الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

بمناسبة ذكرى حوادث 9 أفريل الوطنية، محفظة السمار

Share

-1- عندما يتفضل الشتاء باخلاء المكان ، وتركه للربيع ، يشعر المرء ، بعد اشهر طويله من التحذر والتدثر والتبرم ، بانطلاق اسارير الطبيعة . فيتخلص من ثقيل الملابس ويحسن ظنه بالحياة .

هذا الغصن قد برعم ، وانتفخ طلا . وهذا النبت قد نجم وتفتحت فيه التافعه ذات الزغب الناعم والاريج الشذى ، وهذا الطير ، كأنه حرف موسيقى على الاسلاك الهاتفية ، يملأ الجو انغاما ويقول :

- ها انا ذا ! لم يقض على الشتاء . فهلم للحياة يا اهل الحياة ( I )

عند ذلك يغمر الدنيا سحاب كثيف ، بلا مطر ، فلا هو برد ولا هو حر . هواء لين وضياء كضياء العتمة . ذلك ما يسمى عندنا (( غموق الورد )) . لان اصحاب البساتين يزعمون انه يضرب بحمرة الورد الى السواد .

فى يوم من تلك الايام ، خرجت امرأة تتحامل من باب سيدى قاسم الى السيدة المنوبية . بيدها محفظة سمار ، من تلك التى ضمت كتب الجيل الماضى ودفاتره ، جيل الذين افتكوا الاستقلال باظافرهم .

فلما وصلت الربوة ، توقفت ترد النفس وتملأ بصرها من برية الخضراء ،

بهضابها وغدرانها وبسط عشبها وباقات اشجارها ، يهيمن عليها جبل بوقرنين ، بسناميه الاغبرين .

سلكت المنحدر الى سبخة السيجومى حتى وصلت أجمة من الصفصاف العتيق فى سفح الهضبة ، امام البحيرة ، وقابلتها جماعة من البنائين . يعملون فاتجهت اليهم .

بلغها انهم يقيمون نصبا لشهداء التاسع من افريل واحست بقرب المنية . فمن للمحفظة بعدها ؟ وعز عليها ان تتركها بين أيد غبية .

ارادت ان تبقى عليه فى مثل ذلك اليوم . . . لكنه عحب كيف تشير عليه بالتخاذل . وتعرف من خلال احاديثه ، اعجابه بالبطولة ومقته للخذلان .

ثم  . . . ثم ا كتشفت فيه معنى حياتها . . . لكنه اخذ المحفظة وخرج . ولم يعد اليها قط وفرغت حياتها من المعنى . فلم يملأها ، بعده شئ

- 11 - ما كان ابنها ولا اخوها ولا زوجها وانما كان كل ذلك . عرفته عندما قدم العاصمة صحبة ابيه . واقاما عندهم ، لمصالح بين الاسرتين وكان طفلا دون العاشرة . وهى فتاة قد كمل جسمها واينع حسنها نزلا غرفة الضيافة . وكانت شقة قائمة الذات ، مستقلة بمرافقها واثاثها . وبينها وبين الدار باب خوخة .

هيأه أبوه ، بعد العشاء ، للنوم ، وتركه ونزل الى بيت السهارة . فلم ينم . وطغى تطلعه على تعب السفر . فنهض وخرج .

السقيفة ظلماء . وابوه ومستضيفوه فى حديث وسمر . دخل باب الدار . فاذا وسط فسيح وطيف فتاة تفر منه الى الحجرة ، مطأطئة الرأس . وخرجت امها تخاصمه ، كيف يدخل على الحريم وهو رجل . فبهت ، واستحي وكاد ان يأخذه الدمع . فخرجت اليه ضاحكة تقول : - هاو نصف راجل . هذا يتخباو منه النساء (1) .

وضحكوا من ارتباكه . وعانقوه وسلموا عليه وادخلوه حجرة تعج بالسامرين والسامرات . فاجلسوه بينهم ورجعوا الى ما كانوا فيه من حديث . قال عمر ، الاخ الاكبر : - انت خوذ راجل . واذا حب يهزك حتى لجهنم ما يمنعه حد (1) .

تكلمت اختها : - الراجل اللى باش يعجب نفيسة . مازال ما هبط من السماء . (2) اجابتها : - علاش ؟ ياخي الرجال الكل عندهم حاجب اعلى من حاجب  (3) فامتعظت الاخت لتهكمها على خطيبها . - أمي ، شوف بنتك (4)

- الله غالب بنيتى . نفيسة ما عجبها حد . واحد خشمه كبير والآخر لحيته معوجة والآخر دقنونته مذببة والآخر اللى يخدم فى الادارة . اندرى آش طلعت فيه من طلعه (5) - قالت يبدا ديمه يرمش فى عينيه (6) - الآخر اللى جابه عمك التيجانى (7) - هذا كه ديمة يبرق . ما يرمشهمش بالكل (8)  تكلمت اختها الكبرى - نفيسة تحب راجل يرمش عينيه بالمنقالة . كل دقيقة ترميشتين ، يزى يعيشك ، كثرت (9)

- علاش كثرت ، وخيتى ، اللى رآيتهم الكل ما قرش عليهم قلبى . والأوله والاخرة ، لا ترميش لا دقنونة مذببة . الرجال اللى خطبوني الكل . كانه خايب يسخايل نفسه باهى . وكانه باهي يحسب نفسه صرد بن ورد  (1)

- عاد آش يعملوا ، المغابن (2) - نحب راجل كانه باهى يبدا ما يعرفش اللى هو باهى وكانه خابب .   يبدأ يعرف اللى هو خايب (3)   تكلمت الصغرى - وهاك اللى جابلنا الحوت (4) اجابت بسرعة ، وبصوت خافت ، لئلا تسمعها امها . - هذاكه بالصحة ، وحرجه غامق . وكيف يتكلم ، يقوم يزوى . وفكوا عل مانى ماخذه حد (5)

وعادت الى الطفل ، تمازحه . وتسأله عن بلده واهله . وهل اعحبته تونيس تم اخذ حوارهم لهجة الترافع . هي تهجو اهل القرى . وهو يدافع عنهم . فنهرتها امها ، خوفا ان يأخذ فى خاطره . فأجابتها انها تفكر فى اتخاذه زوجا لها . وامسوا فى فكاهة وانس .

