الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

بمناسبة العيد، دراسة ظواهر أدبية مشرقة، في المجتمع العربي بالاندلس

Share

اتيح لى أن أطالع كتابي : " الحلة السيراء " و " أعتاب الكتاب " لمؤلفهما الاديب المترسل الناقد : محمد بن عبد الله القضاعى المعروف بابن الابار . . الاندلسي مولدا ومنشأ التونسي مهجرا ووفاة . .

وكلا الكتابين صنعا في تونس الخضراء ، وأولهما صنع تمجيدا لشاعرية السلطان ابي زكريا يحيى وولى عهده على تونس ( ابي يحيى ) الذي كان يضمر لعلم المؤلف ، التقدير ، ويعطف عليه في غربته ، برغم قسوة لسانه وعنفوانه ، وتدليلا على ان قرض الشعر هو مفخرة عربية أصيلة ، كان يعتز بها ويمارسها كبار الخلفاء والوزراء والولاة والعلماء والزعماء العرب في مشرق الأرض ومغربها على السواء .

وثاني الكتابين : ( أعتاب الكتاب ) وضعه المؤلف ارضاء للسلطان نفسه ، من ذنب كان ارتكبه ابن الابار فأسخط السلطان عليه وغير قلبه بعدما كان مقربا اليه . . فلأجل استعادة مكانته لديه تشفع بنجله الامير ابى عبد الله فنال بشفاعته عفو السلطان ورضاه .

لذهب مع الريح ، كما ذهب الكثير من العلوم والآداب والفنون التي لم يقيض لها أمثاله من العلماء والادباء الوعاة الحصفاء . .

اذن فالكتابان كتابا مناسبة ، ومناسبة خاصة . . هي استجداء العفو والرضا ، بالنسبة للثاني ، وتحبيب الشعر وتقديره بسبب شاعرية السلطان ، بالنسبة للأول . . وقد كان في اخراجهما بهذا الطراز القوي الاخاذ المترسل الشامل دليل واضح على سعة اطلاع مؤلفهما ودقة فهمه وبصره بالعلوم والآداب ، وقد كان من وراء ذلك ايضا كسب كبير للادب العربى والاسلامي قاطبة وللادب الاندلسي والافريقي خاصة . . اذ سجل فيهما المؤلف ما لو لم يسجله قلمه البارع

وأولى الظواهر الادبية التي لاحظتها أثناء مطالعتي للكتابين ذلك الشغف العميق بقول الشعر العربي الجزل لدى خلفاء الاندلس وزعمائه . . وولاته ، وقضاته . . وقد استمر ذلك الشغف قويا عارما من القرن الهجري الثاني الى زمن ملوك الطوائف ونشوب الثورات التي أبادت العرب من الاندلس . . بسبب اختلافاتهم وكيد بعضهم لبعض وانشقاق بعضهم على بعض مما مكن للعدو المتربص بهم عن كثب . . فأجلاهم آخر الامر عن الفردوس المفقود . . وفاتحو الاندلس وخلفاؤها كانوا يرسلون الشعر العربي بطبيعة سليقية او شبه سليقية متوقدة . .

وكان من أوائل شعرائهم أكبر امرائهم المتغلبين المعروف بصقر قريش : ( عبد الرحمن الداخل ) الاموي الذي فر بجلده من ايقاع بني عمومته العباسيين به . . والتحق بالاندلس ، فأثل بها ملكا أمويا ضخما دام ما شاء الله أن يدوم . .

حمل عبد الرحمن الى الاندلس مقة الشعر وقرضه في المناسبات تعبيرا عن الهواجس والخلجات ، وترويحا عن النفس المكروبة بالهموم والغموم وبالغربة وفرقة الوطن الاصيل . .

