بسم الله الرحمن الرحيم ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )
( انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون . ) صدق الله العظيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
نسأل الله تعالى ان يهبكم العون والتوفيق فيما ندبتكم له شعوبكم من عمل جليل ، وان يجعل اجتماعكم هذا سببا فى جمع كلمة الامة العربية الاسلامية وتوحيد صفها تجاه ما تتعرض له من اخطار .
ان رابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة تجد من واجبها ان تبسط امام مؤتمركم الجليل وجهة نظرها فى القضايا العامة التى تشغل بال المسنس فى مختلف اقطارهم ، التزاما منها بواجب النصح بين المؤمنين حكاما وشعوبا ، وامتثالا لامر الرسول الاعظم عليه الصلاة والسلام . اذ يقول : (الدين النصيحة ) قيل لمن يا رسول الله ؟ قال : ( الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ).
واننا نود ان نبدأ بمصارحة قادتنا الكبار بما يساور نفوسنا من قلق بالغ لما نشاهده فى مجتمعاتنا الاسلامية من ميل متزايد للتحلل من آداب الدين واحكام الشريعة والاتجاه لاقتباس التقاليد المنحرفة التى تشيع فى مجتمعات اجنبية ، تختلف عنا دينا وحضارة وتاريخا ، ولعل السبب
المباشر في شيوع هذه الفتنة هو اننا حين اخذنا نقتبس من الاجنبى ما توصل اليه من منجزات باهرة فى حقول العلم والصناعة لم نعمل فى ذات الوقت على ان تزداد امتنا استمساكا بما تحت يدها من تراث عظيم اشتمل عليه الكتاب الكريم والسنة المطهرة وتاريخ السلف الصالح . فكان ان بهرتنا المدنية الجديدة وغلبت رغبة التقليد فيما ينفع او يضر حتى اوشكت الشخصية الاسلامية ان تذوى تماما وتصبح الامة نهبا لكل مبدأ منحرف او عقيدة زائفة ولا يمكن ان تصاب امة فى صميم حياتها باخطر مما تتعرض له الامة الاسلامية اليوم . حيث يضيع الدين وتتلاشى الفضائل ويتنكر منها الابناء لتاريخ الاسلاف وامجادهم وان الاستقلال السياسي الذي توصلت اليه اكثر اقطارنا بعون الله لا يمكن ان تتأكد مناعته ويتحقق له الدوام الا اذا ارتكز على استقلال فكرى وتخطيط اجتماعي يتصل بديننا وتاريخنا وتراثنا ، وفي تقديرنا ان هذه القضية تحمل اعظم التحديات امام القادة والمفكرين وهى اشد خطرا واعمق من كافة القضايا السياسية التى تشغل اذهاننا لانها تشكل غزوا اجنبيا عاما هدفه احتلال عقول النشء ونفوسهم وتسخيرهم لهدم مقومات الامة واسباب منعتها حتى تستسلم فى النهاية لكل ما يريده الاعداء .
اننا نناشد قادتنا ان يولوا هذا الامر ما يستحقه من اهتمام كبير فيتدارسوا ممكنات التعاون بينهم وبين سائر الدول الاسلامية فى انشاء المجامع العلمية الاسلامية التى
تعنى بالتخطيط الفكرى والبناء الاجتماعي على اسس اسلامية صحيحة وفي عقد المؤتمرات الفنية المختصة لتوحيد مناهج التعليم حتى تأتي منسجمة مع ما يدعو اليه الدين الحنيف ، وفي تنظيم وسائل الاعلام والنشر المختلفة والتحكم فيها بحيث تكون وسيلة لترويج الفضائل واساعة الخير ، ودعم اسباب التعارف والتعاون بين الشعوب الاسلامية .
ان مؤتمركم العتيد هو محاولة مشكورة تسجلها لكم شعوبكم بالتقدير والاعتزاز حيث تعملون على تنظيم المجموعة العربية وانهاء اسباب التنازع فيما بينها ، وتنسيق جهودها وطاقاتها لتكون قادرة على حمل مسؤولياتها وتبعاتها . وهذا الاتجاه المحمود اصبح ضرورة ملحة بعد ان وضح تماما ان الخلافات التى كانت سائدة بين الدول العربية قد اضرت بالقضايا العامة ، واساءت الى سمعة الامة بين سائر الامم . غير اننا نود ان نلفت النظر إلى ان هذه المحاولات قد استغلت من جانب المستعمرين والناقمين ، على الاسلام وحاولوا تصويرها أمام الشعوب الاسلامية غير العربية وكأنها اتجاه للانسلاخ من الاسلام ، والتنكر للرابطة الدينية التى تجمع العرب وغير العرب وفي ذلك ما فيه من خطر اكيد على وحدة الامة الاسلامية فى الحاضر والمستقبل.
اننا نرجو ان يصدر عن مؤتمركم ما يؤكد ان الوحدة العربية ليست الا مرحلة نحو قيام وحدة اسلامية شاعلة ، كما اننا نأمل ان تصدر عن مؤتمركم قرارات تساعد على اشاعة جو من التفاهم والالفة مع الدول الاسلامية الشقيقة وان نبدأ حكوماتكم فى القيام بالدراسات اللازمة لتحديد ملامح تنظيم جديد ينسق العلاقات الاخوية بين مجموعة الدول العربية وغيرها من الدول الاسلامية .
وانه لما يحز فى نفس كل مسلم ويدمى قلبه جزعا واسفا ان تصل العلاقات بين بعض الدول الاسلامية الى الصورة التى هى عليها الآن ، حيث نجد بعض هذه الدول تتبع سياسة تقوم على الحقد والنكاية ببعض.