هناك تفتحت عيناه على المدينة ومباهجها . يأخذه الاخ عمر ، كل صباح الى الحانوت ، حيث يجد اباه وعم رشيد فى بيع وشراء . فيلبث فى المقصورة يتلهى بوزن كل ما يقع تحت يده : طرود البضائع ، المفاتيح ،

شاشيته ، حجرة التيمم . . . يفتر النشاط التجارى قرب الظهر فيأخذون فى حديث السياسة والاخبار

- رخصوا في معاليم اجراءات التجنيس ، واللى يحب يطورن يزيدوه فى شهريته الثلث

- شوف الاغراء ! - هذا جبر موش اغراء . فى الظاهر اللى يحب يطورن واللى يحب يقعد على دينه . اما في الحقيقة . كيف يحلو في الجنة ذراع للمتجنسين وينزلوا على  اللى محافظ على دينه سوط عذاب ، عاهدك بيها البلاد الكل طورنت . وحاجة اخرى ، هذيكه لا فيها اغراء ولا اختيار . يحبوا يجعلوا افريقيا الشمالية باقطارها الثلاثة ، ولاية وحدة . عليها حاكم واحد . يعنى مقاطعة فرنساوية .

- الله لا يوصلهم لهك النهار . ومسألة الخلافة الاسلامية . بالله آش صار فيها .

- آشكون ما زال لاهى بالخلافة . فى الحج الحرب قايمة بين ابن السعود والشريف حسين . وفي مصر الاحزاب تتناحر على الانتخابات النيابية . وكل فول لاهى فى سوسه .

يعودون بعد الظهر الى المنزل . فيدخل عم رشيد الى داره ويطلع مع أبيه الى الغرفة . فيجدانها مرتبة ، نظيفة . المائدة مبسوطة . فيفطران ويسكنا إلى فر اشيهما للقيلولة . فينتظر حتى ينام ابوه ويستل . وينزل الى الدار فيجدهن يطرزن على قراقفهن فى البرطال ، تجاه خصة من الرخام . فكانت تكلف بإجراجه . فلا تناديه الا (( يا نصف راجل )) وتطلب منه ان يأ تيها بالهدايا ، على انه زوجها فيحتار . فيضحكن من حيرته . ورغم ذلك ، كان يقصدها وحدها ، دون اخواتها . فهى تبدل ثيابه وتدس فى جيبه التحف والفواكه . واليها يفزع عند نوائبه الصغيرة . تؤلمه وتأسوه . ومنها يستعذب كل شىء .

لم يجدهن مرة . فذهب الى الخصة . ووقف يتفرج على محابس القرنفل المحيطة بها وعلى سميكات حمراء تلعب فى مائها . ثم راح يستكشف ويطلع .

وجدها فى المطبخ . خالية الى نفسها . وبين يديها احدى محلات اخيها تتهجاها .

- ايجا صادق ، قل لى شنوة ها الحرف ؟ (1) ارتفعت معنوياته . واحس بنخوة . هذا ميدان يفوقها فيه . اخذ يريها الاحرف . ويراجعها كلما اخطات . ثم ، عن لها ان تعاكسه . فلا تأخذ باشاراته لما داخله من زهو . استمرت تقرأ ، كما ترى . فيغضب . فتسترضيه ويضحكان عما وجدا من معان غريبة ، تتألف من اغلاطها . ثم طلبته ان يأتى لها بكتاب تهجئة .

- وما تقول لحتى حد . سمعت ، يعيش خويا (2) .

ودار الفلك دورات عديدة . مات الابوان . وانقطعت العلاقة بين العائلتين . ودخل العاصمة ، ثانية شابا فى عنفوانه ، يطلب العلم . فأقام بالمدرسة . وانقضت سنواته بين الدرس بجامع الزيتونة ونوادى الحركة الوطنية .

وكانت مهمته التعريف بالقضية التونسية فى صحافة الشرق . والتشهير بالاستعمار . وكشف فظائعه بما لا يمكن نشره فى بلاد سيطر الباغى عليها . وخنق انفاسها . فكانت لمقالاته ، فى الاوساط المثقفة ، رنة وصدى .

ولم يعد يذ كر ايام دار عم رشيد الا كحلم عابر من احلام الصبا . ذهب حيثما ذهب الدهر . الى ان جمعه وعمر اجتماع دستورى .

فألح عليه فى مرافقته الى الحانوت ، حيث انتصب خلفا عن أبيه . وتذاكرا ما خلا من الايام .

- نفيسة ؟ يا حسرة عليها لو كان تراها ما عادش تعقلها اخوتها الكل عرسوا . وانا زاده تزوجت ، وتوة بصغيراتى . وهي قاعدة كيف ما تعرفها (3)

- باقى ترد في الخطاب ؟ (1) . - يا ليته ! مرضت مسكينة ، وما عادش متاع زواج (2) سكنت فى العلى اللى تعرفه وهانى متحمل حملى وحملها . ثم انتقل به الى حديث الحركة . واسر له رأيا ارتآه ، فى غاية الخطورة ولم يتفطن اليه احد .

- صلاة الامة بكلها باطلة ! وابتعد ينظر وقع الفكرة على المسكين . - كيف ذلك ؟ - اينعم ! صلاتنا ابياتنا من قبلنا بكلهة مشات كرفى (3) . - ياللداهية ! - ها وتوة نقرب لك . ثماش ما تفهم . نعرفك ذكى . منذ الثاني عشر من شهر ماى سنة 1881 الموافق لذى الحجة 1298 ، صلاة الأمة الكل باطله !

وبعد ان بلغت دهشة صاحبه مبلغها ، ابتسم وقال فى هدوء : - في هاك التاريخ ، بلادنا وقع احتلالها . فهى مغتصبة . وسكت . بقى الصادق ينظر وينتظر - ولا تصح الصلاة فى الارض المغتصبة . اجبد عليها ! (4) . وصفق له كفه فى مصافحة مدوية . وتابع : - ولذا ، فأول واجب على المسلم ، تحرير ارضه . انا مثلا ما عادش نصلى . أشنية الفائدة ؟ كان ربى حن علينا بالاستقلال ، نقضى الكل .

