الطريق لا يريد أن ينتهي كآلامنا التي لا تعرف الحدود . . الجرح الغائر والليل والمطر ، كل شيء يوحي بالضياع . . التعليمات تقول : يجب أن نصل إلى نقطة التربص بعد ساعتين لنصب كمين ، ساقي المجروحة تقول : لا يمكن أن اصل - إذا وصلت - قبل أربع ساعات ، ومعنى هذا أنه عندما يكون الرفاق قد بدأوا في إطلاق النار أكون مازلت أجر آلامي في نصف الطريق . . طويلةٌ هي الآلام.. الليل والمطر والجرح ، كل شيء يقسو على الألم يتصاعد من غير رحمة يشتد ، مشلولاً يكاد يجعلني ، الجماعة بدأت أشباحها تغيب عند المنعطف البعيد ، ومحمود ، أخي ، صامتًا يسير بجانبي وهو يحمل على كتفه ثقل آلامى . . شعور حادّ بأنني أصبحت عالة عليه . . على كل الآخرين يصرعني . . الإنسان العالة يجب أن يزول . . نعم يجب أن ينسحب ويترك الطريق للآخرين . . أنزلت يدي من على كتفه . . العالة يجب أن تزول . . يجب أن تنسحب . . تشجعت وأنا أحاول أن أقف ثابتًا على قدمي المغروستين في الطين.
- عليك أن تتم المسيرة ، يجب ، ألا يعانق مصيرك مصيري ، لقد قررت أن أعود .
بسرعة ولكأنه كان يترقب ذلك منه . . كان يعرف كل ما يجول بخاطره : - لا ، إننا مدعوّون إلى مصير واحد.. أبدًا لن أسلمك للأحراش.. لليل والمطر وأنت هكذا.
وبإصرار أجاب . - قلت إنني سأعود ، يعني سأعود. وصمت قليلاً ليقول بهدوء: - إنك يا محمود ما زلتَ قادرًا على العطاء ، عليك أن تلتحق بالجماعة.. لا يَشغلك أمري كثيًرا ، سِرْ مطمئنًا ، سأبلّغ آمنًا تحياتك.
لا أمل في إقناعه ، محمود يعرف أخاه جيدًا ، يعرف مقدار عناده.. إنه عنيد لدرجة لا تعرف التراجع ذلك ما يركبه المخاطر ، لقد كان عناده دائمًا مصدر آلامه ، تعطّلتْ ساقه لأنه كان عنيدًا ، فحينما صدرت الأوامر بالانسحاب ظلّ وحده يُطلق النار حتى أصيب ، ربما كان يتمنى لنفسه أن يسقط ، أن يُعانق التراب إلى الأبد . . التراب الأسمر الذى عانقه أبوه منذ عشرين سنة . . والذي عانقته زوجته منذ سنة فقط ، جميلٌ جدًا أن يمتزج الإنسان بالتراب في رحلة العِناق .
فترة الصمت كانت عميقة.. مؤثرة.. تَعانقا في حرارة ، لم يُرد أن يعطيه بندقيته.. من عينيه طفرت دمعتان.. في سِرّه شكر الظلام والمطر اللذيْنِ سَتَرَا ضعفه ، وتشجع :
- إلى اللقاء . وسار محمود مُسرعًا ، صامتًا يريد اللحاق بالجماعة.. لم يجب ، كان أضعف من أن يقول شيئًا ، حتى من أنْ يرد : إلى اللقاء.
