الحلقة الثالثة
المنطقة الثانية من ديار بني سليم هي منطقة ) وادى ستارة ( وهو واد كبير طويل ينبع من أواسط حرة بني سليم . ولكل جزء منه اسم معروف به . والاسم الغالب عليه هو ستارة . ويصب فى سهل تهامة بالقرب من القضيمة ، واسفل الوادى يعرف ) بقديد ( بضم القاف وفتح الدال . الخ
وستارة من القرى الداخلة فى ديار بني سليم أكثر من عشرين قرية أسفلها قرية الظيته وأعلاها قرية ) البرهمية ( وأهم القرى قرية السليم - بضم السين المهملة وفتح اللام ، بعدها ياء ساكنة فميم عاصمة المنطقة وقرية المخمرة والفروف - والمسماة - والمديد والمعالى .
وقرية السليم عاصمة المنطقة تسقي بعين عظيمة وهى تتوسط قرى المنطقة اذ تقابلها من الشمال قرية الشعبة وهي نخيل كثيرة ومزارع قليلة ، وفي غربيها قرية الدبيسية ذات البساتين الجميلة وحقول المزارع والخضراوات . والدبيسية متنزه أهل القرية
وكذلك على بعد كيلين من الشمال الشرقى توجد قريتا الأبيار ، والمديد . وهما قريتان كثيرتا المزارع ، وأراضيهما واسعة وتسقيان بالعيون الجارية ولهذا السبب اختيرت قرية السليم لتكون حاضرة المنطقة وأقيمت بها أول مدرسة تفتتح فى ديار بني سليم عام ١٣٧٥ ه وبها قصر الامارة والمستوصف الصحى
وقرية السليم كبيرة جدا وتسقي عيناها حاليا ما يزيد على عشر آلاف نخلة والاراضى البيضاء التى قصرت العين عن سقايتها أكبر من ذلك بكثير . والآثار المحيطة بها تدل على بعد المسافة التى تصلها العين قديما لسقى المزارع ، واعظم ما يلفت نظر الزائر لها هو القصر الاثرى العظيم المبنى بالحجارة والبالغ ارتفاعه حوالى اربعة أمتار وهو مربع الشكل يبلغ طول كل ضلع منه سبعون مترا وبداخله ثلاثون حجرة تتوسطها أرض فسيحة بها بئر مطوية للشرب ، ثم مبنى يطوف على الغرف وبه فتحات لفوهات البنادق . وليس له الا مخرج واحد ذو ثلاثة أبواب واحد بعد الآخر ، ولا ندرى بالتحديد من الذي بناه ولكنه ينبئ عن استخدامه للحصار وللدفاع عن القرية فهو أشبه بثكنة عسكرية .
والبناء يظهر فيه جمال التخطيط وروعة التصميم وربما يكون بناؤه فى خلافة بني العباس وهو فى نفس ربوة القرية ونزلتها .
وبالقرب منه آثار حصون قديمة عليها كثير من الكتابات الاثرية المنقوشة على الصخور . وبالمقابل منه في قرية الشعبة على طرف الحرة يوجد حصن عظيم البناء صغير الحجم ليس به حجر - بضم الحاء - متعددة ولا ماء وهو متهدم ولم يبق منه الا الجانب المواجه له
ويقال ان أهل قرية السليم تحصنوا بهذا القصر وحاصروا حصنهم المتركز في الحصن المقابل له ، ولعدم وجود الماء اضطروا إلى التراجع وفك الحصار
هذا وكل ما توصلت اليه عن هذا القصر العظيم عبارة عن حكايات لا تستند الى دليل يطمئن له الضمير ، وهي تفتقر إلى دليل علمي قاطع
وبالقرية اكثر من عشر مقابر كبيرة ، بعضها مندرس ، وهذا دليل على كثرة سكانها فى العهد القديم .