وكان عبد الرحمن مقلا فى الشعر ، لأن طموحه ملأ عليه آفاق الدنيا ، واهتماماته لم تترك له فراغا للافاضة في الشعر والاكثار فيه . . ولكنه مع اقلالة ومع همومه واهتماماته كان يرسل الشعر حيا . . من ذلك قوله يتشوق الى معاهده بالشام :

أيها الراكب الميمم أرضي

أقر من بعضى السلام لبعض

ان جسمي كما علمت بأرض

وفؤادي ومالكيه بأرض

قدر البين بيننا فافترقنا

فعسى باجتماعنا سوف يقضى

وحينما تتجسد أمام ناظريه ذكريات الوطن البعيد ، ممثلة في منظر " النخلة " الحبيبة في " الرصافة " من أرض " قرطبة " تتفاعل الذكرى المجيدة مع شاعريته الكامنة فاذا هو يقول :

تبدت لنا وسط الرصافة نخلة

ثناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلت : شبيهي في التغرب والنوى

وطول التنائي عن بني وعن اهلي

نشأت بأرض انت فيها غريبة

فمثلك في الأقصاء والمنتأي مثلى

ويكرر هذا المعنى في أبيات له اخرى عن

النخل :

يا نخل انت غريبة مثلى

في الغرب نائية عن الاصل

فابكي ! وهل تبكى مكبسة

عجماء لم تطبع على خبل ؟

لو انها تبكى اذن لبكت

ماء الفرات ومنبت النخل

حقا لقد نقل عبد الرحمن الداخل معه أحاسيسه العربية المشرقية إلى المغرب ففاض اناء تفكيره بالشعر الرائق الدافق بالأسي والالم . . والاسى - كما يقولون - يبعث الاسى . .

وجاء بعده خليفته وابنه هشام بن عبد الرحمن . فكان مثله شاعرا ذا احساس شعري مرهف . . وقد تأسى بوالده في صرف أعنة اهتماماته الى ابتناء المجد بحد السيف والقلم . . وكان يرى الشعر من أدوات هذا المجد ، فلم يتخذه سلما في غزل أو نسيب . لاستهواء حبيب . .

طلب اليه أحد أتباعه المقربين أن يشتري بستانا ممرعا ، ليستفيد من ريعه وانتاجه فأجابه :

البذل لا الجمع فطرة الكرم

فلا ترد بي ما لم ترد شيمي

ما أنا من ضيعة وان نعمت ؟

حسبي اصطناع الاحرار بالنعم

ملك الورى والعباد قاطبة

لا ملك بعض الضياع - من هممي

تفيض كفي في السلم بحر ندى

وفي سجال الحروب بحر دم

تزل عن راحتى البدور ( ١ ) وما

تمسك غير الحسام والقلم

- ٤ - ثم كان الحكم بن هشام مثل ابيه وجده شاعرا بارعا . . له قصيدة نظمها بعد حادث ثورة ( الربض ) التي لولا لطف الله ثم همة الحكم لأتت على دولة بني أمية في الاندلس . يقول في مطلعها :

رأبت صدوع الارض بالسيف رافعا وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا الى أن يقول :

ولما تساقينا سجال حروبنا

سقيتهم سجلا من الموت ناقعا

وهل زدت ان وفيتهم صاع قرضهم

فلاقوا منايا قدرت ومصارعا

فهاك بلادى اننى قد تركتها

مهادا ، ولم اترك عليها منازعا

وقد غمس الحكم قلمه في الغزليات خلافا

لابيه وجده . . ومنها قوله :

ظل من فرط حبه مملوكا

ولقد كان قبل ذاك مليكا

وله قصيدة في خمس جوار تصاحبن

وغضبن عليه :

قضب من البان ماست فوق كثبان ولين عني وقد أزمعن هجراني

وفي نفس القرن الثاني الهجري كان لادارسة يؤسسون ملكا لهم عريضا في بلاد المغرب المجاورة للاندلس . . ونرى مؤسس هذه الدولة الشاب العصامي ( ادريس بن عبدالله بن الحسن ) يسير على منوال جيرانه قرض الشعر الفخري والحربي . . لقد حمل معه ايضا من بلاد المشرق الشغف القريض . ومن شعره :

أليس أبونا ( هاشم ) شد ازره وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

وكما كان ( ابن ) عبد الرحمن الداخل ( هشام ) أميرا وشاعرا ، كذلك كان ادريس بن ادريس الاول ، وخليفته أميرا وشاعرا . . كتب إلى البهلول المدغري يحذره من مكر رأس الاغالبة ( ابراهيم بن الأغلب ) :

كأنك لم تسمع بمكر " ابن أغلب "

وما قد رمى بالكيد كل بلاد

كما بعث بثلاثة أبيات من الشعر الديني السياسي البارع الذي يستثير عاطفة المؤمن الحق ، فيسلم بالامر الواقع ويدين بالطاعة العمياء بعث بها إلى ابراهيم بن الأغلب طالبا منه " المتاركة " فيما ادريس بصدده من تشييد ملك " فاطمي " أثيل بالمغرب ، إلى جانب ملك " عباسى " يسعى لتوطيده ابراهيم بن الأغلب . .