وقال انه يريد ان يعقد فى ذلك فصلا . والتمس منه المساعدة فى تحريره ونشره . اما اقوال الفقهاء ، فهى لديه حاضرة . واما صياغتها فى مقال ، فداك  موضوع المساعدة . ودعاه الى تناول الغداء .

منذ زمن ، اقتصر تفكيره ، فى الجنس المقابل على خطيبة وعدوه بها فى قريته . لا يعرفها ، ولكنه يجعل الضمير اليها كلما تغنى بشعر الغزلين ، فى شواهد النحو .

دخل يعيد النظر في اماكن شهدت فترة من صباه . الدار باقية على حالها . البرطال ، الغرف المتقابلة ، الخصة . لم يجد القرنفل ولا السميكات . ثم انها بدت له ، اصغر مما فى خياله . اصغر واقل حسنا .

وضعت السفرة فى بيت عم رشيد ، رحمه الله ، فجلس يستمع الى حديث عمر .

- شوف سى الصادق ، قلت نعمل العنوان (( تنبيه الغافلين )) وكلمة اخرى توفى بالاين . - نور اليقين فى تنبيه الغافلين . - لا ، نور اليقين نعرفه اسم كتاب . - هات اقوال الفقهاء . والعنوان يجى من بعد .

- هكة نحبك تطل على ساعة ساعة . آشكون عندى ؟ ما يجيني حد (1) واستقبلته فى شوق الاخت الحبيبة . شتان ما بين من عرف ، وهذه ، فماذا تفعل العلة بالورود ! ذبلت وارتخت بشرتها . واستحال بياضها الازهر الى بياض سوسنى باهت .

تهكمت عليه كما كان شأنها . وضحكت ضحكة من ضحكات الماضى . ولاح بعينيها بريق ، ما فتئ ان اصطبغ بمسحة حزن .

- نسيت هاك الوليد اللى كنت نطيرها له وهو يبدا يغزل وانا نضحك عليه ؟ (2) . ابتسم ابتسامة الصفح عن كل اساءاتها البريئة . وسألها لم احتجبت عنه لما قدم مع اخيها لتحرير المقالة ؟

- قلت هذه ما عادش تعرفنى . وندمت اللى جيت (1) . - يا غلبة ! هاك اللى ما زال ! (2) . وقالت انها لم تفعل ذلك امتناعا ، او تجنيا . كما كانت تفعل ، وانما صارت تستر ما فعل بها المرض . حامدة الله تعالى ، على بقائها عالة على  اخيها .

سألها باحتشام ، عن ذاتها ، هل تفكر فى الزواج ؟ فكشفت له عن ساعديها ، فاذا هما اضعف بقليل مما ينبغى .

- أشكون ما زال يرضى بى . وانا نجم نقوم براجل واولاد ودار ؟ ذكرتهافت الخطاب عليها . واسف لاعتباراتهم الدنيئة ظنا منه انهم انقطعوا عند نكبتها . ضحكت وقالت : - زادوا يا وخى ! واتمت فى حزن : - جايبهم الطمع .

- نفيسة ، يا نفيسة . هيا تراه . شد ها القناوية المحنونة ، وفوح وطيب وميل رأسك . وهاو الصادق باش يفطر معانا .

خرجت من المطبخ ، وقد رفعت ذيل فوطتها وعقدته على جنبها . واقبلت عليهما باسمه . تميس ميسانا . فكان لوقع قبقابها على الرخام ، اعذب موسيقى فى اذنه .

أخذت القرطاس وهى تنظر نظر السؤال . فتكلم الصادق . - هذيكه قناوية وطنية . اذا تعرف بعض المخاوزين ابعث له منها غرفة ، يصبح وطنى صميم . جاءت لهما بكرسيين ووقفت تستفهم . قال عمر :

- خلينى نسلت عرق الغلبة ! (1) وارتمي على احد الكراسى وتابع موجها خطابه الى الصادق - انا ما زلت نتبعك ؟  (2) - فهموني آشنية قصتها ها القناوية ؟ - يا للا انا فى الحانوت . وجانى سى الشباب قال لى : ها هو نص المنشور باش تخرج منه نسخ بالمطبعة الحجرية . قمت ومشيت معاه . وصلنا للمدرسة الراجل زاد القدام . خزرت ، غمزنى ، نشوف ها الزوز رجال يتبعوا فينا

- يا غلبة ! بوليسية  (3) - اينعم يا للا ! بوليسية سرتى (4) اغرب الصادق فى الضحك وهو ينظر اليه . مصفر الوجه مضطرب اليدين : - نقول لنفسى يا عمر قيلك من ها الدعازق . وهى هى ما نتهناش . ان شاء الله العاقبة خير  (5)

وهو - وامثاله كثيرون - من الوطنيين الجبناء . يخاف المسؤوليات ، لكنه لا يلبث ان يعود . لان بدماغه دودة لا تمهل به ، عند الظروف الحرجة . تلك الدودة التى عناها المجاهد الاكبر ، أول امره ، لما كان يجوب البوادى والقرى على سيارته القديمة ، ويحيى ما استكان من الهمم .

اراد احد الشواشية ، بالبركة - وكان من اقارب اسرته - ان يعظه : - يا سى الحبيب ، تبارك الله ، تمت قرايتك ، وخذيت شهايدك وجا وجهك للضو . وما يخفاكش آش تعبو عليك اهلك باش وصلت ها الدرجة . اما خير تفتح بيروك وتخدم على روحك والا تقعد تعمل فى ها الشئ هذا . الله يهديك . ياخي اليد تعاند الاشفى . هذه دولة عندها الطيارات والمدافع والاطناك . وانت آش عندك ؟

فحدق فيه ، بنظرته الثاقبة ، وأجابه : - انا عندى الدود .

