الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

بناء مجتمع المدينة الفاضلة

Share

ان تاريخ البشرية حافل بالاحداث العظام والمعارك الخالدة بين قوى الظلم والطغيان ورجال الحق والعدل ... وإنه لزاخر بالشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء لأجل تغيير وضع سئ وإصلاح مجتمع فاسد ..

وإن مجتمع المدينة الفاضلة حلم طالما راود خيال الانسان فرغب فى تحقيقه من يوم ان دعا نوح قومه الى الهدى ودين الحق الى يومنا هذا .. ولكن الانسانية باءت بالفشل فى بعث مثل هذا المجتمع .

إن قصارى ما وصل اليه الفلاسفة أمنيات لسعادة البشرية أودعوها كتبهم وكان افلاطون هو السباق الى الاهتداء لانشاء المدينة الفاضلة يوم أن كانت اليونان قد بلغت شأوا لم تبلغه غيرها من الأمم فى الرقى الفكرى والمادى ورغم ذلك فقد كان هذا المجتمع الراقى فى حاجة الى تنظيم عادل من الوجهة السياسية والعلاقات الاجتماعية ففكر فى بناء مجتمع نموذجى يتوفر فيه عاملان أساسيان :

1 ) الضمانات الاجتماعية 2 ) الطمأنينة النفسية ووضع أسس هذا المجتمع فى كتابه " الجمهورية " .

وجمهورية افلاطون قد لا تروقنا .. لكنها فى عصرها - تعتبر حلما من احلام الانسانية الكبرى والذى يهمنا - نحن هنا - ليس الجمهورية فى حد ذاتها - وانما اهتمام افلاطون الاكبر بالحرية والعدالة ... وتلا افلاطون فلاسفة وأدباء كثيرون تخيلوا المجتمعات المثالية لحياة الانسان وكانت الثورة الفرنسية بحق انتفاضة قوية صارمة غيرت بعض الشئ .. ملامح المجتمع الفرنسى بالذات ..

ولكن هل حققت هذه الثورة حلم الانسانية .. هى أيضا لم تجد .. ولم تجد أيضا نظرية " النشوء والارتقاء " .. وظل الرجل الاله Superman هو الآخر محبوسا فى نطاق النظريات المجردة  .. ورغم ذلك فالانسان لم ييأس من تحقيق حلمه وها نحن اليوم فى قرن حطم الانسان فيه الذرة وغزا الفضاء ووطئت قدماه القمر ولكنه بدا - هو الآخر - عاجزا عن تحقيق مجتمع آمن على وجه هذه الارض فظل بذلك - خوفه - يتبعه كظله أينما حل - الخوف من الظلم ومن الاستبعاد ومن الجوع ومن الحرب ومن الضياع ..

وبدا المجتمع الفاضل حلما جميلا صعب التحقيق ..

إن هذا المجتمع قد تحقق فى يوم ما بصورة لم يعهدها الانسان من قبل ..

إن المجتمع الراقى الذى أقامه محمد عليه الصلاة والسلام النبى الأمى لم تعرف البشرية له نظيرا ولم يتح لأى نبى قبله ولا لأى مصلح بعده . . لقد تحقق مجتمع كريم فاضل فى مدينة " يثرب " اذ تحول ذلك الشعب الموغل فى الجهالة الى شعب يقف فى القمة من العالم فى فترة قصيرة من الزمن .. وفى حقيقة الأمر إن الحضارة الاسلامية كانت تتماشى والفطرة السليمة وكانت على دراية تامة بحقيقة الانسان ويطبيعته فوفرت له حاجاته المادية وكذلك حاجاته الروحية فأنشأت قيم الحق والخير والجمال .. والتعلق بالمطلق .. وأغلب ظنى أن مدنية القرن العشرين قد أنشئت دون معرفة بطبيعتنا الحقيقية .. لذلك تجاهلت القيم الاساسية للانسان وأغفلت الجانب الروحى وجعلت الأولوية للجسد وحاجاته الغريزية على الروح ومتطلباتها ...