ونجد قصيدة عامرة لعبد الملك بن عمر بن مروان ، نفس بها عن نفسه الم غربته عن موطنه الاصلي وما صاحب ذلك من محن فواس تتمثل في فقد الاهل والخلان وضياع لملك المؤثل :

فيا زمنا أودى باهلي ومعشري

لقد صرت في احشائنا لاذعا جمرا

- ٧ -

وحينما تستعر لظي المعارك ، وتدور رحي الحروب الطاحنة ، وتثور أعاصير الفتن والاضطرابات القاصفة ، نرى استفحال " الشعر الحربي " وشعر النداء بالثارات ، ونرى أشعار الفتوة والطعان والنزال ، يتطاير شررها من هنا الى هنا ، وتتبادل اكره المحرقة الزعامات والرئاسات . فاذا استقرت الامور وهدأت الاوضاع في البلاد ، واستأنست الامة بالدعة والاطمئنان ، رأينا الشعر عندئذ يركن الى الوصف الرائع ، والنسيب المبدع ، ذي التشابيه الممتعة . .

يقول أبو الخطار ، غاضبا على تولية هشام بن عبد الملك ، لعبيدة بن عبد الرحمن على افريقية وصرفه لبشر بن حنظلة الكلبي ، وهو في هذه القصيدة يخاطب بني أمية الاندلسيين :

كأنكم لم تشهدوا مرج راهط

ولم تعلموا من كان ثم له الفضل

وقيناكم حر القنا بنحورنا

وليس لكم خيل سوانا ولا رجل

فلما بلغتم نيل ما قد أردتم

وطاب لكم منا المشارب والاكل

تعاميتم عنا بعين جلية

وأنتم كذا ما قد علمنا لها فعل

فلا تأمنوا ان دارت الحرب دورة

وزلت عن المرقاة بالقدم النعل

فينتقض الحبل الذي قد فتلتم

ألاربما يلوى فينتقض الحبل

تهديد صارخ ، وجرأة متناهية ، نجمت عن فطرة عربية كمينة كمون النار في الزناد . . .  - ٨ -

ومن طبيعة الشعراء التزلف الى الكبار والامراء استجداء لمال او لمنصب أو جاه . وهذه الطبيعة الاصيلة لم تبتعد عن أرض الاندلس طيلة ايام عروبتها . . وقد رأينا " عامر بن المعمر بن سنان التميمي " الذي كان على شرطة ابراهيم بن الأغلب ، يمدحه بالنجدة ويقول :

إذا كربة شدت خناق محمد

فليس لها الا ( ابن اغلب ) فارج

ويقول من أخرى :

لولا دفاعك يا ابن اغلب أصبحت

أرض الغروب رهينة لفساد

ولعمنا ذاك الخلاف بفتنة

تبدو كتائبها بغير سواد

- ٩ - هذا ، وان ما تحدثنا به آنفا عن الظواهر الادبية بالاندلس انما هو في القرن الهجرى الثاني . وقد استمرت الحال على ذلك المنوال في المائة الثالثة . . فكان الشعر دفاقا زاخرا بطاقات الجزالة والقوة والعواطف الجياشة .

كان الامير ( عبد الرحمن الناصر ) - شاعرا من الطراز الممتاز ولم تعقه مشاغل الملك وتشييد الحضارة والثقافة عن مؤانسة طائر الشعر . . يقول :

بي ادارك الله دين الهدى

فأحييته واصطلمت الصليبا

سموت الى الشرك في جحفل

ملأت الحزون به والسهوبا

وكذلك الشأن مع ابنه وخليفته ( محمد )

. . وان كان جل شعره في الغزليات : -

يا كبد المشتاق ما أوجعك

ويا أسير الحب ما أخضعك

ويا رسول العين من لحظها

بالرد والتبليغ ما أسرعك

تذهب بالسر وتأتى به

في مجلس يخفى على من معك

ويذهب أخوه ( يعقوب ) نفس المذهب .