وشرح لبلاهته المحملقة : - اللى يسمعنى تتحط فى وذنه دودة . تقعد تنغمش . وهو يكلم ولده ، وخوه ، وولد عمه ، وجاره . واللي تتحط له دودة ، ما يرتاح الا ما تخرج هاك الدولة اللى عندها الطيارات والمدافع والاطناك . . . (1)

فدودة سى عمر تتناجز وجبنه . فيهجم تارة ويحجم اخرى . قال انه استمر يتبع الصادق . ومن ورائهما عونا البوليس وفي سوق البلاط ، وقف الصادق على خضار يشترى القناوية وفى سباط الزيات ، اوقفهما البوليس وساقهما الى المركز .

- انا متهنى . ما عندى شئ . اما خايف على الطفل . بعينى رأيت المنشور وراه لى فى الحانوت ، نشوف فى الراجل هازز يديه . متهنى ، لاباس عليه . وهم يفركسوا . شئ مالقاو . خرجنا . يصبح يرجع لسوق البلاط ويجبد الوريقة من تحت طبق القناوية .

وضحكوا ، وعلقوا ، وتندروا . وكانت اكثرهم نشوة وشعورا بالانتصار ، وعادت الى وجهها نضرة الشباب فجعل ينظر اليها . فاذا جمالها لم يكن جمال تقاطيع وانما هو جمال النفس .

عاد الى البيت . زميله سى بوبكر يطبخ التاى ورفيق آخر ، يلبس بلوزة ، وعلى رأسه شاشية مشرومة يقلب بين يديه آلات حديدية . سأله :

- تعديت ورآيت ؟ - رأيت البلايص ونعرف شغلى (2) . وناوله الآلات . فأخذ يرتبها فى محفظته . بينما انهمك الآخر يصلح احداها باسنانه البارزة .

لم يكن من فئة الطلبة . وانما كان يغشى اوساطهم من حين لآخر . للفكاهة والانس . كما كان يغشى اوساطا اخرى لاغراض اخرى ، دون ان ينتمى لاحدها .

فقد هرب من المكتب حيث وضعته الارملة أمه . وهرب من دكان النجار ومن دكان الحجام حيث وضعته صانعا . ولم يثبت فى مكان . فهو من نوع لا يصلح لشئ بعينه ، ويصلح لكل شىء . فزيادة على اختصاصات اختص بها ، كتقليد الناس والخط الجميل وانتشال محافظ الافرنج ، فموهبته الكبرى هى الاقناع . والتظاهر بما يريد . تجده احيانا اعور واحيانا اعرج . فيحتفظ بعوره او عرجه ، ان اقتضى الحال ، اياما واسابيع . مبدؤه الثورة على الاوضاع واذا ما تمت له الثورة يثور عليها

يعرفون عنه انه أقام لدى اسرة ، عدة اشهر فى صفة مغربى عاقته الاسباب عن الحج . واقام لدى اسرة اخرى كذلك اياما ، على انه ايطالى اسلم .

واذا ما طلبت نفسه الاستقرار ، ينتصب فى الاسواق ، يبلع مساحيق صنعها بنفسه ، من مواد تافهة ، على انها ادواء للامراض السرية . . . وكثيرا ما يعود اليه حرفاؤه ، يستزيدون ويشهدون بنجاعتها .

اخذ الصادق كأس تاي . واشعل سيقارة . ونظر من نافذة البيت الى سطوح المدينة ، يتأمل . وجعل سى بوبكر يزيد الماء ويرجع البراد الى النار ويسقي الجماعة اكؤسا ، ما فتئت ان استحالت الى ماء بالسكر ، وهم يحتسون وينتظرون الساعة

وعندما توسط الليل ، خرج يحمل محفظته وراء رفيقه . وصلا الى الساحة . المصابيح تشع ضياء فاتزا . وسمطا سكة الترمفاى يلصفان ، ممددين ، موغلين فى ظلام الشارع . رأيا عون البوليس من خلف . على اكتافه عباءته ، وهو يذرع الشارع جيئة وذهابا . فتابعا طريقهما حتى توسطا طرقا مشتبكة ، أخرج ضمة من الآلات وناولها صاحبه . فامسك مفتاح الانقليز باسنانه ووضع المربوع والرباط في جيبه . واثبت اصابع رجله فى حرف الجدار وبدأ التسلق . عثر ، فشعر بجزع قطع عنه التنفس . انصت ، لا شئ . النسمة تسوق ورقة على الاسفلت . فكر لو يعثر عليه فى هذا الوضع ، فيلقى عليه القبض ، سبهللا فتشجع وهان عليه الخطر وتابع ، مسرعا ، تسلقه .

تجرحت اكفه وانسلخت ركبتاه . ارتطم الكلاب بالصفيحة فاحدث قرقعة مريعة . ورشح العرق من جبينه ، وسال على جانبى وجهه . فمسحه بكمه . التفت ونظر تحته ، الصادق هادىء . ينظر الى طرف الشارع . فسمى باسم الله وانشأ يعمل بثبات .

ومن الغد ، اصبحت عدة من الصفائح الجديدة للانهج ، التى شاءت البلدية ان تجعل حروفها العربية تحت الحروف الافرنجية ، منتزعة من اماكنها ، ملقاة فى ناحية من الشارع .

في سقيفة المدرسة ، القى عليه القبض بالطف ما يكون . اراد ان يقاوم . فنصحه عونا البوليس بعدم التهريج لئلا يضطرا الى القيد .

ادخلاه دهليزا ، فى مركز فندق الفول . ودفعاه الى عملاقين نزعا ملابسه العليا . وربطا يديه فى حبل مشدود الى السقف وانهالا عليه ضربا بالنافعة حتى اغمى عليه . فجراه الى حجرة بها سكارى يتغازلون ، من وراء الجدار مع مومسات ، بحجرة مجاورة ويتبادلون الفحش وبذىء الكلام . فالقى به هناك . ولبث فى ركنه الى الصباح .