نظروا الى الحياة فجعلوا الأولوية للانتاج والاستهلاك على الأخلاق وما يتصل بها من قيم ومبادئ انسانية ..

La civilisation moderne se trouve en manuvaise Pasture parce qu,elle ne nous convient pas . Elle a ete construite sans connaissance de notre vraie nature . Quoique ediffiee par nous , elle n'est pas faite a notre mesure . Alenis Carrel . < L'homme , cet inconnu >

ورغم هذا فالشباب فى بلدان العالم الثالث ما زال يرى فى الغرب المثل الاعلى للحياة السعيدة بكل ما تشمله من تقدم تقنى وازدهار حضارى وانحلال أخلاقى وفساد اجتماعى ..

ونتج عن ذلك ان تنكر الفرد لماضيه ولتراثه بدعوى انه قد أصبح متحضرا وان الدين هو مخدر الشعوب ..

يقول الاستاذ محمد اسد المستشرق النمساوى الذى اسلم :

" وما من مدنية تستطيع ان تزدهر أو تظل على قيد الحياة اذا هى خسرت اعجابها بنفسها وصلتها بماضيها " .

ويقول أحد المفكرين الغربيين :

" إن المثقفين العرب الذين يرتادون ديار الغرب للتزود من ثقافته لا يمثلون اليوم الشخصية العربية الأصيلة فهم من أمتهم ذوو شخصة مزدوجة المعالم ، ضائعة الحدود ، فلا هم نخبة عربية أصيلة ولا هم رسل حضارة غربية ذات طابع أصيل ، أقدامهم فى الشرق العربى ورؤوسهم فى أوربا .. والاتصال بين أقدامهم ورؤوسهم مفقود " .

لقد اردنا أن نوفق بين متناقضين فاستحال علينا الأمر .. ولم نفكر فى أن ننظر الى الوراء .. الى تراثنا والى ماضينا .. الحافل بالأمجاد وبالبطولات ..كى تراجع أنفسنا بصدق وحتى نتمكن من إنشاء مجتمع سليم معتمدين فى ذلك على ماضينا وعلى تراثنا الذى هو من مقومات شخصيتنا الحق ..

وعلينا الا ننسى اننا مهددون باذابة شخصيتنا وببعث الضعف والوهن فى أنفسنا حتى لا تعود تلك الجبارة التى تزعمت العالم وحكمته قرونا وقرونا ، قوة العرب وقوة الاسلام .. ولكى نفهم اكثر ما يريده منا الغربيون فلندقق الفهم فى هذا الاعلان الذى صرح به أحد اعضاء البرلمان الانكليزى فى احدى ندواته :

< Aussi longtemps que les musulmans front au Coran , ils nous bar - front la route . Nous devons done les en detourner > declaration de Lord Gladstone au Parlement Anglax >> << Vair France Islamique >>

فالغربيون إذن خائفون من ذلك اليوم الذى نخضع فيه لدستور واحد ونتكتل حوله لنكون قوة جبارة تقف فى طريقهم وتسد عليهم باب الرقى والتقدم كما يفعلون معنا اليوم ...

لذا هم يسعون دوما لاحداث التمزق والتفرقة بيننا وللاستهانة بكل ما نؤمن به وهو الذى يجعل منا قوة واحدة وصوتا مسموعا وفكرا يقظا واعيا لذلك نراهم دائمى السخرية من عاداتنا ومن تقاليدنا ومن ايماننا .. معلنين فى كل ساحة وفى كل ركن أننا اناس متخلفون سذج مساكين ..