ولسعيد بن جودي العربي الثائر الغائر على عجم الاندلس ومواليها ، شعر قوي الديباجة : ( عرضت له جارية جميلة ذات صباح في غلالة حمراء ، وهو خارج إلى مجلسه ، لتأخذ عليه الطريق ، وهي تتثنى فى حركتها . . فقال :

قضيب من الريحان في ورق حمر واعيته الاجازة طول نهاره ، وقد شغل بها فكره ، حتى دخل عليه حاجبه ، فاستأذن لعبيد يس الشاعر الكاتب . . فناداه سعيد ابن جودي ساعة دخل :

قضيب من الريحان في ورق حمر فأجابه قبل أن يجلس :

وعهدي بالريحان في ورق خضر

فسر وأجزل عطيته )

وهذه الظاهرة تشمل كذلك امراء بني الاغلب حكام تونس الخضراء . وكذلك الامراء الشيعيون المعروفون فى بلاد المشرق بالفاطميين على اختلاف كبير بين المؤرخين فى نسبهم . .

ولداعيتهم الاول عبد الله الشيعي قوله : من كان مغتبطا بلين حشية فحشيتي وأريكتي سرجي

واستمرت ظاهرة الانطلاقات الشعرية في القرن الرابع الهجري أيضا . . فكان الخليفة عبد الرحمن بن محمد الناصر شاعرا محسنا .

وكذلك ابنه وخليفته ( الحكم ) :

عجبت وقد ودعتها كيف لم أمت

وكيف انثنت عند الفراق يدي معي

فيا مقلتى العبرى ، عليها اسكبى دها

ويا تبدى الحرى ، عليها تقطعي

اما القرن الخامس فقد درج فيه الاندلسيون على ما كان عليه اسلافهم من " هواية " الشعر والكلف بقوله وارساله ارسالا في شتى المناسبات الجدية والهزلية . واننا لنجد سليمان بن الحكم الظافر يقول متغزلا :

عجبا يهاب الليث حد سناني وأهاب لحظ فواتر الاجفان ؟ الى أن يقول :

وتملكت نفسى ثلاث كالدمى

زهر الوجوه نواعم الابدان

ككواكب الظلماء ، لحن لناظر

من فوق اغصان على كثبان

هذى الهلال ، وتلك بنت المشترى

حسنا ، وهذي أخت غصن البان

وحينما تغلب الثوار على أنحاء الاندلس وعمت الفوضى وكثرت الزعامات وتعاركت الفئات هبط طائر الشعر من عليائه . . بعض الشئ ، ولكن بقيت هناك " نجوم " شعرية تسطع على الآفاق كان منها محمد بن اسماعيل بن عباد اللخمي القاضى أبو القاسم ، وابنه عباد المعتضد بالله ، وقد روى لنا ابن الابار عدة مقطوعات وقصائد من شعره استغرقت نحو سبع صفحات من كتابه المطبوع ، وكذلك ابنه محمد بن عباد . فقد أورد له في كتابه أكثر مما أورد لابيه عباد .

ومن ضعفاء شعراء المائة الهجرية الخامسة ، عبد الملك بن هذيل بن رزين . . يقول فيه ابن الابار : ( وضعيف منظومه أكثر من قويه ) ونعتقد ان قصيدته في وصف الروض هي من النوع القوى من شعره :

وروض كساه الطل وشيا مجددا

فأضحى مقيما للنفوس ومقعدا

إذا صافحته الريح ظلت غصونه

رواقص في خضر من العصب ، ميدا

إذا ها انسياب الماء عاينت ، خلته

وقد كسرته راحة الريح ، مبردا

وان سكنت عنه حسبت صفاءه

حساما صقيلا صافي المتن أجردا

وغنت به ورق الحمائم حولنا

غناءا ينسينا الغريض ومعبدا

٦٨١

وفى المائة السادسة يزداد ضعف الشعر . . وضعفه هنا ناشئ لا محالة عن ضعف ذويه . . بسبب اختلافاتهم وذحولهم على بعض وانطلاقاتهم الثورية ، وجموحهم القبلى الذى اودى بهم جميعا وجعلهم آخر الامر لقمة سائغة بين يدى العدو الحاقد المتوثب . ومن شعراء هذا القرن الذي شاهد تقلصا ملموسا في سيطرة المسلمين على الاندلس . ابن عمر بن المنذر أبو الوليد . .

