الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

بمناسبة الحديث عن الأصالة والتفتح، أعرابي في الخان !

Share

حدث أعرابي قال : نزلت عشية بخان ، فى إحدى مدن الواحات ، دلنى عليه بعض الصبية ، بعد بحث أضناني ، وأنا فى حالة إعياء من وعثاء السفر، وغبار الطريق ، فدخلت صرحا ممردا ، كدت أتيه فى باحاته ومنعرجاته ، وملأتني الرهبة من ضخامة البناء وفخامة المتاع . . . ودخل الروع من نظرات الجالسين هناك ، فقد حدجوني باستغراب ودهشة . . ولمحت غمزات وابتسامات ساخرة . . فقلت فى نفسى : لكل قادم دهشة . . فلعلهم لم يروا رجلا مثلى يلبس الصوف صيفا وينتعل خفا تظهر منه قدمان مشققتان جافتان ، ويدلى على جانبه مخلاة متآكلة تفوح منها رائحة اللبن والعطن . . ! وما كدت أمعن النظر أمامي حتى رأيت ، ويا للهول ، نصفا لرجل واقف أمامى ، وتبينته مليا فخلته ابن عمى شدادا ، خشن المظهر ، كث اللحية ، ينبعث الشرر من عينيه كفحل إبل هائج ، وتنم بشرته عما قاسته من لفح الشمس وشدة الهجير .! فرفعت صوتا أجش ، زلزل المكان ، قلت ، وأنا أتقدم منه ، آ. شداد . يا ابن عمى . أهذا أنت ، لقيتك فى غربتى ، وكأنما نبعت من جوف الارض ، أو أتى بك مارد من الجن ، وعهدى بك لا تروم سوى الخلاء ، وتقول : مرابعنا وليس بعدها . وتكره أن تكون جواب آفاق . . ورأيته يفتح فاه دون أن أسمع نبرة من صوته . . وتقدمت منه ، فتقدم مثلى ، وحاكت حركاته حركاتى ، فمددت له يدى ، فلمست شيئا أنعم من الثعبان ملمسا .. وسمعت ضحكات فيها وقاحة وتخنث . . وخلت أنى فى زمرة من الاناث . وتقدم منى شاب ، عرفته بضمور صدره ، أملس ، يسيل رقة ونعومة ، وقال لى بصوت غنيج وضحكة خفيفة : تلك مرآة يا أخا العرب . . وذاك النصف هو أنت عينك فتأمل لعلك تعرف نفسك . ! فقلت له : وقد بدأت الحيرة تجتاحنى ، وهل تعرفون أنفسكم بهذه المرآة ؟ فقال ، وهو يحدق فى ، هو ذاك يا ربيب الناقة . . ! فأطرقت وقلت : ما أعجب أمري . كيف لم أعرف نفسي ؟ وتذكرت ناقتى ، ومرابعنا ، فقلت : هي تعرفني وأنا أعرفها ، وأعرف من أنا . أنا ترب الندى ورب القوافى . . وتلفت الى الشاب وقلت : ألا هل من

طعام . ؟ فأنا أتصور جوعا ، وأحشائى كالأفاعى تطلب القوت . فتبسم صاحبي ، وقال : أنت ضيفى الليلة ، هلم نجلس قليلا حتى يحضر الطعام . وقادني الى مجلس فسيح . . وقال : هؤلاء رفقتى . اجلس هنا . وأشار باصبعه الى أريكة مغطاة بالدمقس الحرير . فارتميت عليها واستعذبت ليونتها ، ورقة ملمسها ، وظننت نفسى سيد القوم . .

وقام صاحبي الى الجدار ، فوضع اصبعه ، فانبهرت من نور غمر المكان صافيا رائقا يحيى النفس الموات . . وحملقت فى منبعث النور ، وتملكنى عحب عجيب ، ولم أنبس بكلمة . والتفت الى الجالسين حولى أتصفح الوجوه ، فارتبكت ، وسال عرقي ، وهمى على جبيني . . . كان الجمع خليطا : شبان حمر اللحى ، وصبايا غضات ، ناعسات الطرف ، يسلن نعومة ورقة ،

انحسرت ثيابهن انحسارا مريعا ، وكشفت عن أفخاذ سال لها لعابي ، ونتئت صدورهن نتوءا ذهب بلبى ، وانسدلت شعورهن براقة لماعة أنعم من الحرير . . . فمادت بى الارض ، وخلت الدم يغلى فى عروقى . . فتحسست جبينى ، وانعقد لساني ، ونسيت بطنى وعواء أحشائى . . وطوف بى الفكر . . فقلت كالمخاطب نفسه : أى عالم من اللذة هذا . . ألا من مكبح يلجم نفسى ، ويقتل فى نزواتى ألا من مفر ! فمالى قدرة على احتمال هذا .! أصخرة أنا أم جلمود ؟ وكأنهم سمعوا همسى ، وأدركوا ما يجول بنفسى ، فسالت ضحكاتهم ، إناثا وذكرانا ، نغما شجيا زاد من عذابي ، وأضرم فى شوقا