سبق الى مكتب الحاكم الفرنسى . فتكلم عن مبادئ مشروعة ، يعلمها كل متحضر . مبادئ جاءت بها كل الشرائع السماوية والوضعية . وقامت عليها الثورة الفرنسية نفسها . فكان يتكلم بصدق فى اللهجة وحماس مخلص رأى وقعهما فى نفس الحاكم . الذي كان ينصت اليه باهتمام وهو يشبك اصابعه ويحك يديه ، ثم نظر اليه مليا ونصحه بان يذر التشويش ويتابع تعلمه . وان هذا الامر من شأن الكبار . واما الشبان فواجبهم يتلخص فى تكوين انفسهم اولا . ثم ينظرون . وانه مطلقه الآن وليحاذر ان يقع فى مثلها وتبعه الى الباب .

اعترضته وعانقته وقبلته . ذكر لها ما جرى . وأراها آثار الضرب . - اسم الله عليك . يعطيهم كسرة فى ايديهم (1) وامرت يدها على الرضوض ، تكمدها . واحضرت زيتا حاميا ، وجعلت تدلكه .

- لو كان رآيت الليلة اللى تعدات على . ما عرفت وآين نقبل . الله لا نعطينا ما يغلبنا . انت عارف آش صاير لك . اما انا بايته ، اللى يقل لك . على الجمر نتقلى . يا ربي وآين هزوه ؟ آش عملوله ؟ آش صارله ؟

- آش تحب تعمل . الحركة ميش كلام فارغ . كليت طريحة وها آنى روحت - ربى معاك - المجلس الملى قرر مظاهرة كبيرة . نهار ثمانية افريل - رد بالك ، يعيش خويا - شئ . ما ناش فاكين . حتى نحصل على مطالبنا . - ربى ينصرنا احس دفأها وحنانها . وتذكر هول ما رأى البارحة ، فأخذته رعدة الحمى . واسند رأسه الى صدرها . - كيف تبدا ورايا ، الدنيا نقلبها . وضمها اليه وحاول تقبيلها . - وه ! وه ! وه ! (1) - آشكون عندى . اماله ما عندى حد . فضمته برفق . وهمست فى اذنه - وانا شكون عندى يا عزيزى . مانى نخاف عليك عندى نصيف راجل . ربى يخليهولى .

دخل عمر واخبر انهم يتعقبون الوطنيين ويفتشون النوادى والمدارس . امتقع لونه . وقال ان ببيته مناشير وسلاحا . فأشار عليه باتلاف ذلك . وان يقيم عندهم هذه الايام . نظر اليها . فلم ير منها انكارا . وبعد ان خرج الاخ سألها : - آش نعمل ؟ - كيف ما قال لك . ايجا لهونى . - والمناشير والسلاح وقماش اللافتات ؟ - و آين حاطهم ؟ (2) . - شئ فى المحفظة وشئ تحت الفرش - اللى تخاف عليه . جيبه لى (3) .

قضيا العشية فى جيئة وذهاب بين المدرسة والنادى والعلى . يحملان القماش وقوارير الحبر وآلة الطباعة والورق والمناشير ومسودات مقالاته . سألته عن رفيقه : - هذاكة اشتبك حوس . - شنوة اشتبك حوس ؟ - موش اسمى . انا اسمى علالة ، اما الاولاد . . . باش يفدلكوا . - على خاطر يشبكها ويمشى يحوس (1) . - شبيه ديما يضحك ؟ - سنيه خارجه . يظهر يضحك حتى كيف يبدأ متغشش. استظرفته . وجعلت تمازحهما . فتكلم لها كلام الايطالى الذى اسلم ومشى مشية الاعرج وقام بالعاب سحرية . كأن يدخل البيضة من فمه ويخرجها من دبره .

اصلحت لهما بدلتى الشبيبة اللتين سيرتديانها من الغد وساعدتهما على كتابة اللافتة وباتوا يتذاكرون ماذا ستكون عليه المظاهرة . قال ان نساء كثيرات سيشاركن : - لا شبينا وخيتى ، احنا اعز من الرجال ، اماله نخليو النصارى تغلبنا ؟ يكب والله سعودهم (2) .

لم يرض الشعب بالاحتلال البتة . ولبث يقاوم كالجسم السليم الذي اصيب بجرثومة دخيلة ، ومرت المقاومة بمراحل . فمرحلة الدهشة ، ثم يقظة النخبة والكتابة فى الجرايد ومقاطعة البضائع الاجنبية ، ثم رجعت فتية أخذوا منطق المحتل من منهله . فجادلوه بالتى احسن وأفهموه بحججه . فقيل لهم (( انكم لا تمثلون الا انفسكم . واما مواطنوكم ، فانهم شعب بدائى . لا يعرف الانتفاع بما تطالبون )) .

واحتجوا ببرقيات التأييد التى ترد عليهم من عملائهم . فأذن الزعيم بحلول مرحلة العمل المباشر . وايقاظ الشعب باسره . فنزل القادة الى الشارع .

واقاموا الدليل على انهم يمثلون الشعب . وان الشعب جدير بمطالبه . فبدا للمستعمر ان يعجم هذه الاعواد واذن بالقمع والسجن والنفى . فكان الشعب بخرج من كل ذلك اشد صلابة واوفر كرامة وانصارا ووسائل .

وتعنت الاستعمار . واستمات الشعب واحتدمت الاحداث .

قام احرار بنزرت بمظاهرة . فالقى القبض على قادتها . فقام آخرون بمظاهرة اكبر ، بعد ثلاثة ايام . اسفرت عن قتلى وجرحى ، ثم اضرب احد عشر ألف عامل . وانعقد المجلس الملى واعلن الزعيم الكفاح . وشاءت الظروف ان تعتل صحته الغالية . فتعلقت همة الشعب بأن يقوم بماعاهد عليه زعيمه . ويسلك ما اوصاه به من قوة وتكتل فى رصانة وامتثال .

انعقدت الاجتماعات . وتعينت مظاهرة بالعاصمة ، مظاهرة جبارة ، عامة ، شاملة ، ذات شعبتين تنطلق احداهما من الحلفاوين والاخرى من رحبة الغنم . ويلتقيان في ساحة السفارة . وتعينت طرق المظاهرة وتقررت تفاصيلها . واضطلعت الكشافة والشبيبة بحفظ النظام .

