها حديثا تافها ولكنها سعت فى مواصلته . وكانت الام تتحدث وطفلاها يكثران من الاسئلة . ولكن الرجل المجاور لهم لم يخرج عن صمته .

وفجأة صاحت الأم قائلة عندما اعتلى ابنها المعقد وأخذ يقفز عليه فأثار الغبار : " محمد كف عن الهرج والزم مكانك " فاقترب الصبى من أمه في ضيق وانكب يتصفح معها مجلة من المجلات التى تكدست على المنضدة . وكان الطفل كلما شاهد صورة استوضح أمه عن معناها فى الحاح .

ونظرت الأم الى الرجل الجالس قبالتها فبدا لها أنه ضاق بئرثرتها وهذر ولديها فتلهى بتحريك منديله تارة باليد اليمنى وطورا باليد اليسرى على يخفف من وهج الحرارة الذي لفح وجهه .

واندفعت البنت تنشد بيتا واحدا من أنشودة تعلمتها فى المدرسة ... " ديكى .. ديكى .. أنت صديقى ، أنت أنيسى ... " وأعادت البيت مرارا فى دون ملل وبصوت مرتفع ..

وتململ الرجل وبدا عليه الضيق فى وضوح ، ونظر الى الأم فى حدة ، فنادت ابنيها فى صوت خافت خجول وقالت : تعاليا أقصص عليكما حكاية طريفة " .

وأقبل الصبيان فى بطء لم تهزهما الفرحة عند هذا الاقتراح فطالما أعادت عليهما الام نفس الخرافات التى لم تعد جديدة حوادثها بالنسبة لهما ولا ممتعة وهكذا اندفعت الام تقص عليهما فى صوت هادىء خرافتها المعهودة : " كان

يا ما كان فى قديم الزمان بنت صغيرة أحبها كل الناس لانها كانت مثال الطاعة والتربية ، هجم عليها ذات يوم ثور هائج فأنقذها كثير من الناس المعجبين بخصالها الحميدة ... "

فاندفع الصبى يقول فى ضيق : هذه الخرافة مملة جدا جدا يا أماه " . وأما البنت فانها لم تبد أية ملاحظة ولكنها عادت الى البيت الوحيد الذى علق يذهنها فتلهت بالقائه دون ملل . وكف الرجل عن تحريك منديلة وتجفيف العرق المتصبب على جبينه وخاطب الام قائلا : " يبدو لى يا سيدتى أنك لست بارعة فى فن القصص ... "

فاغتاظت الأم من هذا الرأى الذى ابداه هذا الرجل الغريب عنها وأجابت بلهجة غضبى

- لتعلم يا سيدى انه من العسير جدا ان أوفق فى امتاع الصبيين بقصة تعجبهما ويفهمانها فى وقت واحد .

- أنا لا أوافقك في هذا الرأى . - لعلك تريد أن تقص عليهما انت شيئا ممتعا ؟ فصاح الصبى فى انفعال . - أجل نريد ان نسمع قصة ممتعة فشرع الرجل يقول - كان في ما مضى بنت صغيرة تدعى " ريم " وكانت طيبة الاخلاق ... وأحس الصبيان بالخيبة بعد ان انتتبها كل الانتباه . يا للعجب ان كل القصص متشابهة رغم تنوع القصاصين !

وتابع الرجل حديثه قائلا ... وكانت هذه البنت طيعة تقوم بكل ما تؤمر به ، فلا تكذب أبدا ولا تضيع لعبها وتقوم بواجباتها المدرسية كما ينبغى فكانت على حد كبير من الطبية حتى تحصلت على عدة " ميداليات " ذهبية لحسن سلوكها . فجعلتها فى قلادة وزينت بها جيدها ...

وقاطعته البنت قائلة : " وهل كانت " ريم " جميلة ؟ - نعم مثلك انت تماما يا صغيرتى ...

... كان لتلك الفتاة اذن " ميدالية " للطاعة وأخرى للمحافظة على المواعيد وأخرى وأخرى ...