ما أقسى الليل والمطر! الوحدة تصفع من غير رحمة ، الإعياء والألم يستيقظان من جديد ، لأول مرة يسمع لليل للمطر صوتًا آخر غير الذي يعرف ، في الوحدة وعندما تهدأ الأشياء تُولد أشياء جديدة ، الأشياء الصغيرة تكبر فتقتحم الأذن بقوة تمامًا كأصواتنا نحن ، انطلقت يتيمة صغيرة لتصبح مجلجلة قوية ، وأحسّ بجسمه يتهاوَى.. ساقه اليُمنى لا تستطيع أن تحمل جسمه .. جسمه المثخن يشهد له بالبطولة يُؤلمه أن ينتهي هكذا بعيدًا عن الآخرين ، مدّ يده إلى ساقه فتلطّخت بسائل لزج ساخن ، السائل اللزج الساخن ما زال مندفعًا ، المطر لم يغسل كل ساقه ، جلس ، غاصت يده في بركة الماء الصغيرة بجانبه ، وبدأ يغسل ، حينما مرّ بيده مرة أخرى على الحر أحس بالألم . كان قد استقرّ هناك بعض الحصى والتراب الذي حملته كفّه من البركة.. رغم الألم خطر له أن يبتسم ، التراب الذي عاهده استقرّ أخيرًا في ساقه ، وابتسم . . ضَحِكَ والدّمُ ما زال مُسترسلاً . . مزّق كُم القميص المبلل وبدأ يُضمّد الجرح . . السائل اللزج ما زال يتحدّى القميص وكل شيء . . كان عليه أن يقف ، أن يسير ، أن يزحف ، أن يفعل أي شيء كي يصل القرية حيث أمه وأحمد ولده ، زوجته برصاص الغدر سقطت في فِناء الدار حينما حاول في فناء الدار حينما حاول جندى مستورد أن يعتدي عليها فبصقت على وجهه ، هكذا قال أحد القادمين من هناك ، لم يتألم.. صبور كالأرض التي يسير عليها ، كأمه التي تحمل عند
منبت كل شعرة بيضاءَ في رأسها ذكرى مؤلمة حزينة.. عليه أن يصل قبل أن بفضحه الصباح وبدأت الأشجار تتلقف سيره وزحفه والأرض بشوق تتروَّى من قطرات دمه ، أصبحت البندقية ثقيلة على كتفه ، عزّ عليه أن يُلقي بها . شريكته في رحلة المعاناة والقهر ، وعندما صعد المرتفع الصغير لاحت له بعض معالم القرية ، معالم أخرى لم تظهر ، ربما غابت عنها إلى الأبد ، زحف عليها الجراد فأبادها ، المسجد الصغير الذي رُفعتْ أحجاره بعرق أبناء القرية قيل إنه أصبح سوقًا للدعارة ، قهقهات الجنود المخمورين كانت تتعالى من هناك ، عليه أن يتجنب المرور من الطريق الرئيسى بدا ينحدر زاحفًا ، عند كومة الازبال وقف ، أحسّ بحركة ، تجمّد في مكانه ، الحركة تزداد اقترابًا ، نَسِيَ الجرح، وضع سبابته على زناد البندقية وانبطح على الأرض.. رائحة التراب تُولد فيه القوة من جديد ، أنسته الإعياء والجرح والألم الحركة تتوقّف ، نظر إلى مصدرها .. كلب كان أمامه يبحث عن شيء في الأزبال ، ابتسم ضَحِكَ للفكرة ، كلب يعرف هو أيضًا كيف يتحدّى أوامر حظر التجوّل ، سار قليلاً في حَذَر ، لاح له جدار البيت المهدّم .
- الكلاب ماذا فعل لهم الجدار؟ وبصق..
كان عليه أن يقهر جرحه ، أن يتسلّق جذع شجزة اللولب العتيقة ويُلقِي بجسمه في فناء البيت ، وعندما بدأ يتسلّق سمع أصواتًا تقترب ، بسرعة كان قد تخطّى الحاجز وألقى بجسمه على كومة الحشائش في الفناء ، الأصوات نتجمّع وتتكاثر ، الأضواء الكشافة تتجوّل على قمم الأشجار والأسوار والسطوح المحنية .
- مَنْ هنا ؟ لا أحد يجيب - مَنْ هنا ثانية ؟ .. ثالثة ؟ لا أحد يجيب ، عبارة إنذارية تُطلق في الفضاء.
لا أحد يجيب ، لا أحد يجرؤ حتى أن يُشعل الضوء ، لا شكّ أن وراء الكُوّات الصغيرة المظلمة أكثرَ من عين ترى.. الأصوات بدأت تبتعد.. تتضاءل ، تموت ثم تتحول بعد ذلك إلى مجون من جديد ، بدأ يجد ساقه ، في المدخل المظلم اصطدم بجسم.. ارتعد وهو يشدّ على بندقيته ، ضمّته أمُّهُ إليها.. بعنف
الأمومة ضمّته إلى صدرها ، قبّلها بشوق وبدأ يتهاوى من جديد ، دفعة واحدة يُولد الإعياء والجرح والألم . . على ضوء فانوس صغير اهتدى إلى السرير، وتمدّد ، بجانب ولده أحمد تمدّد ، عادت إليه بالماء الساخن والضّمادات ، ولكن النزيف لا يرحم ، بيد ثقيلة رفع اللحاف عن الوجه الصغير ، ضمه إليه في رفق ، أحسّ بشيء صلب ممدد بجانبه قطعة من قصب على شكل بندقية.. قَبّله وابتسم وهو يودّع حياته مع قطرات الدّم.
وفي الصباح عندما جاء الصغار بقصبهم يبحثون عن أحمد ليلعبوا لُعبة البنادق لم يجدوه بالبيت ، كان قد ذهب إلى مكان ما وهو يحمل بندقية جديدة.