فى اليوم الثامن من افريل سنة 1938 ، اصبحت المدينة فى سكون رهيب . الاضراب عام كامل . الوجوه متهللة بنور الحماس . وزمر الشبيبة تجوب الشوارع والساحات يستنفرون الوطنيين ويستنهضون الهمم . والقوات الاستعمارية تشتت التجمعات . فترفض من هنا وتتجمع هناك . وكلما دخلت زمرة من الشبيبة حيا ، يستقبلهم الاهالى بالهتاف والزغاريد .

فى الزرارعية ، تجمعت ثلة من الشبان فى الزى الكشفى يصفقون ويهتفون . - برلمان تونسى (1) . - يسقط الاستعمار فخرج اليهم اعوان البوليس . - سنفرك آذانكم قليلا ايها البيكو فلم يتمالك احد الشبان من الصراخ فى وجوههم ، وسبهم بقوله :

- يحيى بورقيبة ! وصاح آخر : - تسقط فرانسا ! فتكاثرت عليهم الاعوان من كل صوب وساقوهم الى فندق الفول . وفى باب النارة . اشتبك شابان مع البوليس ورفضا المرور وعاكساهم وتخلصا منهم فرارا . وتزايدت القوات الاستعمارية . وقامت الاجتماعات فى مختلف الاحياء . فمن خطيب يحاسب الاستعمار ومن مقرىء يتلو آيات الجهاد ومن منشد ينادى :

نموت ، نموت ، ويحيا الوطن

وانتصب رجال البوليس والجندرمة فى الانهج المقررة لمرور المظاهرة . ونزل الجيش الى باب البحر ومدت الاسلاك الشائكة حول السفارة .

وكان يسمع للمدينة هدير كهدير البحر الهائج . وعند الظهر تحركت الخلائق من الحلفاوين ومن رحبة الغنم . وظهرت الطلائع فى باب البحر ، من الزرارعية ومن نهج الجزيرة . فانضم بعضها الى بعض امام (( البياصة )) وامتزجت واعتدلت . ولاول مرة فى تاريخ الحركة : تختلط سفاسر النساء بحبائب الرجال والاعلام تخفق واسطر اللافتات فوق السمط الجبار تنادى بالعربية والفرنسية :

(( برلمان تونسى )) (( السلطة للتونسيين )) (( تسقط الامتيازات ))

واحاطت الشبيبة والكشافة بكتلة الجمهور . وامتدت السواعد . وتقابضت الايدى ، ماسكة تلاطمه والهتاف والزغاريد بالغ عنان السماء .

وتوجهت ، عظيمة ، جبارة . وصلت امام السفارة . وملأت الارجاء دون ان يخرج واحد عن سلسلة السواعد الشابة .

واعتلى الزعماء الاكتاف . وخطبوا . فاعلموا الشعب ان مطالبه بلغت . واهابوا به ان يقيم الدليل ، بهدوئه ، على جدارته بهذه المطالب . وانه قادر على التحصيل عليها بطرق الشعوب الرشيدة .

وما وجدت القوات الاستعمارية مجالا للتدخل ، اذ كان الشعب باسره ، ممتثلا ، فى عزة واباء ، لاوامر شبيبته التى يرى فيها بذرة جيشه المقبل ومحافظته المستقلة

وانحلت المظاهرة . وتفيأ الناس . وابتلع كل شارع نصيبه . لكن احساس ملح كان يجتلبهم الى النادى ، بنهج سيدى ابراهيم فرأى الزعماء ان لامناص من كلمة فى بطحاء خير الدين .

فصعد المنجى سليم على ظهر سيارة واعقبه علاله البلهوان ، فخاطب الشعب بما زاد فى نخوته . . . كفى لعبا .

ان البلاد مريضة وليس بشرب الماء تنطفئ الحمى

وتسلق عصمان المصور السطح يخلد بعدسته ، للاجيال المقبلة ، انتفاضاتهم المجيدة . وارفض الجمع ، يهنئون بعضهم بالهدوء والنظام ونجاح المظاهرة . وهم يمزحون لانزلاق طربوش زعيم الشباب الى الوراء فيضربه ويرجعه على جبينه . ويحاكون نطق الزعيم المحبوب بزهو واعجاب .

خرج ، الصادق ، من الغد ، قاصدا المدرسة فوجد سى بوبكر لا يزال تحت الغطاء . - آشنية الاخبار ؟ - نستنى فيك تجيبش جرايد . لكن للجرائد اثمان . والطلبة معروفون بالافلاس . قام سى بوبكر ينظر هل من قهوة ، فلم يجد السكر . وارتأى ان هذا اليوم ، يوم عيد ، يجب الاحتفال به باعداد اكلة دسمة واشتراء قارورة معتقة . ونظر الى فراشه نظرة مضرة وقال :

- الصيف جاء . وها الغطاء الكل ما عادش به فايدة . مد هاك البطانية نبيعها للجربى ونحل باب الفرج .

واخرج من تحت السدة قوارير بالطرشى والكبار والليمون والزيتون . وقال : - هاك الف لنا من ها الدبابيز سلاطة مليجة . وشعل الكانون وهانى جيتك

رجع يخبران المدينة مقفلة . وان اعوان البوليس يتجولون وعلى رؤوسهم الخوذات وبأيديهم الرشاشات . وعند الضحى ، دخل اشتبك حوس واخبرانه القى القبض على جماعة اخرى من الزعماء . وبدأت الاشاعات تتوالى . وخرج الطلبة للاخبار ، مهتاجى العواطف ، متوترى الاعصاب وشاعت بين احياء المدينة وفى الاسواق . - ضربوا الحصار - الزعماء تشدوا

ثم بلغهم ان الطاهر صفر لدى الهادى الاخوة ، الوزير الاكبر . فتجمعت الوفود امام دار الباى . وخاضت فى تسآل وتجواب . لم يقفوا على جلية الامر وسرى همس ارتفع الى غوغاء - غدروا ! - نكث الاستعماريون عهدهم  . - الى دار الزعيم ، الى رحبة الغنم  . - يحى بورقيبة !