يتقد كالجحيم . ! وربتت إحداهن على يدى ، فأهتززت كمن أصابه مس ، وغمرتني نعومة تلك اليد نشوة تمنيت أن لا أصحو منها ! وقالت : كفاك سكوتا ، اضحك معنا وحدثنا عن نفسك وعن صحرائك وحياتك فيها . . فتلعثمت ، ومات الكلام في حلقى ، ماذا سأقول ؟ وأنى لى بمثل ذلك الضحك ، وبمثل ذلك الهمس الناعم ؟ . وانتبهت الى آخر المجلس فرأيت شابة تتألق كالبدر صفاء ، تميل على صاحبها حتى تلاقت أنفاسهما وتلاصق لحمهما . فحجبت ناظرى وقلت : يا ويلي . . فضحكوا منى وقال صاحبي :لا تحتشم يا هذا . . فلا مجال عندنا للحياء .! ثم صفق ، فحضر ، فى الحين ، غلام ناصع البياض بشرة وكساء ، وقال تفضلوا ، فأمره باحضار الطعام ، وفي رشاقة مد الخوان ، ثم ذهب وعاد بصحون وصحاف استصغرتها . ووضع الطعام أنواعا . ووضع قنانى ملآنة بشراب مختلف الالوان . . فعجبت وقلت : حتى ماؤهم صار ألوانا . . ! ثم مددت يدى الى أول صحن ، وابتلعت ما فيه فى لمح البصر ، وقلت : هل من مزيد ؟ فزادوني ، وصبوا لى من

شرابهم فى أكواب يفوت جمالها الوصف . . وكرعت ما فى الكوب دفعة واحدة فتقززت من مذاقه . . ولم يعجبني ، فقطبت ، وحييت من رده ، فقد رأيت الصبايا ، بشفاههن الوردية الرقيقة ، يمصصن الاكواب مصا ، ويمزمزن الشراب فى لذة وشغف . . وأعادوا لى الكأس فقلت رويت ، فألحوا وألحفوا . . فشرب وشربت . . وأحسست بدبيب النمل فى بدنى . . وانطلقت نفسي فطربت . . وفي لحظات بدأ الطبل والمزمار . . وقام الجميع ، وعلى الوجوه نشوة . . وفي الافواه بسمة . . ودخلوا حلبة وبدؤوا الرقص . . كان هرجا ومرجا : أرجل تدق الارض دقا ، وخصور تتلوى ، وشعر كالحرير يتناثر يمنة ويسرة . . وعناق وقبل ومس وجس . . فرثيت لهم وقلت : ماذا أصاب القوم ؟ أى هم دهاهم حتى ينحوا فى حياتهم هذا المنحى . . فمن للارض يفلحها ومن للشاة يرعاها ؟ ومن للجد والكد ؟ كيف بنى الاسبقون ما بنوا ؟ وكيف وصلوا الى كل هذا ؟ وشككت في عقلي . . وقلت لعلهم على حق ؟ فما أنا إلا راع وابن راع ! مالى والتفكير فى مثل هذا ؟ وأصغيت ، فاستخفنى اللحن ، فرفعت صوتى وغنيت على سجيتى . . فضحكوا جميعا . . وانتبهوا وكأنهم نسوني . . وجاءتني إحداهن ، وكانت بضة غضة ، وأمسكت بيدي لتراقصنى ، فقمت ، كالتائه ، على غير وعي منى وقد ذهب حيائى . كان لحمها يفور كالتنور . . اذا قاربتني أحس ببقية عقلي تذهب منى . . جعلت أهتز معهم وأهتز . . والعطر يملأ نفسي . . ومددت يدى ، ولمست جسدها ، وأغرزت يدى فى لحمها . . وجذبتها فانصاعت . . ومالت على هضيم الكشح . . ولامسنى صدرها البارز فذهب عقلى ونسيت نفسى . وأنى لى أن أتذكرها وأنا الغريق ، ونسيت من حولى ، وجن جنوني ، فملت عليها وهممت بها ، فصاحت ضاحكة ، وأرادت صدى . وضحك من حولى ، ولا منى بعضهم ، فهدرت كالفحل الهائج ، وقلت بصوت مبحوح : اذا وجدت نفسك فى الماء فاسبح ! وانفض المجلس ، فانسللت خارج الخان أريد الخلاء . . وعندما هدأ روعى ، وسكنت نفسى ، تذكرت صحرائى وناقتى ، ومرابعنا ، فقلت أقوم الساعة ، وعفا الله عما كان . . ولكن صوتا فى داخلى ألح يقول : حتى تعرف نفسك ، فانثنيت ، فقلت : لا رجوع الى الصحراء ، فما بعد هذا العالم عالم .! اليوم فى خان وغدا فى آخر ! وما زلت على حالتى تلك الى الآن !

اشترك في نشرتنا البريدية