الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

بمناسبة تكريم الشعراء، خطاب السيد الرئيس

Share

ابنائى الاعزاء ، ايها الشعب التونسى

جمعتكم اليوم بمناسبة توزيع جوائز العكاظية التى نظمت فى المنستير فى  عيد ميلادى السبعين ، وانتم تتذكرون بدون شك القصائد التى القيت فى تلك المناسبة وقد قامت لجنة التحكيم بواجبها ونشرت الصحف اسماء الفائزين ورتب الجوائز ، وها انا اليوم اتولى توزيعها .

ان هذه العكاظيات والمسابقات الشعرية وهذه الحفاوة بالشعر والشعراء من العادات التى ما كانت لتبعث من العدم لو لم اكن شغوفا بالشعر والادب سواء ما كان منهما باللغة العربية او بالفرنسية ، وقد قلت فى نفسى احيانا لو لم  انغمس في السياسة ومقاومة الاستعمار لتخليص بلادى منه لكنت من الادباء  المرموقين لكن لم يكن لى مفر من العزوف عن الشعر والادب بالرغم من شغفى بهما والدليل على ذلك انى لم انس عديد الابيات والقصائد التى حفظتها عندما كنت في السنة الأولى من المدرسة الصادقية عام 1913 فرسخت فى ذاكرتى الى اليوم وقد مرت على ذلك ستون عاما فكنت ادهش الناس اذا تلوتها أمامهم بعد  هذا الفارق الزمني الكبير وما زلت الى اليوم اذكر اسماء اساتذتى وشيوخى   واحدا واحدا وقد كان اولهم الشيخ عبد العزيز جعيط واول قصيدة حفظنا  اياها لامية السموءل بن عادية التى مطلعها :

اذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه                فكل رداء يرتديه جميل

وان هو لم يحمل على النفس ضيمها              فليس الى حسن الثناء سبيل

تعيرنا انا قليل عديدنا                             فقلت لها ان الكرام قليل

واردنا احياء المعلقات التى يرجع عهدها الى ما قبل الاسلام بعد احرازنا على الاستقلال تشجيعا للادب والادباء وتسجيلا للملحمة التى خضناها مدة نصف قرن وما تخللها من بطولات ومواقف رائعة فلا عجب ان توحى بالشعر

الجزل القوى فاذا الاشعار التى كنا نسمعها الان لا تقل روعة عن قصائد الشعراء الجاهليين واصحاب المعلقات ومن جاء بعدهم من الشعراء الاعلام الى الان ، وكثيرا ما اتلو كذلك عدة قصائد بالفرنسية فيتعجب الفرنسيون كيف ما أزال أرويها عن ظهر قلب . اما اصل تسمية العكاظيات فنسبة الى سوق عكاظ التى كان يجتمع فيها عرب الجاهلية فى مواسم معينة مثلما نجتمع نحن فى قصر صقانس أو قرطاج وكان الشعراء يقبلون على تلك السوق من كافة أطراف الجزيرة  العربية وينشدون اشعارهم ويحكم الناس على جودة الشعر من خلال ما يسمعون فكانت المعلقات السبع نتيجة تلك المباريات العامة ، وما ازال اذكر  المعلقة الاولى وهى لامرئ القيس ومطلعها :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل    بسقط اللوى بين الدخول فحومل

ومعلقة عمرو بن كلثوم التى مطلعها :

الا هبي بصحنك فاصبحينا       ولا تبقى خمور الاندرينا

مشعشعة كان الجص فيها         اذا ما الماء خالطها سخينا

وكذلك معلقة عنترة بن شداد ذلك العبد ابن الامة الذى كان ابوه حرا ، وقد كان ابناء الاماء ينشأون عبيدا ويكلفون برعى الاغنام والابل والمعز فحدث ان هجمت ذات يوم قبيلة بنو فزارة على بني عبس - قبيلة عنترة - وكان شداد على حصانه فرأى ولده عنترة فقال له كر يا عنترة فقال له عنترة العبد لا يكر ولا يصلح الا لرعى الابل والاغنام فقال له أبوه فى ذلك الموقف العصيب : كر  وانت حر فركب عنترة حصانه وهجم على بنى فزارة فانتصرت بنو عبس على  عدوها بفضل اقدام عنترة ، ومعلقة عنترة تبدأ بقوله :

هل غادر الشعراء من متردم      أم هل عرفت الدار بعد توهم

وكان عنترة يحب ابنة عمه عبلة فلم يشا اهله ان يزوجوه اياها لذلك قال عنترة :

يا دار عبلة بالجواء تكلمى    وعمى صباحا دار عبلة واسلمي

وجاءت الخصومة بين جرير والفرزدق في عهد بني أمية وقال جرير مستهزئا بخصمه :

زعم الفرزدق ان سيقتل مربعا       أبشر بطول سلامة يا مربع

ثم جاء بشار بن برد وكان شاعرا عظيما ، ثم الطغرائى فى اواخر عهد العباسيين وكان حامل اختام الخلافة وهى الطغراء وله لأمية رائعة كنت احفظها كاملة ومما يقوله فيها :