وانتشر الفتيان يحملون الخبر الى مختلف احياء المدينة . فى باب النارة ، همز الصادق سى بوبكر بمرفقه ، وكان اعشى ، فالتفت ، فأراه معلقة بالجدار ، بها قرار من القيادة العليا لجيش الاحتلال وبركنيها العلويين علمان فرنسى وتونسى . وشاءت سخافة العلج الذي صففها . أن يجعل العلم التونسى منكسا والعلم الفرنسى اقعس .

تغير وجها الشابين . نكث العهد . تبحح بالقوة المسلحة ، التى ليس لنا مثلها . القاء القبض على القادة ، ثم توافه من الاهانات ، لا غاية منها سوى جرح العواطف . كتلك او اعتلاء حروفهم على الحروف العربية او ذلك النصب الذى يمثل قسا ما سكا بصليبه امام مدخل المدينة ، موليا وجهه للبحر ومستدبرا جامع الزيتونة . وما دروا ان وضع الحجر الاساسى لذلك النصب قد زعزع حجر الاساس للاستعمار من جميع البلاد .

توافه ! لكنها الهيت العواطف واحجتها . كالحصاة التى تدفعها النملة . فينهار لها البناء المشمخر .

اجل ، لو كان انف كليو بطرة اقصر ، لتغير وجه التاريخ !

اغتصاب الارض التجمل بالعمل البخس ، غبن الحقوق ، قد يجدون له من المبررات السفسطائية او القدرية . واما هاته ففيها اهانة ، ولا مبرر للاهانة .

هرعت الجموع . واحتشدت فى رحبة الغنم . امتازت الزيتونة بحماس الطلبة وامتازت الصادقية بحماس الاساتذة . صعد احدهم فوق البوال وانطلق يتكلم والوجوه ، حوله تصغى ، والعيون تبرق والمراجل فى الصدور تغلى .

كان اجتماع هذه الامة ، بزعمائها الشبان حول دار المجاهد الاكبر ، وقد سخر منهم المحتل وقهرهم بقوته الغاشمة . كاجتماع الصبية العزل حول أبيهم المريض ، لائذين به من الباغى الاثيم .

والشعور بالضعف اكبر محرض للطاقات الكامنة . فاستعرت فى الجماهير حمية طغت على جميع الاعتبارات . يعلمون انهم يلقون بانفسهم الى التهلكة ، والقوا فالمسألة مسألة كرامة بعد ان كانت مسألة حقوق . ولا حساب مع الكرامة .

فى باب جديد رجل يجرى ويقول : - علالة البلهوان والمنجى سليم تشدوا . وآخر يصيح : - الجهاد فى سبيل الله ! عزق قلبه . حان وقت اليقين . وحلت الموقعة التى ستفصل بين الثر ثارين واولى العزم . ذكر وجوب انتزاع الاولاد من ايدى الكفرة الفجرة . فذهب يأخذ سلاحه .

. . . ارادت ان تبقى عليه فى مثل ذلك اليوم . فرأته قد استاء . فجعلت تلتمس التعلات : - استنى . - آش نستنى ؟

- استنى عمر . عيش خويا . واعمل رأى انت وأياه ، تجرى لكش حاجة ، الريح البرة(1) . واهلك مهنين بينا ، آش يقولوا ؟

- مالى ومالعمر ومالاهلى . انت اعزما عندى فى الدنيا ، هاك قدامى . آش ما زال ؟ تأخرت قليلا . وفتحت فيه عينيها وقالت : - وه ! (2) آش معنى ها الكلام ؟ - معناه نحبك ، نحبك ، نحبك ، فهمت توة . - وه ! - نعبدك . - ما نحبش اللعب رانى ! - آم لعب ؟ تحبش نخطبك من خوك ، ترضاش بي ناخذك قدام ربى والعباد . - انا محسوبة اختك . واكبر منك . - آش عندى فيك . ارتجفت شفتاها ، واصفر وجهها واعادت : - بجدك والا تلعب ؟ رانى ما نحبش اللعب . نظر اليها شزرا . - اللى يكلم فيك يعرفك ويحبك ويجلك . قولى ايه وأخذ رأسها وحركه باشارة الايجاب . فتدفق كل دمها الى وجهها . وابتسمت له ابتسامة رأي فيها اعماق روحها . انحنى يقبلها ثم : - المحفظة .

جرى الكر والفر من الحلفاوين الى رحبة الغنم . ومن باب البحر الى القصبة . وهرع فتيان باب سعدون وسيدى محرز والمدينة والاسواق . واتجاه الجميع (( التريبونال )) وقد احاطت به قوات الجندرمة والبوليس . واندلعت الخلائق افواجا من الاسواق وباب الجزيرة وباب بنات . واندفعوا على السياج . وبدأ الضرب بمؤخرات البنادق . وبدأ القذف بالحجارة . وانقلب الوطنيون على السيارات تحطيما وتهشيما .

- العسكر ، العسكر ! وظهر جند الزواف . مصوبين بنادقهم حيث اثبتوا الخناجر واحاطوا بقصر العدالة .

اول من استشهد ، بائع الكعك ، ذاك الذى ينصب طبقه فى باب العلوج . والذى يكنى ب (( المحروق )) لالتصاق ذقنه بصدره من اثر حرق قديم .

كأنما عصفت العاصفة . فانهالت الاحجار والعصى على الجند والبوليس وظهرت شرذمة من نهج الرئيس جعيط . فتسلقوا السياج . وما ان قفز الصادق فى الساحة ، حتى احس بنخزة خنجر الجندى في ظهره . فأهوى اشتبك حوس ، بخشبة ، على رأس الجندى . واغتنم الصادق ذهول له فانتزع منه البندقية وجرى نحو سباط الظلام .

واندفعت جماعة اخرى على عربة ترمفاى . فحطموا زجاجها واضرموا فيها النار . واختلطوا ساعة من نهار .

اعتصم الوطنيون بالشوارع الخلفية . يقومون بغارات متوالية . يدوسون الزجاج المكسور ، وبأيديهم حطام الابواب وقضبان الحديد والسوائل المحرقة يهشمون السيارات وعربات الترمفاى ويختفون تاركين بعض الجثث ويخرج فوج آخر يحمل تلك الجثث ويطلق عيارات نارية ويولى ، تاركا جثثا اخرى .