ووادى ستارة عموما أوسع وأغزر ماء من وادى ساية وله فروع كثيرة أهمها وادى ) تضمري ( - بفتح التاء وسكون الضاد بعدها ميم مكسورة فراء مكسورة فياء ساكنة
ووادى مرخ الذي تم استصلاحه حديثا بحفر الآبار وتركيب المضخات الحديثة عليها له مستقبل طيب في الزراعة وهو الذي ذكره الحطيئة فى قصيدته المشهورة التى قالها سترق عمر بن الخطاب ويرجوه العفو عنه
ماذا تقول لافراخ بذي مرخ
زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
القيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ذكر ذلك صاحب معجم البلدان . وقال : وادى مرخ بين فدك والوابشية خضر نضر كثير الشجر وانشد بيت الحطيئة السالف الذكر ولأبى وجرة الهذلى الشاعر فيه :
واحتلت الحر فالاجزاع من مرخ
فما لها من ملاحاة ولا طلب
والجو المذكور فى البيت هو أعلى الوادى أو فرع من فروعه ، ولا يزال معروفا بهذا الاسم حتى اليوم .
ومن فروع وادى ستارة حوره ( - بضم الحاء وهو واد منحوت بين جبلين عظيمين هما جبلا بيران وشيبان ، وبحورة آثار مصانع قديمة أثبتت التحريات الحديثة وشركات التنقيب عن المعادن وجود كثير من ذلك وكما يتضح ذلك من أسماء بعض شعابه اذ تسمى بالمصنع والمصينع .
وبوادى ستاره وضواحيه مناطق اثرية متعددة من اعظمها وأجلها آثار مدينة سليم المعروفة باسم جبلة - بجيم مكسورة فباء ولام مفتوحتين بعدهما هاء تأنيث - وهي تقوم على شعب منخفض ضيق يبعد عن قرية السليم بحوالى ستة كيلات ، وتقوم بها الأطم والحصون المتهدم بعضها فوق بعض ، واكتشفت بها آبار عادية مطوية بالحجارة ومياهها صالحة للشرب وهي نقية مائة بالمائة والماء قريب من سطح الارض ، وفي موضع من شعبها يوجد الماء ظاهرا على سطح الارض لم يعهد أن غار فى ايام القحط الشديدة اذا تنضب العيون وتغور مياه الآبار العميقة وبقى هو على حالته .
وبحصون جبلة ومقبرتها الكبيرة التى تقدر بعشرات الآلاف آثار كثيرة منها الكتابية وما عثر عليه منها حتى الآن كله اسلامي ، اذ تبدأ ببسم الله والحمد لله ، وشهد الله وهو خير الشاهدين وقد أخذ منها كثير من الحجارة الاثرية المشار اليها من بينها حجر الشاهد الذي اخذ من مقبرتها واتى به إلى مدينة جدة حيث تمكن
الاستاذ عبد القدوس الانصاري من قراءته ونشر عنه في كتابه الجديد " بين التاريخ والآثار " وكذلك وجدت بها جرة فخارية مملوءة بالعملة التى كانت مستعملة ومتداولة فى وقتها . ومع الاسف الشديد فانني لم أتمكن من الاطلاع عليها ، وهي على ما وصفت لى قطع معدنية مستديرة ليست بذات اهمية اقتصادية وانما ترجع أهميتها الى كونها تحدد شيئا من معالم تلك المدينة المطمورة .
وجبلة كما يقول صاحب معجم البلدان أول مدينة اتخذت بتهامة وبها حصون منكرة مشيدة بالصخر لا يروحها أحد ( .
انتهى كلامه .
وهي الآن كذلك لا يسكنها الا القليل من المزارعين الذين استصلحوا أرضها الزراعية ، وهي مع ضيفها خصبة للغاية وتقع المدينة المذكورة على طريق الجادة المسمى بدرب الزائر الذي يسلكه قديما زوار المدينة المنورة مشيا على الاقدام قبل وجود السيارات والطرق المعبدة .