واقرب مثال على ذلك مواقف بعض الدول الاسلامية المتناقضة تجاه قضية فلسطين وغيرها ولا شك ان هذه المواقف المؤسفة لا تنتهي اضرارها عند حد تعميق الخلافات بين الدول الاسلامية القائمة ، وخلق جو يلائم الاستغلال الاجنبى الذى كان ولا يزال يهدف الى تمزيق العالم الاسلامي وحرمانه من اسباب القوة والمنعة . وانما يتجاوز هذا الحد الى اشاعة اسباب الحقد والوقيعة بين الشعوب الاسلامية نفسها مما يضع العراقيل امام كل محاولة لجمع الكلمة الاسلامية في المستقبل ، واننا لنعيذ أى مسؤول عربي او مسلم ان يحمل نفسه اوزار هذا الاثم امام الله والناس.
يا اصحاب الجلالة والفخامة والسمو . ان كارثة فلسطين التى تحتل مكان الصدارة من اجتماعكم الميمون ليست الا نتيجة لعوامل عديدة من الضعف والتفكك فى الكيان العربى الاسلامي ، وهي عوامل تشمل اوضاعنا السياسية والاقتصادية ، والاجتماعية والعسكرية جميعا ، ولا شك ان القوى الاستعمارية والصهيونية التى اسهمت فى هذه الكارثة يهمها الابقاء على تلك العوامل حتى تضمن دوام النتيجة التى توصلت اليها ، ومن هنا نجد من اللازم ان ينظر للقضية الفلسطينية فى ضوء الواقع العربى الاسلامي من جميع زواياه ، وان لا تقف محاولاتنا لعلاجها عند ركن واحد او اركان محدودة . وبمعنى آخر لا بد لنا من ان نتابع مظاهر الضعف فى حياتنا كلها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا. حتى
نستطيع ان نواجه الموقف الخطير بجدارة ومقدرة.
وان قضية فلسطين هى قضية اسلامية عامة ترتبط بمشاعر المسلمين فى مختلف انحاء الارض وليس لهم مهرب من حمل مسؤولياتها امام الله ثم امام الاجيال المقبلة ، ذلك ان الاسلام لا يعرف الحدود والعصبيات إذا ديست ارض او انتهك عرض يشهد صاحبه بوحدانية الله ورسالة محمد رسول الله ، ومع ان هذه القاعدة تنطبق على كل قضية اسلامية دون تفريق او تمييز ، الا انها اكثر الزاما بالنسبة لفلسطين حيث تحتل هذه البلاد مكانة خاصة بالنسبة للعقيدة الاسلامية لانها ترتبط بالتاريخ الاسلامي ارتباطا وثيقا ، كما تشتمل على اماكن العبادة التى جعل الله دفاع المسلم عنها جهادا مفروضا فى سبيله ، ولذلك فاننا نرى ان كل محاولة مهما كانت دوافعها لحصر هذه القضية فى النطاق العربى وازالة الصفة الاسلامية عنها لن تكون نتيجتها سوى تفتيت القوى الاسلامية من حول فلسطين واعطاء المبررات والاعذار لبعض الحكومات الاسلامية لتفلت من مسؤولياتها وتسلك اتجاهات تؤدى الى الضرر الاكيد للقضية الكبرى وتعين المعتدى وحلفاءه على تنفيذ مآربهم الشريرة.
ولعلاج هذه القضية ينبغي ان نفطن الى امر خطير وهو نجاح اسرائيل بمساعدة الدول الاستعمارية الحاقدة على الاسلام ، فى ايجاد كيان فى البلاد الآسيوية والافريقية الحديثة الاستقلال . وخصوصا فى الدول الاسلامية التى وضعها المستعمر فى ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة تجعلها تستجيب لرغباته وتعمل حسب ارادته ، وهدف الاستعمار والصهيونية من هذه الخطة هو تدمير العلاقات بين الدول
الاسلامية نهائيا ودفعها في طريق الكيد والانتقام ، الى جانب خلق مجالات جديدة لإسرائيل تستفيد من اسواقها وخيراتها وتحبط بها خطط الحصار العربى المفروض عليها .
ان هذه القضية في حد ذاتها تحتاج الى دراسة واعية فى ضوء ما اسلفناه لكى تشترك الدول العربية والاسلامية فى خطة كاملة لاحباط هذا المسعى واقناع الدول الافريقية والآسيوية ولا سيما الاسلامية منها بأن طريقها هو التعاون مع العرب ضد مكايد الاستعمار والصهيونية .
يا اصحاب الجلالة والفخامة والسمو . انكم تحملون مسؤولية عظيمة امام الله والناس وانتم تتصدون للقيادة والتوجيه في مرحلة فاصلة من تاريخ هذه الامة الماجدة التى شرفها الله تعالى بحمل هذا الدين العظيم وجعله رسالة لها فى هذه الحياة ، وان امامكم فرصة سانحة تدخلون بها التاريخ من اوسع أبوابه الى جانب الاسلاف العظام الصالحين الذين قدموا لقومهم وللانسانية جمعاء تراثا زاخرا من الهداية والمعرفة.
وان لنا وطيد الامل في ان تحذوا حذوهم وتسلكوا سبيلهم نتصلوا مستقبل هذه الامة بماضيها الزاهر وتربطوا بينها وبين اسباب عزتها ومنعتها . سائلين الله تعالى لكم دوام التوفيق والنجاح وان يأخذ بايديكم فى طريق الخير والسداد انه سميع مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . صدر بمكة المكرمة فى يوم السبت ٢١ ربيع الثاني ١٣٨٤ ه ٢٩ اغسطس ١٩٦٤ م عن المجلس التأسيسى لرابطة العالم الاسلامي

