وقفت وراء النافذه .
شبحا . . يحدق في الفراغ ،
مبهورة ، سكرى ، يمزقها الحنين ،
ويضج فى أعماقها موج الصراع
وعواصف الشوق الدفين .
وصراخ قلب خائر بين الضلوع .
باك . تجيش به مرارات الوداع .
الوقت يمضى . .
والقطار الساخر الملعون يرقب فى انتظار .
طول النهار . .
لسوف يرحل عن قريب ،
ويتيه يحدوه الفرار ،
ويكون قد خطف الحبيب . .
وتسابقت عجلاته تطوى القفار .
ولسوف تبقى فى انفراد ،
عصفورة ثكلى . . تحملق دون زاد ،
ولسوف تبكى كالصغار ،
وتعود ترقب من جديد
فى حرقة ، يوم المعاد ،
الوقت يمضى .
لحظة . ويمر فارسها الحبيب
هى لحظة . . وتراه فى عرض الطريق
متهاديا ، يختال كالضوء الجميل ،
وخطاه يدعوها الزمان إلى الرحيل .
لا . لن يمر بدون أن يلقى تحيه
ستشده رجلاه تحت النافذه .
ليمد فى شوق ذراعا موجعه
ظمأى تشير مودعه .
ولسوف يهمس وهى تصغى فى خجل
" لا تيأسى يا جنتى !
سأظل - رغم البعد ، رغم الغربة -
ذاك الوفى ، ولو تمطط بيننا حبل الاجل . . "
وتهب للمرآة تسألها بصمت فى غرور ،
عن ثوبها . عن لونه الوردى
عن تسريحة الشعر القصير
عن وجهها .
عن زرقة العينين ..... عن ثغر ملاكى ، صغير
فتجيبها المرآة في يأس مرير مؤلم :
" لهفى على وجه نضير ،
تلهو به كف الشحوب المجرم
وتعود نحو النافذه .
تعدو ...... تعود إلى الفراغ ،
وتظل تغزل ألف حلم في انتظار ،
ويظل يعصرها دوار
وهناك ينتظر القطار ،
والوقت يمضى .
والشارع المهجور تكنسه الرياح ،
وفؤادها العطشان تغمره الجراح ،
وهناك
لا أحد هناك على الطريق !
إلا كلاب جائعة ،
أجسامها قد هدها الجوع اللعين ،
أو قطة عجفاء تستجدى الكناسه
" بعض الفواضل من طعام الموسرين "
والصمت قد لف المكان .
وطغى . . كجبار عنيد .
هي لا يدغدغ سمعها ،
إلا هواجس نفسها ،
أو صوت عصفور يوقع من بعيد
لحنا يداعب روحها .
لحنا يهز خيالها . .
فتهييم فى بحر الشرود
وتعود تحلم من جديد ،
وتطل ترمق في أسى عرض الطريق
ماذا جرى ؟
هى لا ترى إلا فراغا موصدا
هي لا تعى صوتا لاقدام...... تسير ولا صدى ،
يا للفجيعة . ! ما جرى ؟
أتراه قد نسيت خطاه الموعدا ؟
أيكون قد قصد القطار مبكرا ، ؟
أتراه قد . . ؟ وتغيب فى دوامة الفكر العميق . .
وتهيم فى فج سحيق
حتى تضل عن الوجود . .
ويمر وقت وهى ضائعة تفتش عن سبيل ،
ويمر وقت وهى تلتمس الدليل
لكن ينبهها
صوت يمزق حولها سحب السكون
صوت القطار يزف ميعاد الرحيل
وتكاد تصرخ وهى حيرى . . فى ذهول ،
وتكاد تهوى جثة لولا الجدار
قد شدها مترفقا ، كأب شفوق ،
ماذا . ؟ ترى رحل القطار . ؟
وا خيبة الحلم الرقيق !
وتحس باليأس العصوف يهزها ،
ويسيل فى أعماقها مثل الجنون
وتحس بالعبرات فى أجفانها
حرى تهاطل فى سكون ،
فتتفيق من أحلامها
وتنقل الطرف المندى حولها .
فيخيفها شبح الفراغ
وهنا . . تبدل خطوها المؤؤود تلتمس الفرار
من وهمها .
من ثقل أكداس الظنون ،
فيضمها بلور مرآة الجدار
وترى به شبحا يحدق كالغريب
وتكاد تسمعه يوشوش فى نحيب :
" لهفى على وجه نضير
تلهو به كف الشحوب . . بلا ضمير " ،