والمنطقة على العموم اتربة وآثارها تنبئ عن عظم المنطقة وكثرة سكانها ابان ازدهارها والمدينة صناعية فقد تقدمت بها صناعة صقل المعادن وضرب السكة . ولا تخلو المنطقة المحيطة بها من المعادن والثروات الجوفية
ويروى على السنة سكان هذه المنطقة حكايات غريبة عن ماضى جبلة وقدمها ، من أغربها هذه الحكاية التى أسوقها هنا مع عدم الاطمئنان إلى صحتها ، ولربما يكون فيها شئ من ظل الحقيقة . والقصة تتلخص في أن زعيم هذه المدينة أراد ان يقيم حفلة زفاف لابنه وبعد تحديد وقتها توالى عليهم هطول الامطار
لمدة طويلة فعمدوا الى كاهنة يستشيرونها فى الامر فأشارت عليهم بأن يسلخوا ثورا وهو حي ويخرجوه في العراء والمطر ففعلوا فانقطع هطول المطر وغار الماء وضاقت الارزاق وانعدم الهواء فلا يجدون نسمة من ريح حتى انهم صاروا يأخذون الرماد ويذرونه على رؤوس الجبال فلا يتطاير منه شئ ثم حفروا فى الأرض تسعين قامة ولم يجدوا ما يستقون به فماتوا عطشا واختناقا بسخط الله عليهم حتى ان اخرهم لم يجد من يدفنه وسمى الجبل المشرف عليها من المشرق بابي رمادة من ذلك الوقت ولا يزال ، وعلى كل فالمدينة أثرية وتدل حالها على ان سكانها انقرضوا فى وقت واحد ، وليس ذلك على الله بعزيز
وانني بهذه المناسبة أتوجه إلى وزارة المعارف وعلى رأسها وزيرها الشاب الشيخ حسن آل الشيخ والى دائرة الآثار وكل الجهات المعنية بذلك بإيفاد بعثة تقوم بالاطلاع على المنطقة ودراستها على الطبيعة فلمربما تكشف لنا جانبا غامضا من تاريخ الجزيرة العربية الناهضة اليوم في ظل موحدها ورائد نهضتها جلالة الفيصل .
هذا ، وان المنطقة الاثرية الثانية تقع فى وادى شجية المتفرع من وادى مرخ فى موضع يقال له : شعب القرية وهو كما يظهر من دلالة اسمه موضع قرية قديمة مندرسة لم يبق الا رسومها واطلالها وبعض الاطم
البسيطة والمتهدمة جوانبها وأطرافها . وآثارها كثيرة منها كتابات قديمة قد تكون عادية ، ومنها صور لوحوش وحيوانات كانت فى هذه المنطقة .
وغير هاتين المنطقتين توجد مناطق عديدة أخرى مثل الدوارة - بضم الدال المهمده وتشديد الواو والمديد - بفتح الميم - والمعالى ، والمسماة ، والمريصيع ، والسليم ، والدبيسية وكلها لا تخلو من آثار تاريخية قديمة .
وبوادى ستارة ثلاث مدارس ابتدائية نهارية وليلية ، ولا تزال المنطقة بحاجة إلى زيادة عدد المدارس ، ويقدر سكان وادى ستارة بنحو عشرين الف نسمة ويعملون فى حرفتين رئيسيتين ، هما الرعى والزراعة الى جانب التجارة . ونلاحظ ان اتجاه المواطنين ان الزراعة اكثر من اتجاههم الى اى عمل آخر مما يبشر بمستقبل زراعي لمنطقتهم طيب باذن الله تعالى وليت وزارة الزراعة والمياه تقوم بافتتاح وحدة زراعية لارشاد المزارعين الى افضل الطرق في استثمار أراضيهم حتى يزيد انتاجهم . واننا نتوجه بهذا الطلب الى معالي وزير الزراعة والمياه : الشيخ حسن المشارى وعسى أن يلقى من عنايته ما نرجوه ونؤمله . والى اللقاء فى الحلقة القادمة بأذن لله تعالى .
جدة