وقد شملت مبادئ " الجمود " و " الركود الشعرى ، الاندلس والمغرب أقصاه وأدناه . . وفي ذلك القرن قوى شعر الصوفية والزهاد نتيجة الوضع السائد في البلاد من انقطاع الاستقرار وفقدان الامل في رد عادية المغيرين من الخارج ، وكبح جماح المتعاركين من الداخل . . وقد رأينا من صنف هؤلاء الشعراء عبد الرحمن بن ابراهيم الخزرجي : عسى عطفة من جانب القدس تسمح وبارقة من جانب اللطف تلمح

وفي المائة السابعة للهجرة نلمس اثر الفوضى والهزال الشعري في شعر شمل افريقية والاندلس معا ، فمثلا نسمع ابا ز عبد الرحمن الشاعر يقول :

يا دهر مالك ضاحكا وعبوسا ؟ أتعيرنا بعد النعيم البوسا ؟

وهذا أبو على عمر يقول :

أتتك خليقات بكل الخلائق

بها غنية عن كل ما في الحدائق

فصفحا عن المهدى ومهدى ورقعة

أتتك بعجز لا باعجاز خارق

وقد أدلى صاحبنا " ابن الابار " بدلوه في

قليب الشعر الضحل وهو من أهل هذا القرن ،

٦٨٢

فأظهر لنا ضعفا في شاعريته ، بقدر ما أظهر لنا فى مؤلفاته قوة فى نثره ونقده . . والجمل لا يرى سنام نفسه . . ولكننا نأخذ عليه شدة هوان نفسه عليه إذا سعى في نفس كتابه ( الحلة السيراء ) لاقتناص غرض معين عند ذي نفوذ أو أزمع ترضية أمير غاضب ، أو سلطان حاقد . . ومن شواهد ذلك تسميته لنفسه بالعبد وامعانه فى " الملق " حتى يصل الى الحضيض . . يقول عن نفسه :

" ولعبدهم ، ( ١ ) المقتصر على خدمة مجدهم والقصيدة التي أوردها ابن الابار لنفسه مملوءة بالتكلف والكزازة والركاكة والاسفاف فكأنها قصيدة فقيه متصنع . لا شاعر موهوب . .

وهذه " ظاهرة " من ظواهر ضعف الشعر الاندلسي عامة في ذلك القرن . . ولولا خوف الاطالة لاوردنا شواهد اكثر هنا . . وقل مثل هذا أو أكثر منه في سخافة شعر أبي علي عمر :

أنفذت نظمي قبل تنقيح له

فنوت به اذني مليا تحرك

واخو البديهة ليس يخلو قوله

مما يعوض عنه او يستدرك

وأصح حال فيه ما رويته

ورأيت وقتا فيه وقتا يشرك

الى آخر هذه " القصيدة " الفجة التى أغرق في تقديرها ابن الابار تزلفا لمقام ناظمها حين يقول فى تقديمها ما نصه : ( وله أعزه الله وكتب الى به ملتزما فيه ما لا

يلزم ) . . وحقيقة انه التزم فيها ما لا يلزم من الركاكة والاسفاف .

وليحيي بن أحمد الخزرجي قصيدة بلغت منتهى الركاكة والضعة والانحطاط :

ان قصرت في خدمة محسوسة

فيما مضى من دهري المتقدم

فلنيتي مكنون خدمتها التى

عقلت ، وان حجبت لمن لم يفهم

الى آخر هذه الاحاجي المعقدة . . والتفاهات

المرددة . . .

لقد التقي المغرب العربي ومنه الاندلس بالمشرق العربي بالمائة الهجرية السابعة في مظاهر الجمود والركود وانطفاء جذور الشعر والفكر فاستوى الماء والخشبة . . ولا غرو فالشعور بالقلق النفسى والاضطراب الاجتماعى اذا ساد أمة أفقدها توازنها الفكرى والادبى ، فنزل أفكارها عن مواطن الانتاج الخصب وتتجلل الرؤوس فيها بالخمول حتى لكأنها غير الرؤوس . .