اصالة الراى صانتني عن الخطل      وحلة الفضل زانتنى لدى العطل

مجدى اخيرا ومجدى اولا سرع  والشمس راد الضحى كالشمس فى الطفل

ونصل الى العصر الحديث وقبل هذا العصر وخلاله انهار الشعر واخني عليه الذي اخني على لبد وصار الشعراء يكتفون بترديد ابيات سقيمة لا رواء فيها ولا قوة معنى ، وهذا لم يمنع من ظهور شعراء افذاذ فى الاعصر الحديثة  يعدون على الاصابع ولا يقلون قوة عن الشعراء الاقدمين كابى القاسم الشابى الذى كنت اعرفه شخصيا وقد كنت عندما القى محاضرته ) الخيال الشعرى عند العرب ( فى الخلدونية محاميا شابا فذهبت لحضور هذه المحاضرة ورأيت الشابى الذى لم يعرف التونسيون قيمته وحقيقته الا بواسطة مجلة " ابولو المصرية ولم يكن يقدره حق قدره فى تونس الا القليل من المثقفين ، حتى اذا شاع ذكره في المشرق اخذ التونسيون يتعرفون اليه من خلال ما يقرأونه بمجلة  أبولو لانه لم  يجد فى تونس محالا لنشر بنات افكاره ولان واحدا لم يدرك قيمته فى ذلك  الوقت بالرغم من انه يحيا بينهم ، وانى اذكر ان محاضرة أبي القاسم الشابى كانت طويلة جدا مما جعل بعض الحاضرين يتململون فى اماكنهم اول الامر ثم يغادرون القاعة واحدا فاخر حتى لم يبق بها فى نهاية المحاضرة الا عشرة او اثنا عشر شخصا من بينهم انا . ان المرحوم أبا القاسم الشابى الشاعر العظيم تنبأ في تلك الفترة بوجود حركة وطنية كبرى ، وكانت الحركة عندئذ بين ايدى الغرانطة وتوفى الشابي سنة 1931 متأثرا بمرض السل بعد ان سعى والده - وكان قاضيا في زغوان - لمعالجته وارسل به الى عين دراهم وليس بوسع اى كان ان يتنبأ بما كانت تتفتق عنه عبقرية الشابي لو قدرت له الحياة الى يوم الناس هذا وطال به العمر الى مشاهدة تونس حرة مستقلة ، ومن سوء الحظ ان كان فى تونيس بالإضافة الى الشابي اشخاص امثال من عثرت على اسمائهم فى وثيقة

تونسية اسمها " التقويم التونسى " ، فبين يدى العدد 8 منه وفيه فصل عن رحلة قام بها المقيم العام لوسيان سان من اواخر جانفى 1926 الى اواخر فيفري ، زار خلالها صفاقس وجبنيانة ثم قفصة وقابس ، وتحتوى الوثيقة على بعض الاسماء التى تذكر بذلك العهد ، فقد كان القائد فى صفاقس سالم الصنادلى والمراقب المدنى مرتون ، وكان القائد فى جبنيانة حسن حسنى عبد الوهاب ، نعم ان ذلك العلامة المعروف كان " قائدا " فى المثاليث ، فكان جريا على العادة فى ذلك الوقت " قائدا " من جملة " القياد " لكنه اصبح بعد الاستقلال علامة ، اما قائد الاعراض فى قابس فى ذلك الوقت فهو عبد العزيز الجلولي ، وقد قابلته عندما كنت محاميا شابا ولا حظت انه على جانب من الشهامة والتعفف فقلت فى نفسى : ان هذا القائد ليس كزملائه فلا يميل الى الرشوة والنهب ، ثم انه اصبح قائدا فى صفاقس قبل ان يقدم استقالته ، وقد تضمنت نشرية " التقويم التونسى " نموذجا من الشعر الملحون الذي يخجل منه كل شاعر اصيل وهى قصيدة نظمها احتفاء بالمقيم العام السيد محمود الشرفى باش مفتى صفاقس ، ذلك ان المقيم العام لوسيان سان استقبل فى صفاقس اعضاء المجلس الكبير فرئيس المجلس البلدى وكاهيته ثم اعضاء الهيئة التمثيلية اى القياد ثم شيوخ المجلس الشرعى ، وعندئذ القى الشيخ محمود الشرفى الابيات التالية :

جاء البشير بوفد خير مقيم   لصفاقس العلياء ذات نعيم

وترنمت ورق الهنا برياضها   بشرا بنشر معاهد التعليم

وبنيل ارباب المعارف حقهم    وبصونها من بغي كل ظلوم

فبك ارتقى وجه الحواضر عندنا   فيها اقمت قواعد التنظيم

قد اخلصت لك فى الدماء وارخت     لرقى صفاقس دام خير مقيم

هذا القصيد يعكس عهد الانحطاط الذي مر به الشعر ، وقد اراد الشاعر ان يشير فى عجز آخر بيت من القصيد الى تاريخ القائه ، وذلك بواسطة الحروف الابجدية

وجاء فى الوثيقة ايضا ان المقيم اقتبل كلا من رئيس الكنيسة الكاتوليكية ورئيس الكنيسة البروتستانية ثم رئيس الاحبار وبمعيته شيخ الاسرائليين ثم الكولونيل قائد العساكر ثم قاضى الصلح فرئيس المجلس العدلى فكوميسار الحكومة ثم مدير شرطة صفاقس قفصة ورئيس نقابة الابتكار وبعد الزوال بقليل  اقتبل جنابه اعضاء الصحافة المحلية ونواب الجرائد التونسية بغاية السرور  والبهجة إلى آخره .

