الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

بلا وداع

Share

وقفت وراء النافذه .

شبحا . . يحدق في الفراغ ،

مبهورة ، سكرى ، يمزقها الحنين ،

ويضج فى أعماقها موج الصراع

وعواصف الشوق الدفين .

وصراخ قلب خائر بين الضلوع .

باك . تجيش به مرارات الوداع .

الوقت يمضى . .

والقطار الساخر الملعون يرقب فى انتظار .

طول النهار . .

لسوف يرحل عن قريب ،

ويتيه يحدوه الفرار ،

ويكون قد خطف الحبيب . .

وتسابقت عجلاته تطوى القفار .

ولسوف تبقى فى انفراد ،

عصفورة ثكلى . . تحملق دون زاد ،

ولسوف تبكى كالصغار ،

وتعود ترقب من جديد

فى حرقة ، يوم المعاد ،  

الوقت يمضى .

لحظة . ويمر فارسها الحبيب

هى لحظة . . وتراه فى عرض الطريق

متهاديا ، يختال كالضوء الجميل ،

وخطاه يدعوها الزمان إلى الرحيل .

لا . لن يمر بدون أن يلقى تحيه

ستشده رجلاه تحت النافذه .

ليمد فى شوق ذراعا موجعه

ظمأى تشير مودعه .

ولسوف يهمس وهى تصغى فى خجل

" لا تيأسى يا جنتى !

سأظل - رغم البعد ، رغم الغربة -

ذاك الوفى ، ولو تمطط بيننا حبل الاجل . . "

وتهب للمرآة تسألها بصمت فى غرور ،

عن ثوبها . عن لونه الوردى

عن تسريحة الشعر القصير

عن وجهها .

عن زرقة العينين ..... عن ثغر ملاكى ، صغير

فتجيبها المرآة في يأس مرير مؤلم :

" لهفى على وجه نضير ،

تلهو به كف الشحوب المجرم

وتعود نحو النافذه .

تعدو ...... تعود إلى الفراغ ،

وتظل تغزل ألف حلم في انتظار ،

ويظل يعصرها دوار

وهناك ينتظر القطار ،

والوقت يمضى .

والشارع المهجور تكنسه الرياح ،

وفؤادها العطشان تغمره الجراح ،  

وهناك

لا أحد هناك على الطريق !

إلا كلاب جائعة ،

أجسامها قد هدها الجوع اللعين ،

أو قطة عجفاء تستجدى الكناسه

" بعض الفواضل من طعام الموسرين "  

والصمت قد لف المكان .

وطغى . . كجبار عنيد .

هي لا يدغدغ سمعها ،

إلا هواجس نفسها ،

أو صوت عصفور يوقع من بعيد

لحنا يداعب روحها .

لحنا يهز خيالها . .

فتهييم فى بحر الشرود

وتعود تحلم من جديد ،

وتطل ترمق في أسى عرض الطريق

ماذا جرى ؟

هى لا ترى إلا فراغا موصدا

هي لا تعى صوتا لاقدام...... تسير ولا صدى ،

يا للفجيعة . ! ما جرى ؟

أتراه قد نسيت خطاه الموعدا ؟

أيكون قد قصد القطار مبكرا ، ؟

أتراه قد . . ؟ وتغيب فى دوامة الفكر العميق . .

وتهيم فى فج سحيق

حتى تضل عن الوجود . .

ويمر وقت وهى ضائعة تفتش عن سبيل ،

ويمر وقت وهى تلتمس الدليل

لكن ينبهها

صوت يمزق حولها سحب السكون

صوت القطار يزف ميعاد الرحيل

وتكاد تصرخ وهى حيرى . . فى ذهول ،

وتكاد تهوى جثة لولا الجدار

قد شدها مترفقا ، كأب شفوق ،

ماذا . ؟ ترى رحل القطار . ؟

وا خيبة الحلم الرقيق !

وتحس باليأس العصوف يهزها ،

ويسيل فى أعماقها مثل الجنون

وتحس بالعبرات فى أجفانها

حرى تهاطل فى سكون ،

فتتفيق من أحلامها

وتنقل الطرف المندى حولها .

فيخيفها شبح الفراغ    

وهنا . . تبدل خطوها المؤؤود تلتمس الفرار

من وهمها .

من ثقل أكداس الظنون ،

فيضمها بلور مرآة الجدار

وترى به شبحا يحدق كالغريب

وتكاد تسمعه يوشوش فى نحيب :

" لهفى على وجه نضير

تلهو به كف الشحوب . . بلا ضمير " ،  

اشترك في نشرتنا البريدية