ولقد عبر سعيد بن حكم القرشي ، أحد شعراء هذا القرن المتداعى النفس والشعور والشعر ، عن خلجات نفسه واحساس أمته في ساعات المحنة التى يقترب بركانها الهائج منها رويدا رويدا ليطبق عليها آخر الامر . ففي الداخل يفتك بكيان الامة تنافس زعمائها وحروبهم المبيدة ومكرهم ببعض ، وفي الخارج يطبق عليهم العدو المتربص المشترك الرابض لهم من كتب لتقويض خيامهم ولاعادتهم من حيث كانوا قدموا منذ سبعة قرون خلت . . يقول سعيد في شعره الساذج الفاتر الواهن المعبر :

اني لاعجب من ملوك أصبحوا

وهم موال ، أعبد الشهوات

الاطيبان مرادهم ، ومراهم

أرب الفروج واربة اللهوات

لو وفقوا وقفوا اجتماعهمو على

نفي الهوى فضلا عن الخلوات

درت سنون وهم ملوك للورى

يا ليتهم مروا مع السنوات

ما نحن الا في فلاة للردى

فلنحذر الشهوات في الفلوات

= ١٥ = هذا ولقد أطلنا في ظاهرة افتتان عرب المغرب ، ومنه الاندلس وكلفهم بالشعر ، في القرون السبعة للهجرة لا فرق في ذلك بين خلفائهم وأمرائهم ووزرائهم وزعمائهم ونوارهم . . ولم تنطفئ جدوة هذا الاحساس العربى من قلوبهم ولم تفتر قط . . بل ربما يكونون أربى من عرب المشرق فيها طيلة تلك القرون ، ولعل لجو الاندلس وجو المغرب العربى النضر الرائع أثرا في الاحتفاظ بهذه الطاقة الجبارة واثرا في اثارتها فى المناسبات الوفيرة باضافة عامل الغربة والقبلية التى ظلت سائدة العرب فى تلك الربوع . . حقبة طويلة من الدهر . . الى ان قضت تدريجيا على القوة الاجتماعية للقبائل المتساكنة ، حتى رأينا بعضهم يلجأ إلى النصارى يستعديهم على أبناء دينه وعمومته . . ٨٦

هذا وهناك ظواهر اخرى بارزة فى المجتمع الاندلسي من الناحية الشعرية نفسها ولا بد من الالمام بها اتماها لجوانب البحث . . فمن تلك الظواهر سهولة تعاطي الشعر العربى فى بلاد الاندلس ، ويسره على اذهانهم وعلى السنتهم واقلامهم فهم يقولونه ارتجالا واعمالا ، وينظمون عقوده الدرية فى مختلف الاهداف العالية والعادية ، ينفسون بها عن كربهم ، ويبرزون فيه كامن شعورهم ورقة عواطفهم . . فى حرب وفي سلم ، وفي منشط ٦٨٣

ومكره . . حتى انهم كانوا يقحمونه فى ( موضوعات الدولة الرسمية ) . . وهي ما نسميه فى عرفنا الحاضر بالمملكة العربية السعودية باسم : ( الشروح الرسمية ) ويدعي قديما ( بالتوقيعات ) . . فقد روى لنا ابن الابار ان ( بعض الوفود من قريش كتب الى عبد الرحمن الداخل يستعظم عليه حقه بالرحم ويستقل حظه منه بالمستطمع . . فوقع عبد الرحمن في ظهر كتابه :

شتان من قام ذا امتعاض

منتضى الشفرتين نصلا

فجاب قفرا وشق بحرا

مساميا لجة ومحلا

وشاد مجدا وبز ملكا

ومنبرا للخطاب فصلا

وجند الجند حين اودى

ومصر المصرحين اخلى

ثم دعا اهله جميعا

حيث انتاوا : ان هلم اهلا

فجاء هذا طريد جوع

شريد سيف أباد قتلا

فنال أمنا ، ونال شبعا

وحاز مالا ، وضم شملا

ومن سهولة الشعر عليهم تراهم يتحدثون به فى مختلف اغراضهم كما يتحدثون بالنثر ويكتبون به ( العرائض ) و ( الشروح الرسمية ) . . كتب الوزير يوسف بن احمد الباجي ، الى الامير سليمان الظافر يذكره بزمانه معه ويمت بخدمته له ، ويسأله تجديد العارفة لديه ونظم انباتا أولها :