وقد سقت لكم هذا المثال حتى تتبينوا الفارق الكبير بين الشعر فى عهد الحماية والذل والمهانة والشعر فى عهد الاستقلال والحرية والازدهار ، وفي ذلك العهد بالذات برز أبو القاسم الشابى صاحب العبقرية الشعرية ، واردت ايضا بهذه المناسبة ان الفت  انتباهكم وانتباه الجمهور التونسي الى ناحية اخرى من نواحي شخصية بورقيبة ، فبالاضافة الى الناحية السياسية هناك ناحية ادبية  تلفت النظر ، ولعلكم تتساءلون فى اعجاب عن عبقرية هذا الرجل الذي نسف الاستعمار الفرنسى وزعزع اركان امبراطورية فرنسا واطاح بالعرش الحسينى  وحرر تونس وهو فى نفس الوقت مولع بالشعر ، وقررت ان تتجدد العكاظية  كل عشر سنوات وسأشرف ان شاء الله على عكاظية 1983 عند الاحتفال بعيد  ميلادى الثمانين فالتسعين فالمائة واذا كتب لى ان اموت فتنتظم العكاظية فى  شكل مرثية للحبيب بورقيبة ، غير بعيد عن المقبرة التى سأدفن فيها بالمنستير  واريد ان ابدى ملاحظة اخيرة فقد سبق ان بينت لكم مدى شغفى بالشعر  وحفظى لكل بحور الخليل وتعلقي بها نظرا للقوة الايحائية التى تتضمنها اذ ان  التفعيلات الخليلية تذكر بسير الابل او بركض الخيل كما هو الشأن مثلا  بالنسبة لبحر الطويل ( طويل له دون البحور فضائل ، فعولن مفاعيلن فعولن  مفاعل ) .

وقد لاحظت في عكاظية المنستير ان الشعراء تجاهلوا بحر المتقارب الذي يذكر بركض الخيل وارجو ألا يتجدد ذلك فى المستقبل وان ينسج الشعراء  قصائدهم على منواله بالاضافة الى البحور الاخرى مثل البسيط والطويل الخ ، وطالعت مؤخرا على صفحات جريدة الصباح قصيدا جاء فى بحر المتقارب لشاعرة اسمها روحية القليني لكن طريقة نشره لم تكن على ما قصدته الشاعرة  من قصر ألف الروي ، حتى لا يؤدى النطق بالهمزة التى هى حرف الروي الى اختلاف حركتها حسب ما يقتضيه الاعراب فى كل بيت .

وجاء في قصيدة الشاعرة روحية القليني بعنوان " مجيب الدعاء " ما يلى  :

دعائى دموع التقى والولاء             فهل تستجيب لصدق الدعا

ويخطئ عبدك يا سيدى                فتغفر ربي لمن قد تشا

ونرفع يا رب تلك الاكف              فتملؤها من سخي العطا

وتملا تلك القلوب رضاء        فتسعدها بجميل الرضا

فعبدك للعيش يسعى حثيثا      يكد ويشقى صباح مسا

فتعطيه يا رب تعطيه فضلا   فعندك يا رب حسن الجزاء

اذا الناس عنا مضوا فى جفاء   فانك وحدك كل العزاء

وان اظلم الليل ساد دجاه       فانت إله السني والضيا

تضئ النفوس وتجلو القلوب    وتغمر قلب الحياة صفا

انا ما قصدتك الا اجبت         دعائى وحققت حلو الرجا

واذ ما بكيت مسحت دموعى    بكف الحنان وتمحو الشقا

وتأنس روحي لصوت المؤذن     يدعو يكبر عبر الفضا

فتخشع كل القلوب ولاء             اذا ما تردد سحر الندا

وترضى الهي عن الاتقياء             فقير همو والغنى سوا

واجمل ما في حياة التقي                رضاء الاله عن الاتقيا        

كتابك يا رب عهد وثيق                 تسير على هديه الانبيا

فتنشره فى الحياة ضياء             كتابك للمسلمين لوا

إلهى ءامنت بالدين سمحا        وسرت على هديه فى ولا

اردت ان الفت نظركم الى جمال وزن المتقارب وارجو ان يجمعنا لقاء آخر فى عام 1983 وقبله ان شاء الله ، وأرجو ان يكتب الدوام لما ننعم به من استقرار ونظام وعزة وكرامة ، نالها الشعب بعد جهاد تواصل نصف قرن وارجو ايضا ان يكون الشباب دوما فى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه وان تتسلم الاجيال جيلا بعد اخر مشعل الحرية والتقدم الى ابد الابدين

اشترك في نشرتنا البريدية