وكانت هذه " الميداليات " ذهبية لماعة ترن كلما سارت هذه البنت ... ولم يكن لاى فتى أو فتاة من سكان تلك المدينة ما لهذه الفتاة من "ميداليات" وما آنفك الناس يمجدون طيب أخلاقها حتى سمع أمير البلاد عنها فسمح لها بأن تتجول مرة فى الاسبوع فى حديقة قصره الذي يوجد خارج المدينة .

وكانت حديقة القصر متناهية فى الجمال ولم يكن لاى صبى آخر الحق فى دخولها . فكان ذلك الاذن فخرا كبيرا بالنسبة لــــــ " ريم " .

وسأل محمد الرجل قائلا : " وهل كان فى تلك الحديقة خررفان ؟ - كلا لم يكن فى تلك الحديقة خرفان ولكن لماذا ؟ - ان حديقة الامير خلت من الخرفان لان والدته رأت فى المنام ان ابنها سيموت مقتولا وسيقتله خروف ...

وقد أيد المنجم رؤيا الام ... على كل حال فلقد كانت حديقة الامير مملوءة بالخنازير . وقد تأسفت تلك البنت أسفا شديدا لانها لم تجد أية زهرة فى تلك الحديقة ... "

فسأل محمد في الحاح قائلا : - ولماذا خلت تلك الحديقة من الزهور ؟ - لان الخنازير أكلت كل أصناف الزهور التى كانت تزين الحديقة .. فكان على الامير اما التخلى عن الزهور أو المحافظة على الخنازير ففضل اتلاف الزهو وابقاء الخنازير ...

وهكذا تجولت " ريم " فى تلك الحديقة الجميلة والسرور يملأ قلبها وهى لا تنفك تردد فى قرارة نفسها : " لو لم أكن طيبة الاخلاق لما سمح لى بدخول هذه الحديقة والتمتع بمشاهدة كل ما فيها ٠٠٠ " فكانت تتنزه و " ميدالياتها " ترن فتذكرها فى كل آونة بأنها مفرطة فى الطيبة ٠٠٠

يا ما كان في قديم الزمان بنت صغيرة أحبها كل الناس لانها كانت مثال الطاعة والتربية ، هجم عليها ذات يوم ثور هائج فأنقذها كثير من الناس المعجبين بخصالها الحميدة ... "

فاندفع الصبي يقول فى ضيق : هذه الخرافة مملة جدا جدا يا أماه " . وأما البنت فانها لم تبد أية ملاحظة ولكنها عادت الى البيت الوحيد الذي علق يذهنها فتلهت بالقائه دون ملل . وكف الرجل عن تحريك منديلة وتجفيف العرق المتصبب على جبينه وخاطب الام قائلا : " يبدو لى يا سيدتى أنك لست بارعة فى فن القصص ... "

فاغتاظت الأم من هذا الرأى الذي ابداه هذا الرجل الغريب عنها وأجابت بلهجة غضبى

- لتعلم يا سيدى انه من العسير جدا ان أوفق فى امتاع الصبيين بقصة تعجبهما ويفهمانها فى وقت واحد .

- أنا لا أوافقك في هذا الرأى . - لعلك تريد أن تقص عليهما انت شيئا ممتعا ؟ فصاح الصبى فى أنفعال . - أجل نريد ان نسمع قصة ممتعة فشرع الرجل يقول - كان في ما مضى بنت صغيرة تدعي " ريم " وكانت طيبة الاخلاق ... وأحس الصيان بالخيبة بعد ان انتتبها كل الانتباه . يا للعجب ان كل القصص متشابهة رغم تنوع القصاصين !

وتابع الرجل حديثه قائلا . ... وكانت هذه البنت طبعة تقوم بكل ما تؤمر به ، فلا تكذب أبدا ولا تضيع لعبها وتقوم بواجبتها المدرسية كما ينبغى فكانت على حد كبير من الطبية حتى تحصلت على عدة " ميداليات " ذهبية لحسن سلوكها . فجعلتها فى قلادة وزينت بها جيدها ... وقاطعته البنت قائلة : " وهل كانت " ريم " جميلة ؟ - نعم مثلك انت تماما يا صغيرتى ...