قل للامام المستعين

ورسول رب العالمين

فوقع له سليمان :

انت المصدق عندنا

بصريح ود مستبين

فاربع عليك فهمنا

توطيد امر المسلمين

فاذا توطد واستقا

م وخاب ظن الحاسدين

اصبحت من دنياك في

أعلى محل الآملين

وكتب اليه القاضي أبو القاسم بن مقدام

عريضة شعر يشكو فيها ضيق حاله :

اهل ترضى بعبدك ان يذالا ؟

وان يبقى على الدنيا عيالا ؟

فبعث اليه بصلة وكسوة و ( وقع ) على ظهر كتابه :

معاذ الله ان تبقى عيالا

وان نرضى لمثلك ان ينالا

وكيف وانت منقطع الينا

وقد علقت يداك بنا حبالا ؟ !

ودونك من نوافلنا يسيرا

ولكنا انتقيناه حلالا

ومن ظواهرهم الادبية انهم اذا خطبوا خطبة هادفة في ساعات حرج انتصارات لهرج اولفرج . . يعقبون على خطابهم النثرى بخطاب شعري يدعمونه به . . فالشعر اوقع فى النفوس اثرا واسير ذكرا على الالسنة . . ومن ذلك ان احمد بن محمد بن اضحي الهمدانى قدم على الناصر عبد الرحمن بن محمد ، فخطب بين يديه وانشد في اثر خطبته :

أيا ملكا ترمي به قضب الهند إذا لمعت فوق المغافر والسرد ومن بأسه فى منهل الموت وارد اذا أنفس الابطال كفت عن الورد ومن ألبس الله الخلافة نعمة به فاتت النعمى فجلت عن العد

تجلى على الدنيا فجلى ظلامها

كما انجلت الظلماء عن قمر السعد

امام هدى زيدت به الارض بهجة

ملبسة نورا كموشية البرد

كفانى لديه ان جعلت وسيلتى

دفاعا شامي الهوى مخلص الود

ومن هذه الظواهر اغرامهم بالتشابيه فى

أشعارهم الوصفية والغزلية . .

يقول " لب بن عبد الله " :

صابحتها والروض يسطع مسكه

فكأنه بالليل بان مغلفا

والورد يبدو فى الغصون كأنما

أضحى يقارب من نداه قرقفا

ويقول موسى بن محمد بن سعيد بن

موسى :

ليت شعرى كيف يغرى لحظه

من شغاف القلب باللحظ الأكل

طرفه ساج وفيه مرض

كم صحيح قد رماه فقتل

من مجيرى من رشا الحاظه

انما تذكرني وقع الاسل

ويقول متمم بن معد بن اسماعيل :

وانجلى الغيم عن هلال تبدى

فى يد الافق مثل نصف سوار

ويقول :

كان السحاب الغر اصبحن أكؤسا

لنا ، وكان الراح فيها سنا البرق

الى ان رأيت النجم ، وهو مغرب

وأقبل رايات الصباح من الشرق

كأن سواد الليل ، والصبح طالع ،

بقايا مجال الكحل في الاعين الزرق

ويقول :

كان كؤوس الشرب وهي دوائر

قطائع ماء جامد تحمل اللهب

فبتنا نسقي الشمس ، والليل راكد

ونقرب من بدر السماء وما قرب

وقد حجب الغيم الهلال كأنه

ستارة شرب خلفها وجه من نحب

كأن الثريا تحت حلكة ليلها

مداهن بلور على الافق تضطرب

ويقول اسماعيل بن بدر :

تفاءلت بالتوت الثاني لزورة

وذلك فال - ما علمت - صدوف

فأهديته غضا حكى حدق المها

له منظر بالحسن منه يروق

وبعض حكى الياقوت منه احمراره

وما مجه للذائقين رحيق

فذا سبح - فيما يرى - لاسوداده

وذا - لاحمرار اللون منه - عقيق

اشترك في نشرتنا البريدية