واستغل هذه الفرصة لأن اليكم فقرة من افتتاحية مجلة " الفكر " جويلية 177 لمؤسسها ومديرها والمسؤول عنها الاستاذ محمد مزالى حيث يقول تحت عنوان : " حول حوار الحضارات "

" ولطالما عبرنا عن أسفنا واستنكارنا لما لا يزال الغرب يبديه - رغم وعى تاريخى جديد وتحسن ايجابى واضح فى مواقف عدد متزايد من مفكرية وسياسييه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية خاصة - من جهل أو تجاهل لقيم الشرق عامة والحضارة العربية الاسلامية بصفة أخص ، ويأتيه من سلوك التعالى والازدراء والتصامم عن الحوار النزيه الحق الذى لا يكون الا اذا سلمت كل الاطراف المعنية بأنها - تعلم شيئا وتغيب عنها أشياء - وأنها تفيد بقدر ما تستفيد - وتعطى بقدر ما تأخذ - وان العصمة ليست وقفا على قوم دون قوم آخرين ، ولا لعصر دون آخر ، وإن مستقبل البشرية مشروع حضاري متجدد متنام يساهم فيه كل البشر بدون ميز ولا تفوق " .

ولا يظنن البعض أن سبب هذه الظاهرة المؤسفة هو البعد الجغرافى أو الحاجز اللغوى أو القضاء التاريخى بل إن العامل الرئيسى لكراهية الغرب ومركبات تفوقه ولا مبالاته ، هو - فى رأينا - ما عمد اليه وقصده بعض المبشرين من تشويه متعمد وطمس مقصود للحضارات الاخرى ومن ازدراء بعادات الشعوب العربية والافريقية .. والآسيوية وطقوسهم وامزجتهم تبريرا لمشاريع التوسع والاحتلال والاستغلال وإراحة لضمائرهم وسندا أخلاقيا للاستعمار وما يقتضيه من قمع وسلب وتقتيل ..

وإن تاريخ العالم المعاصر وخاصة منذ القرن الثامن عشر الى اليوم ليؤيد ذلك ويوضحه خير توضيح وأبلغه " .

ولمن أراد من شابنا المزيد فعليه بمطالعة مجلة " الفكر " وبالاحرى افتتاحية عدد جويلية 1977 فسيرى بنفسه :

" ان المدينة الغربية وان ولدت الشعور بالنقص فى نفس الانسان فى العالم الثالث فهى قد ولدت فى نفس باعثها - أعنى الغربى - مركب التعالى والتفوق والعنصرية حتى أن الغربى أصبح يرى نفسه من طينة مغايرة لطينة هؤلاء الذين يطلق عليهم " العالم الثالث " " .

إذن فنحن نرى أن إنسان اليوم أصبح يشكل أعظم خطر على الانسان نفسه . .

فأين هو المجتمع الفاضل ؟؟؟

نحن لا نقول : ان هذه الدعوة خيالية . . لاننا نأمل أن يعاد البناء من جديد وان تصل تدريجيا الى تحقيق المدينة الفاضلة تلك التى أوجدها النبى عليه الصلاة والسلام فى يثرب ..

فلا يليق بتطوير الانسانية الا الاساليب الانسانية ..

وفلسفة التربية القرآنية هى فلسفة اسلامية انسانية .. لأن القرآن يدعو الانسان الى استعمال العقل والبصيرة وعناصر الايمان فيه مترابطة وبهذا الايمان يحل النظام محل الفوضى والوحدة محل التفرقة والاستقرار محل الضياع وهذه عناصر أساسية فى ضمان سعادة الانسان التى يدعو اليها مجتمع المدينة الفاضلة ..

فلنعتز إذن بانتمائنا لهذه الرقعة من الارض وبتراثنا وبأمجادنا السالفين ولنعمل لأجل اعلاء كلمة الحق ولنتمسك بشخصيتنا وبأصالتنا ولنراجع أنفسنا بصدق بذلك سوف تكون قادرين على بعث مجتمع جديد ، مجتمع إسلامى أصيل ، يمتاز بالعدل والاخاء والرخاء وتتوفر فيه الى جانب الضمانات الاجتماعية الطمأنينة النفسية التى تعتبر الاساس الاول الذى تبنى عليه الحضارات والسعادة البشرية المنشودة ..

اشترك في نشرتنا البريدية