... كان لتلك الفتاة اذن " ميدالية " للطاعة وأخرى للمحافظة على المواعيد وأخرى وأخرى ... وكانت هذه " الميداليات " ذهبية لماعة ترن كلما سارت هذه البنت ... ولم يكن لاى فتى أو فتاة من سكان تلك المدينة ما لهذه الفتاة "ميداليات" وما آنفك الناس يمجدون طيب أخلاقها حتى سمع أمير البلاد عنها فسمح لها بأن تتجول مرة فى الاسبوع فى حديقة قصره الذي يوجد خارج المدينة .

وكانت حديقة القصر متناهية فى الجمال ولم يكن لاى صبى آخر الحق فى دخولها . فكان ذلك الاذن فخرا كبيرا بالنسبة لـــــ " ريم " .

وسأل محمد الرجل قائلا : " وهل كان فى تلك الحديقة خرفان ؟ - كلا لم يكن فى تلك الحديقة خرفان ولكن لماذا ؟ - ان حديقة الامير خلت من الخرفان لان والدته رأت فى المنام ان ابنها سيموت مقتولا وسيقتله خروف ...

وقد أيد المنجم رؤيا الام ... على كل حال فلقد كانت حديقة الامير مملوءة بالخنازير . وقد تأسفت تلك البنت أسفا شديدا لانها لم تجد أية زهرة فى تلك الحديقة ٠٠٠ "

فسأل محمد فى الحاح قائلا : - ولماذا خلت تلك الحديقة من الزهور ؟ - لان الخنازير أكلت كل أصناف الزهور التى كانت تزين الحديقة .. فكان على الامير اما التخلى عن الزهور أو المحافظة على الخنازير ففضل اتلاف الزهو وابقاء الخنازير ...

وهكذا تجولت " ريم " فى تلك الحديقة الجميلة والسرور يملأ قلبها وهي لا تنفك تردد فى قرارة نفسها : " لو لم أكن طيبة الاخلاق لما سمح لى بدخول هذه الحديقة والتمتع بمشاهدة كل ما فيها ٠٠٠ " فكانت تتنزه و " ميدالياتها " ترن فتذكرها فى كل آونة بأنها مفرطة فى الطيبة ٠٠٠

وبينما هى كذلك ذات يوم اذ دخل ذئب فجأة الحديقة عله يقبض على خنزير صغير سمين مكتنز . غير أن أول شئ شاهده كان " ريم " الصغيرة.

ولما لمحته " ريم " اسرعت هاربة والذئب يجرى خلفها وأستطاعت البنت ان نصل الى شجر كثيف وان تستتربه ...

وانتقل الذئب من عشب الى عشب يتشم رائحة " ريم " وهو يشتعل غيظا متدلى اللسان محمر العينين وقد تعرت أنيابه الحادة ...

وقالت في نفسها وقد خنقتها العبرة وتملكها الخوف : " لو لم أكن طيبة لما خفت مثل هذا الخوف بل ربما كنت الآن هادئة مرتاحة البال فى المنزل ... "

وكانت رائحة العشب قوية جدا فمنعت الذئب من الاهتداء الى مخبئ " ريم " ومل الذئب البحث عنها بين العشب المشتبك فقرر ان يبحث عن خنزير صغير ليفترسه ...

وكانت " ريم " تزداد ارتعاشا كلما قرب منها الذئب ولشدة ارتجاف وصالها واصطكاك اسنانها احتكت " الميداليات " بعضها ببعض فصدر عنها رنين هدى الذئب الى مأواها فارتمى فى العشب يدوسه بقدميه .. وأخرج الفتاة من مخبئها ثم أكلها حتى أتى على آخرها فلم يبق منها الاحذاؤها وبعض القطع من ثوبها و " ميدالياتها " ...

وصاح محمد فى اعجاب . - ياها من قصة جميلة ! حقا انها أحسن قصة سمعتها الى حدا الآن . ولكن الأم لم تكن موافقة . فقالت فى غيظ : - قصتك يا سيدى غير صالحة للاطفال . ان الجهد الذى بذلته فى تعليمهما الخصال الحميدة ذهب سدى .

فقال الرجل فى سخرية . - على كل حال لقد استطعت ان ارتاح من هرج هذين الطفلين طيلة ربع .ساعة حتى جاء دورى ليعودنى الطبيب .

اشترك في نشرتنا البريدية