الكمال غاية تطلب ولا تدرك ( I ) وليست قيمة الانسان الا فى مدى وصدق المساعى التى يبذلها فى سبيل الدنو من الكمال وتعهد النفس بالمراجعة والمحاسبة والتزكية لاعلاء شانه والرفع من منزلته والسيطرة على الاشياء والاهواء ومزيد القدرة على تحقيق المثل العليا التى يؤمن بها ويجعلها مرجعا فى حياته وشاهدا عدلا على اعماله .
وعلى هذا الاساس لا يمكن ان نتصور معلما كاملا فى هذه الدنيا بل الذى يمكن تصوره وايجاده هو المعلم المثالى .
ولا يكون مثاليا الا المعلم المربى اى المعلم الذى لا يفصل بين التعليم والتربية ويتوقف ذلك على شروط اهمها :
1 ) الايمان بان التعليم رسالة :
ليس التدريس مهنة كغيرها من المهن يتعاطاها المواطن لكسب قوته والتامين على حياته بل هى رسالة سامية تتمثل فى تلقين الطفل جملة من المعلومات والمبادىء التربوية والاخلاقية واعانته على تحقيق ما هو مفطور عليه من ذكاء وعلو همة وطموح وتدريبه الى اكتساب شخصيته وانماء تجاربه وتأهيله الى ان يكون مواطنا صالحا وانسانا انسانا .
وعلى ذلك فالمعلم كالطبيب مطالب بألا يخطى فى الحكم او فى العلاج كى لا يسمم روح الطفل او يمسخ شخصيته الناشئة .
وهذا يقتضى من المعلم شعورا مرهفا بمسؤوليته وعناية فائقة - الى جانب التعليم بمعناه الضيق - بالاخلاق اى بتنمية جانب الخير فى الطفل وايقاظ ضميره وصقله كى يقوى على مغالبة النفس الامارة بالسوء ويراض على تبين الواجب والاضطلاع به .
2 ) الايمان بان التعليم تعلم متواصل :
اى الا يعتقد المعلم انه بلغ المستوى الاعلى واصبح فى غنى عن تعهد نفسه واستكمال علمه ، بل عليه ان يتذكر دائما ان الثقافة ليست بضاعة اذا حصل عليها المعلم فقد فاز بكل شئ واصبح قادرا على ان يحيا طول عمره على هذا الزاد وبفضل " راس المال " الذى اكتسبه واختزنه ايام دراسته .
ان الذى لا يتقدم بعلمه ولا يتحسن لا يبقى فى مستواه بل يتقهقر ؛ ثم ان دائرة العلوم والمعارف تتسع يوما بعد يوم والطرائق تتطور وتتجدد باطراد بل ان علوم النفس والاجتماع والتربية . . . جددت العديد من المفاهيم وادخلت الكثير من الاساليب الثورية فضلا عن الوسائل السمعية والبصرية والتكنولوجية وغزو الفضاء والاكتشافات الحديثة المدهشة التى زلزلت العادات العقلية القديمة وبدلت نظرة الناس للكون واخذت تغير من مفاهيم الحضارة المعاصرة .
واجب المعلم حينئذ ان يتفاعل مع عصره ويثرى تجربته وينمى معلوماته كى لا " يجود " على تلاميذه بأشياء وفى أساليب يدركون رغم صغر سنهم ان الحياة تجاوزتها بفضل ما يرونه على شاشة التلفزة والسنما وما يسمعونه فى الاذاعات وما قد يطالعونه فى الجرائد والمجلات .
فالمعلم المثالى متعلم متتلمذ دائما وطموح باستمرار الى ان يتفاعل مع عصره ويظهر امام تلاميذه فى مظهر لائق بمنزلته لديهم وثقتهم فيه واعتمادهم عليه .
3 ) الايمان بان التعليم اصالة :
اى الا يكون التعليم منفصلا عن بيئة التلاميذ وحضارتهم او متنكرا لمقومات الامة التى ينتسبون اليها والارض التى يحيون على اديمها والشعب الذى يتضامنون معه فى الحال والاستقبال والمصير.
والمعلم المثالى هو الذى يسعى دوما الى تأصيل تلاميذه فى محيطهم فيحبب اليهم تاريخهم ويعلمهم كيف يستخلصون منه العبرة لحاضرهم كما يعلمهم خصائص بلادهم وكفاح شعبهم وبطولاته وحياة ابطاله وزعمائه وينشئهم على الاعتزاز بادبهم ويروضهم على اتقان لغتهم العربية ومحبتها ويؤهلهم الى ادراك قيمة القداسة ومعنى الروح والايمان بالدين الاسلامى وتعاليمه السمحة ومقاصده السامية وحكمته الجامعة بين حرارة العاطفة البناءة وثورة العقل الخلاق ، بين السمو عن الادران والاعراض والجهاد فى هذه الدنيا ويعلمهم ان الايمان علم وعمل وان قيمة الانسان فيما سعى وفى مدى خدمته للغير وضم جهوده لجهود امثاله فى وطنه الاصغر ووطنه الاكبر تحقيقا لمجد الانسان ومساهمة فى بناء عالم مبرإ من الظلم والقهر والشر متعلق بالسلم والاخاء البشرى .
كل ذلك بالطريقة الملائمة المناسبة لسن التلاميذ حتى لا يستوعبوا المعلومات المجردة فقط بل يتفاعلوا كذلك مع الروح التى يوفق المعلم المربى الى بثها فى نفوسهم الغضة واشاعتها فى محيطهم التعليمى والاجتماعى .
4 ) الايمان بان المعلم مواطن فاضل قبل كل شئ :
اى الا يشعر المعلم بان رسالته تنتهى بمجرد مغادرته المدرسة بل عليه ان يندمج فى مجتمعه ويشاركه همومه وآماله ويمارس حقوقه ويضطلع بواجباته ويتأثر به ويؤثر فيه ويجد ويكد و ينشط كى يخلق الظروف الملائمة لمشاركته الفعالة فى الحياة الاجتماعية ويحتل المنزلة التى يستحقها ويلعب الدور الذى يقدر عليه .
بذلك يكون المعلم المربى مثاليا فى المدرسة وفى المجتمع ويستطيع ان يؤثر فى التلميذ داخل القسم وخارجه وبذلك يكون خلق الجو المناسب لاجراء حوار متواصل بناء مع اولياء تلاميذه ومختلف المسؤولين ويسر ايجاد الظروف المؤاتية كى يؤدى وظيفته كاملة .
هذا يقتضى منه قوة الشخصية وقدرا كبيرا من الثقة فى النفس وفسحة واسعة من الامل والتفاؤل وقوة على الاقناع والتأثير.
ولكن المعلم المربى الحق ، المؤمن برسالة التعليم ، المتعلم دوما ، الاصيل فى علمه وعمله ، المواطن الصالح ، فى مقدوره رغم الصعوبات ورغم قلة الوسائل وعسر العمل ان ينهض فى امانة وشجاعة بما وقف حياته عليه حينما اختار مهنة التعليم والتربية وان يظفر براحة الضمير وبنخوة العظمة .