ولم تفتر المقاومة ، حتى اضطرت الادارات الى الاستنجاد بعربات الجيش عند خروج موظفيها .

واشتد الحصار واقفرت المدينة ورابطت القوات برشاشاتها امام المبانى الحكومية . وانتصب الجيش والبوليس وفرسان الجندرمة بساحة باب سويقة ، حول عربة ترمفاى محروقة ، كأنها جمجمة حيوان ما قبل التاريخ .

انتظرته الى العشاء . ثم خرجت . حاصرت كوكبات الجيش جميع الساحات . واسندت بنادقها فى مثلثات هرمية وخيمت . وبات الحرس المتجول يخترقون الشوارع على دراجاتهم النارية يوقفون المارة ويفتشون الدور .

رأت سيارة بوليس مملوءة وطنيين . وصلت بطحاء رمضان باى . وجدت النور فى بعض الحوانيت . مالت الى احداها . سمعتهم يذكرون من استشهد ومن القى عليه القبض وكم مات من الجنود . علمت ان النادى احتله الجيش والمقبوض عليهم فى فندق الفول ، فارتدت ، متوجهة الى باب البحر .

مرت امام كوكبة مخيمة بالبياصة . فهمت انهم يتخاطبون فى شأنها . فخفت خطاها . زعق بها احدهم ، وتقدم يفتشها . رفع يديها ، فوقعت اللحفة فاحست بالموت ، وكادت ان تخونها ركباتها . وصلت الايدى العابثة الى موضع جعلها تصفعه ، غير مبالية . فعاجلها بضربة من حذائه على عجزها ، انكبت لها . وقامت فارة بنفسها .

امتلا فندق الفول بالوطنيين . رأت (( اشتبك حوس )) مكبلة يداه فى جملة شبان يحشدونهم فى سيارة . فصاحت به :

- وآينه الصادق ؟ فأجابها ان آخر عهده به فى بير الحجار . . . ولم يتم كلامه اذ لطمه عون البوليس وزج به فى السيارة

وجدته فى مسجد نهج الباشا . مسجى مع اخوانه من الشهداء . على بشرته صفرة فاقعة ، غاضا من طرفه . كأنه فى نصف منام . فاغر الفم كأنه يبتسم .

منعوها من الارتماء عليه . واخرجها الوقاد . ومال بها الى الميضاة . - المرحوم يقرب لك ؟ فانعقد حلقها لهذه الرحمة التى لا رجاء بعدها . وأشارت ان نعم . فرفع غطاء الصهريج وناولها المحفظة مبللة ودفعها خارجا . فضمتها الى صدرها ومضت .

- 111 - ملات بصرها من برية الخضراء . نظرت الى بوقرنين المهيمن بسناميه الاغبرين على تلك البطاح ، بهضابها وغدرانها وبسط عشبها وباقات اشجارها فى جو يغمره سحاب كثيف بلا مطر . فلا هو برد ولا هو حر . هواء لين وضياء كضياء الحلم . واتجهت نحو البنائين .

فى طرف الصنوبر شبان ، فى سنه ، من الجنود التونسيين يتعلمون الرماية .

جمعت احطابا وحشيشا يابسا ، وقعدت فى جوف هضبة . كومت ذلك الحطب واخفت فيه المحفظة وقدحت وقيدة .

احدثت النار دخانا ازرق ، ما لبث ان تكاثف ، كأنه مكبوت انطلق من قمقم . وانبثقت عنه السنة صغيرة صفراء ، تصارع الهواء ، مرتعشة ، مترددة

غمرها شعور من الخشوع والتجلى ، لما رأت وشائح من الدخان ، متمزقة ، متلاحقة ، الى النصب . فطافت به هالات من البخور .

اقترب منها احد البنائين : - آش تعمل يا اميمتى ؟ - وليدى ، جيت ناخذ فى شوية نسمة ، بردت . - نسمة حية . عرض يديه للنار حينا ثم تركها وشانها ورجع الى اصحابه .

نظرت طويلا فى النار . طقطق الحشيش والسمار . فاشتد اللهب . وتقورت المحفظة وانفتحت عن اوراق بيضاء . فتمسحت بها الالسن ، متلمضه ، رشيقة ، مسلهبة . فاسود بياضها . واستحالت بدورها الى السنة نيرة ، والتحم بعضها ببعض واستفحلت وعلت تتسابق ، فى رقصات مائسه الى غاية فى العلا .

ذكرت ايدى الشبان ، فى المظاهرة تلك ، ايديهم ورؤوسهم تتعالى بالاعلام واللافتات ، تتعالى بالصراخ والهتاف . تتعالى هى ايضا ، الى غاية فى العلا .

حافظت على الشعلة ، ما استطاعت . فلماذا يستحيل ذلك الاتون الحار الى عدم الى فناء . تعهدته بالقش . لم تشأ ان يهدأ ذلك الحماس . ولو قدرت لغذته من نفسها . فيبقى شعلة الى ابد الآبدين . لكن تناقصت الالسن . تركت حمرا احمر هادئا . التقطت فتاتات من السمار . انتشرت حول الموقد فانشأت ومضات ذوت هى ايضا . وهمدت في كوم صغير من الرماد . لم يلبث ان برد بعد حين . فاغتمت لانطفائه وغمرها الياس .

وقامت نفس قوية من الريح . فعاودها الخشوع والتحل لما رأت الريح تحمل بعض الرماد الى ليقه النصب فيلتصق هناك .

انفتح امامها عالم علوى من النور والسكينة . رفعت عينيها الى السماء وهمست : - ياربى ، الحمد لله ! لم تعد فى عزلة . وما كانت فى يوم من الايام فى عزلة . صاح البناء : - هكة توة ! ربى يهديك يا اميمتى . - سامحنى وليدى . ها آني ماشية . وانثلج صدرها ، لما رأت الملعقة تمر عليه . فتثبته هناك ، الى الابد .

فالمتأمل فى النصب ، وهو سارية بسيطة ، ذات ثلاثة امتار تقريبا ، يعلوها هرم صغير ، يرى ، فى الاسمنت بقعة اغمق من البقية . ذلك اثر محفظة السمار .

اشترك في نشرتنا البريدية